لعل من بدهيات ومسلّمات وأبجديات العلاقات الدولية بين الدول، أنها علاقات سياسية.. بمعنى أن كل دولة تسعى للحفاظ على مصالحها أو توليد مصالح سياسية أو اقتصادية جديدة من جراء العلاقة المتميزة مع هذه الدولة أو تلك.. وحينما نقول إنها علاقات سياسية، فإننا نعني أنها علاقات ليست أخلاقية، وبالتالي كما يقرر الجميع لا توجد صداقات أو عداوات دائمة، وإنما الدائم في هذه العلاقات هو المصالح، سواء الحالية أو القائمة اليوم أو الآتية غداً..

وعليه فإن الدول جميعاً، ليست مؤسسات خيرية، تقوم بتقديم الخدمات المجانية إلى الدول الأخرى.. وإنما جميع هذه الدول محكومة بمصالحها، وكل دولة تسعى إلى هذه المصالح، وتسعى عبر علاقاتها المختلفة إلى حماية هذه المصالح من كل المخاطر..

والتقاء مصالح الدول على موقف أو سياسة واحدة، ينبغي ألا يقرأ بوصف أن هذه الدولة معنية بصرف النظر عن مصالحها وحماية مصالحنا أو الدفاع عن قضايانا العامة..

أسوق هذا الكلام على ضوء بروز أصوات شعبية في أكثر من بلد عربي، عملت هذه الأصوات على توزيع الدور الأميركي في المنطقة في صف طرف والدور الروسي في صف الطرف الآخر.. وأضحى هذا التوزيع وكأنه حقيقة قائمة..

فالولايات المتحدة الأميركية ليست مؤسسة خيرية، وإنما هي دولة كبرى، وتسعى في كل حركاتها ومواقفها السياسية والاستراتيجية والأمنية للدفاع عن مصالحها، والتقاء هذه المصالح موضوعياً مع مصالح الطرف المحلي، لا يعني أن الولايات المتحدة الأميركية أصبحت صديقاً أبدياً لهذا الطرف، وهي تقوم بخدمته بعيداً عن مصالحها، وإن فائض القوة التي لديها بدأت بصرفه لصالح الطرف المحلي أو ذاك..

وذات الكلام الذي يقال عن الولايات المتحدة الأميركية، يقال عن الدور الروسي في المنطقة، فالروس هم حلفاء مصالحهم، ودورهم يدور وراء مصالحهم وجوداً وعدماً.. ولا صديق دائما للروس في المنطقة، وإنما صديقهم الدائم في هذه المنطقة وغيرها من مناطق العالم هو مصالحهم الحالية والآتية في المستقبل..

وعليه فإن الرئيس بوتين، لم يتحول إلى أبي علي، ولم يصبح صديقاً دائماً للشعب العراقي أو للطرف الموالي للحكومة في سورية.. هو فقط موال لمصالح روسيا الكبرى..

وتحويل حقائق العلاقات الدولية، إلى مادة للاستخدام المحلي، في سياق أن هذا الطرف معك والطرف الآخر معي، هو شكل من أشكال تغييب الوعي الحقيقي في مجتمعاتنا العربية والإسلامية..

فحينما نختلف ونتصارع كعرب مع بَعضنا، وتتوزع مواقف الدول الكبرى، هذا لا يعني أن الطرف الذي معي أضحى صديقاً أبدياً لي، وأنه سيدافع عن مصالحي مهما كانت الظروف والأحوال.. كما أن الطرف الدولي الذي يقف معك، سيتحول إلى صديق أبدي معك، وسيدافع عن مصالحك في كل الأحوال والظروف..

وهذه الدول وإن توزعت مواقفها معنا كعرب ومسلمين، إلا أن هذه الدول تبحث عن مصالحها وتعمل للدفاع عنها..

ووجود تطابق بين موقفها وموقفنا، لن يحول هذه الدولة إلى صديق دائم وأبدي لنا..

هذا ما تقرره أبجديات العلاقات الدولية، وهذا ما تثبته شبكة المصالح العليا لكل دولة..

وعلينا كعرب أن نلتف إلى هذه الحقيقة، ولا نساهم في تزييف وعي الناس تجاه الدول الكبرى ومصالحها الاستراتيجية في المنطقة..

فالمقدس الوحيد في علاقات الدول مع بعضها، هو مصالح هذه الدول.. وهذه المصالح هي التي تحدد طبيعة العلاقة في دائرة الصديق والحليف أو في دائرة الخصم والمنافس..

فجيوش الدول الكبرى هي للدفاع عن مصالح دولها، وليست للدفاع عن خياراتنا وسياساتنا ومصالحنا العليا أو القريبة..

وعليه فإن الصمت المطبق أمام بعض الدعوات والادعاءات الشعبية في هذا السياق، يعد مساهمة مباشرة في تزييف وعي الناس، والانشغال في أمور وقضايا ليست لها صلة بالواقع السياسي وقواعد العلاقات الدولية..

فجميع الدول معنية بالدفاع عن مصالحها وخياراتها السياسية.. ووجود موقف أو خيار متشابه أو متطابق مع موقف وخيار هذه الدولة الكبرى أو تلك، لن يحول هذه الدولة إلى صديق أبدي لنا.. هذا ما تقرره قواعد العلاقات الدولية، وهذا ما تقرره طبيعة الدول وتجاربها على هذا الصعيد.

فالدول جميعاً معنية أولاً ودائماً بمصالحها الحيوية.. ولا توجد دولة في العالم تقدم مصالح غيرها على مصالحها..

وعلى الشعوب العربية أن تقلع عن بعض أوهامها السياسية.. فباراك أوباما سيبقى محكوماً بمصالح الولايات المتحدة الأميركية التي لا يمكن أن يتعداها أو يتساهل فيها.. وفلاديمير بوتين سيبقى محكوماً بمصالح روسيا ولن يتساهل معها، ولن يقدم جنوده للدفاع عن هذا النظام أو ذاك.. وإنما في كل الظروف والأحوال يدافع عن مصالح روسيا الاستراتيجية، وسيبقى وفياً لهذه المصالح..

ولا مقدس لدى الولايات المتحدة الأميركية إلا مصالحها، كما أنه لا مقدس لدى روسيا إلا مصالحها أيضاً.

وعدم قدرتنا كعرب على معالجة مشكلاتنا، ما يدفعنا إلى اللجوء إلى هذه الدول لعلاج مشكلاتنا، لن يحولها إلى الانحياز إلى مصالح هذا الطرف أو ذاك من العرب، وإنما هذا الظرف، جعل هذه الدول في موقع أعلى للدفاع عن مصالحها الحيوية..

ووجود تفاهم أمريكي-روسي على بعض الملفات في المنطقة العربية، فإن هذا التفاهم لن يلغي جوهر سياساتهم وخياراتهم العليا، وإنما سيوفر لهم هذا التفاهم هامش أوسع للدفاع عن مصالحهم.. وعليه فإن النظر إلى العلاقات الدولية وفق هذا المنظور، هو الذي سيخلص العرب جميعاً من فكرة الرهانات الخاطئة بعيداً عن بناء قوتهم الذاتية..

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0