لعلّ من يستمع إلى تلك الأنباء والأخبار العجيبة التي ترد من الهند شارحة الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسكاني والجغرافي العجيب الذي يعيشه الناس هناك..! يجد بعض المؤشرات التي تدلّ على وجود تركيبة قد تبدو متناقضة وربما تهدد مستقبل الهند بالإنفجار إلاّ أن الواقع الحيوي الذي يعيشه الناس في شبه القارة تلك يعكس صورة أخرى للوضع إذ لازالت الهند وهي تدلف إلى القرن الواحد والعشرين تُعد من الدول الصناعية والاقتصادية والسياسية الكبيرة في العالم إن لم يكن أكبرها كما يتوقع بعض الخبراء.

كيف استطاع الهنود أن يتجاوزوا كل التناقضات ويشكلوا دولة ديمقراطية حديثة قائمة على التعددية والقوميات واللغات والأعراف والأحزاب..؟ من المعروف أن الدول التي تحكم تقاليد وعقائد متباينة تؤدي في الغالب إلى نزاعات وحروب أهلية لا يعرف أمدها، إلاّ أن ما حدث في الهند قد يكون على عكس ذلك، والسبب في ذلك نعرفه إذا أمعنا في تاريخ الحركة السياسية الحديثة في الهند، أي الحركة التي قادها غاندي في تحرير الهند من الاستعمار البريطاني الذي استمر قروناً مديدة من الاستبعاد والاستغلال والإذلال، وهو ما كان أشبه بالمعجزة التي لا يمكن أن تتحقق لولا..!!

لولا أن الإنسان يمكن أن يحقق المعجزات لو استثمر الأسباب الصحيحة التي تعطيه تلك النتائج الكبيرة، فالنظام الإلهي نظام قائم على الأسباب والمسببات. وهذا يمكن أي إنسان أو مجتمع للوصول إلى الأهداف أو المسببات بعد أن يسلك الأسباب الموصلة لها. وهناك عنصران أساسيان في نجاح أي حركة في تحقيق أهدافها والوصول إلى مبتغاها. هما عنصرا الفكرة والإدارة (أسلوب العمل) وفي حركة تحرير الهند تمكن غاندي أن يستثمر هذين العنصرين ويصبهما في خدمة الهدف.

كان عنصر الفكرة: هو اللاعنف وهي فكرة تأصل الروح الإنسانية وتجمع الشتات وتؤسس التعايش السلمي، وتدعم الحركة نحو التآلف والتوحّد والتفاهم بين الناس في نفس الوقت الذي تضيع الكثير من الفرص التي يمكن أن تستخدمها الحكومة البريطانية لإفشال الحركة، لأن المشكلة الأساسية التي تؤجج النزاع بين الأفراد والعقائد والتجمعات هو العنف، الفكرة النارية الحادّة التي تلتهم أصحابها قبل أن تلتهم الآخرين. ولذلك لا يمكن أن تعيش فكرة العنف كثيراً بل إنها تفرض نفسها بالقوة، وما يأتي بالقوة يذهب بالقوة‍! لذلك ترفضها النفس الإنسانية وتنفر منها لذلك لا تدوم الحركات التي تعتمد العنف نهجاً ولا تنجح في مستقبلها. وقد أثبت التاريخ أن رواد العنف فشلوا في تحقيق أهدافهم وإن نالوا بعض المكاسب الجزئية بالقمع والإرهاب.

وبسياسة اللاعنف تمكن غاندي أن يوفر له ولشعبه فرصاً كبيرة للنجاح والانتصار حيث جمع الشتات وألّف بين العقائد والأديان والأحزاب ووظفها في سبيل تحقيق هدف واحد وهو تحرير الهند من الاستعمار.

العنصر الثاني: هو المؤتمر الذي جمع كافة الأحزاب والتجمعات وصبّها في حركة واحدة قوية وقفت بقوة وثقة أمام ذلك الاستعمار العنيد.

المؤتمر: هو تجميع المتفرق والمشتت من الخبرات والطاقات والجماعات في عمل تنسيقي مشترك واحد لتحقيق ذلك الهدف المشترك. فمهما امتلك الفرد أو الجماعة من القوة والإمكانية فإنه لا يمكن أن يحقق غاياته الأكبر دون أن يستوعب ويتآلف وينسق مع الجماعات والتجمعات التي تشترك معه في الفكرة أو الطريق.. إن التحالف والتنسيق قادر على لملمة الطاقات وتكامليتها الأمر الذي يسرّع في عملية التقدم والانتصار وتحقيق رأي عام. ولو أن غاندي تحرك لوحده أو مع جماعته مع غضّ النظر عن المؤتمر الذي جمع فيه الجميع لما استطاع أن ينجح في حركته ولتوقفت تلك الجماعات المبعدة عن سير الحركة وتركته وحده إن لم تدخل في عرقلة مسيرته. ولكن الحركة القائمة على جمع الكل وصهر الجميع في المؤتمرات قادرة على استيعاب الاختلافات وإدارتها بأسلوب متوازن يهدف إلى ردم الفواصل ورفع الموانع التي قد تقف حائلاً أمام تقدم الحركة.

وهنا لابدّ من التأمل قليلاً والوقوف أمام بعض الملاحظات:

أولاً: عنصر الفكرة وعنصر الإدارة، يتكاملان ويتفاعلان مع بعضهما في إنجاح التحرك والمسيرة، فلو كانت الفكرة لوحدها ولم تملك الحركة الإدارة اللازمة مثل الإدارة باسلوب المؤتمرات لما استطاعت الفكرة أن تنجح نجاحاً كاملاً، بل يمكن أن تضيع كما ضاعت الكثير من الأفكار التي لم تساير القواعد الطبيعية للنجاح.

