وافق مجلس الوزراء العراقي، بجلسته الاخيرة، على مشروع قانون الحرس الوطني، الذي جاء ضمن بنود ورقة الاصلاح السياسي المتفق عليها بين الكتل السياسية الممثلة لمكونات المجتمع العراقي وبالأخص المكون السني، وتحول، (بعد الموافقة عليه)، الى البرلمان على امل اقراره في اسرع وقت، ويهدف القانون الى تجنب مشاكل انية، برزت الى السطح اثناء التصدي لتنظيم داعش في المناطق التي سيطر عليها التنظيم في غرب وشرق البلاد، خصوصا في تنظيم علاقة المتطوعين الغير مرتبطين بمؤسسات الدولة وتحديد وضعهم القانوني (الحشد الشعبي، العشائر، الصحوات)، اضافة الى معالجة المشاكل المستقبلية المتوقعة بعد الانتهاء من تحرير المدن والمناطق العراقية من تنظيم داعش، والتي تتعلق بالسلاح وحصره بيد الدولة، والنزاع حول المناطق المشتركة، او النزاع المسلح الذي قد يحدث بين المقاتلين، ومصير الافراد الذين شاركوا في القتال بعد نهاية الازمة.

وكان الاسراع بإقرار قانون الحرس الوطني، احد اهم نقاط الاتفاق السياسي بين المكونات المشاركة ضمن برنامج العمل الحكومي الموحد، الا انها لاقت العديد من العراقيل والمخاوف، حتى من قبل الدعمين لها لأسباب عديدة، يتعلق بعضها بمخاوف تعزيز التقسيم داخل العراق على اساس طائفي ومذهبي، فيما ابدى البعض الاخر تحفظاته بشأن بعض فقرات القانون المتعلقة بنسب التمثيل والتسليح (الذي وصف بانه فوق تسليح عناصر وزارة الداخلية ودون تسليح قوات الجيش العراقي التابع لوزارة الدفاع)، والتبعية، كما اشار اخرون الى امكانية تحول هذه القوات الى وجه اخر من اوجه الفساد داخل مؤسسات الدولة، سيما وان رصد المبالغ الطائلة لإنشاء قوات خاصة لحراسة الحدود الادارية للمحافظات الساخنة وغيرها، لا يمكن ضمان خروجه عن دائرة الفساد المالي، وبالتالي افراغه من السبب الحقيقي الذي دعا لتشكيله.

الحقيقية ان وجه نظر الطرفين (المؤيدين والمعارضين) لها ما يبرر مخاوفها والشكوك التي تساورها، خصوصا وان وضع البلاد لا يحتمل المزيد من "المغامرات السياسية" او "المجاملة السياسية"، مع الاخذ بنظر الاعتبار ان العراق يمر بمرحلة سياسية وامنية حرجة للغاية، وان اي قرار سياسي او اقتصادي او أمنى غير مدروس قد يتبعه انهيارات وتبعات غير محمودة العواقب، لكن هل ينطبق هذا الامر على قانون الحرس الوطني؟

في البداية علينا ان نعرف ان المسلحين (من غير العناصر المنتمية للتنظيمات المتطرفة او الارهابية) منتشرين في كل مكان من العراق تقريبا، فالسلاح واستخدامه هو جزء من ثقافة لازمت المجتمع العراقي منذ زمن بعيد، وجاءت الحروب والازمات اللاحقة، والتي مرت بها البلاد لتعزز من مكانة هذه الثقافة وترسخها بين شرائح واسعة من المجتمع، وفي حال كان هناك اعتراض على قانون الحرس الوطني (الذي من المفترض ان يحصر السلاح واستخدامه بيد الدولة ويعطي اطارا قانونيا للمقاتلين، بحسب تأكيدات مكتب رئيس الوزراء العراقي)، فالأولى ان يسبق هذا الاعتراض، اعتراض مشابه على تفشي ثقافة انتشار السلاح والمسلحين، وان يعالج هذا الخلل في ظل وجود دولة تؤمن بالقيم الديمقراطية وتسعى لتأسيس مجتمع مدني يفترض ان يكون خالي من مظاهر السلاح.

من جانب اخر وحتى لا يغبن حق الجميع، وتحفظ حقوق من ساهموا في حماية البلاد والعباد من الوقوع تحت ظلم التنظيمات الارهابية (داعش ومثيلاتها)، ومن بينهم المتطوعين الشيعة (الحشد الشعبي)، والعشائر والصحوات، كان على الدولة العراقية عدم اهمال حقوقهم ودمجهم ضمن مؤسساتها واجهزتها الامنية، ويرى متابعون، ان أفضل طريقة قد تتعامل بها الحكومة العراقية مع هؤلاء المتطوعين هو اقرار قانون "الحرس الوطني"، الذي ربما سيعالج مسالة احتواء المقاتلين بدلا من بقاء مصيرهم تحت رحمة المجهول.

لكن ومع الايجابيات التي يمكن ان يوفرها اقرار قانون الحرس الوطني، يبقى هناك تحديان مهمان ينبغي على الحكومة العراقية الحرص على منع نفادهما خلال وبعد تشكيل هذه القوات:

1. منع افة الفساد من المساهمة في تشكيل قوات الحرس الوطني، والتي قد تتغلغل في تحديد الولاءات (من خلال تحديد الرتب العليا والمناصب التي ستقود هذه القوات)، والتدريب وصفقات التسليح والتفاصيل الأخرى التي قد تنعكس سلبا على الهدف من تشكيلها.

2. توضيح العقيدة او "الهوية" التي سيحملها هذا "الحرس"، سيما وانه يحمل كلمة "الوطني"، فالعقيدة او الهوية التي ستسير عليها هذه القوات (في حال اقرار القانون) مستقبلا، هي من ستحدد مديات نجاحه من فشله، كما ستحدد ما سيشكله من فارق في كونه جاء لمعالجة الازمات التي يمر بها العراق ام اضافة لازمات اخرى ستتحملها الحكومة في المستقبل.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0