وحتى لو كانت بعض الأفكار تمتلك قوة كبيرة وإشعاعاً دافقاً ولكنها لا تستطيع أن تصبح واقعاً عملياً دون أن تملك الأسلوب العملي الناجح والممارسة الحية لهذه الأفكار وكذلك فإن وجود الإدارة القوية مع عدم وجود الغطاء الفكري الذي يعطيها قوة التأثير والفعل تتحول الممارسة الإدارية سواءً كانت على صعيد مؤتمرات أو تنظيمات أو أحزاب إلى مجرد شكل وهيكل وجسد بلا روح وبلا حيوية وفاعلية كما نرى ذلك في الكثير من المؤتمرات التي تعقد ثم تصبح شعاراً أجوفاً بعد حين.

فالفكرة تغذي الهيكل والجسد بالحيوية، والشكل الصحيح يتجسد الفكر إلى واقع خارجي متحقق، لذا ينبغي العمل على إيجاد الترابط والانسجام بين عنصري الفكرة والإدارة لكي تكتمل الحركة ويكللها النجاح.

ثانياً: الانسجام بين الفكرة والإدارة أو الممارسة العملية ضرورة لازمة لتحقيق الأهداف، وفي الهند تحقق انسجام مثالي في القمة بين الفكرة وهي اللاعنف، والادارة وهي المؤتمر؛ فساند أحدهما الآخر وأكمل دوره، ولو لم يكن هناك انسجام لما أمكن تحقيق هذا الانسجام، فإذا كانت الفكرة هي العنف فإنها تتناقض بالتأكيد مع أسلوب الإدارة القائم على المؤتمرات، لأن العنف قائم على الأحادية والتوتر والتعصب وإلغاء الآخرين وتحقيق الأهداف بأسرع وقت، بينما اسلوب المؤتمر يتقوم نجاحه باحترام التعددية والهدوء والمرونة والنضج والطبخ على نار هادئة.

وكذلك، فإن فكرة اللاعنف تنسجم مع أسلوب الإدارة الديكتاتورية التي تعني القمع والعنف. وقد فشلت الكثير من الحركات في تحقيق أهدافها لأنها لم تستطع أن توفق بين الفكرة والممارسة، بل إن بعض الحركات داست على بعض أفكارها من أجل بعض المصالح ونظرت إلى تحقيق الهدف بأي أسلوب كان حتى لو أدى إلى تضييع أفكارها وسلخها حسب مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة» ولكنهم لم يفطنوا إلى حقيقة أساسية وهي أن ذبح الفكرة وإلغائها يعني إلغاء وجود الحركة فهي تقضي على ذاتها بذاتها.

وقد أثبتت الاستراتيجية الحديثة أن أسلوب الغاية تبرر الوسيلة الميكيافييلي أسلوب خاطىء لا ينبع من تحرك استراتيجي مدروس يساعد على تحقيق الهدف بصورة سليمة فلابد إذن من وجود انسجام متكافىء بين الهدف والوسيلة والفكرة. [راجع في ذلك كتاب السبيل إلى إنهاض المسلمين لسماحة السيد المرجع الامام الشيرازي والاستراتيجية لـ ليدل هارت].

ثالثاً: الإسلام يمتلك مخزوناً كبيراً من الأفكار العظيمة والحيوية التي يمكن أن ترفع أي أمة إلى القمة مثل فكرة السلم واللاعنف، الأُخوة، الحرية.. التي رفعت الأمة الإسلامية عالياً حيث قال القرآن الكريم: [كنتم خير أمة أخرجت للناس] بقوة هذه الأفكار وبفضل الأسلوب الحكيم لرسول الله (صلى الله عليه وآله) انتشر الإسلام في بقاع العالم وأصبحت الحضارة الإسلامية الرافد والمنبع للعلم والمعرفة والأخلاق لقرون مديدة. فقد جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) الناس حوله بالمداراة والاحتواء والأخلاق الرفيعة وبالشورى التي كان يجتمع من خلاله الرسول (صلى الله عليه وآله) المسلمين ويتشاور معهم ويجمع شتاتهم ويشركهم في القرار فنظام الشورى الذي أوجده رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعطى المسلمين قوة أكبر وقدرة أشمل للتقدم والانتصار، كالمؤتمر الذي عقده مع الأنصار في بيعة العقبة، وفي غزوة الخندق وفي يوم الغدير..

ونحن اليوم أيضاً في أمسّ الحاجة إلى المؤتمرات كي نقوى على مجابهة التحديات القوية بتخطيط أقوى وتنسيق أشمل.

إن بعض الحركات الإسلامية لم تستطع أن تحقق نجاحها لأنها فكرت أن تعمل وحدها وتلغي زملائها الأمر الذي أفقدها الكثير من عناصر القدرة وإمكانية التنفيذ وبالتالي فإن الذي يعمل وحده يعاني في غالب الأحيان من أزمة كبيرة في الإدارة وخصوصاً في المنعطفات والمشاكل، وهذا يكرس فيها الشقاق والتصدّع والتشتت.

فمن الحركة بمكان أن تراجع الحركة الإسلامية أفكارها وتسترجع تلك الأفكار الأصيلة التي تعطيها زخماً كبيراً في تحركها، وهذا بحث سوف نتناوله بالتفصيل في المستقبل.

* مقال نشر في مجلة النبأ العددين (17 -18)-رجب شعبان 1418/تشرين الثاني 1997-تحت عنوان: المؤتمرات ضرورة حضارية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
4