يمارس القطاع المصرفي دورا مهما وكبيرا في تحفيز الاقتصاد وتنشيطه عندما تتوفر البيئة المناسبة لممارسة اعماله من ناحية وعندما تتوفر الادارة ذات الرغبة الجادة والصادقة في تحسين أداء القطاع المصرفي بشكل عام واداء كل مصرف بشكل خاص من ناحية ثانية، أي ان عدم توفر الاستقرار الامني والفوضى السياسية وشيوع الفساد والصراعات الداخلية وغيرها، هي عوامل تعرقل أداء القطاع المصرفي، وان ما يزيد الامر سوءاً هو غياب الادارة المصرفية بشكل عام او خاص، ذات الخبرة والكفاءة والحنكة في ادارة النشاط المصرفي.

اطلاق الاصلاحات الاقتصادية وتعثرها

في 9/8/2015 قدم رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي في الجلسة الاستثنائية لمجلس الوزراء نص الحزمة الاولى للإصلاحات التي صوت عليها مجلس الوزراء بالإجماع، وكانت النقطة ثالثاً من تلك الحزمة تهتم بمحور الاصلاح الاقتصادي والتي نصت في النقطة (1) على ان " تتولى خلية الأزمة اتخاذ القرارات المناسبة لتفعيل حركة الاستثمار وتنشيط القطاع الخاص من خلال : تفعيل القروض لتنشيط حركة الاقتصاد في البلاد، وتشغيل العاطلين عن العمل، سواء التي أقرتها الخلية فيما يتعلق بالقروض المقررة للقطاع الصناعي والقطاع الزراعي وقطاع الاسكان والبالغة (5) ترليون دينار، وفيما يتعلق بقروض دعم المشاريع الصغيرة البالغة ترليون دينار. وعلى اللجنة المكلفة بوضع آلياتها تقديم توصياتها قبل نهاية هذا الاسبوع".

وعلى الرغم من موافقة رئيس مجلس الوزراء في 6/9/2015 على اطلاق آليات منح القرض الصناعي والزراعي والاسكان في محور الاصلاح الاقتصادي الذي اطلق عليه (برنامج قرض البنك المركزي العراقي لسنة 2015) إلا انه لم يتم تنفيذ هذا البرنامج لحد الآن، لكن البنك المركزي اعلن في الثالث من حزيران الجاري، تسلمه طلبات من الراغبين بتنفيذ مشاريع زراعية وصناعية واسكانية وخلال هذا الشهر ستباشر المصارف بتوزيع القروض على المستفيدين، ومن اجل تفعيله (هذا البرنامج) ودعم القطاع المصرفي بأساليب متقدمة بعيدة عن البيروقراطية ولتجاوز مبدأ المحاصصة، هذا ما اعلن عنه المكتب الإعلامي للسيد رئيس مجلس الوزراء كدافع لتغيير مدراء المصارف إذ قال "إن الأمر الديواني (الخاص بتغيير مدراء المصارف) الذي صدر بأمر السيد رئيس مجلس الوزراء جاء لتأكيد منهج الإصلاح في تحريك عجلة العمل في القطاع المصرفي، متزامناً مع إطلاق أوسع عملية إقراض للمشاريع الصناعية والزراعية والسكنية في القطاع الخاص، والتي تقرر فيها اعتماد أساليب متقدمة وشفافة تقوم على منهجية التقديم والمتابعة الالكترونية، وليس وفقاً للأساليب البيروقراطية المعتادة ".

وذكر ايضاً "لقد أسبغت المحاصصة على المواقع السياسية والفنية والإدارية ستاراً تغاضى لأعوام طويلة عن الأسئلة المشروعة في المؤهلات الأساسية التي تسوغ تقلدها إدارة مواقع مهمة وحساسة، وإن الهجمات المتتالية الموجهة للنيل من الكفاءات العالية التي تقدم الآن بديلاً عن فوضى المحاصصة، إنما يفهم منها إصرار على إعاقة السير باتجاه الإصلاح، وتجاوز تقاسم المناصب، أكثر مما يراد منه صلاح الدولة ومؤسساتها" كل هذا دفع برئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي لتغيير مدراء المصارف.

تغيير مدراء المصارف جزء من كل

ان تغيير مدراء المصارف ليس كافياً لتحقيق الاصلاح الاقتصادي في العراق مالم يكن هناك اصلاح شامل من جانبين الأول اصلاح ذاتي أي اصلاح ذات القطاع المصرفي بدءً من تشريع واصلاح القوانين ومتابعة تنفيذها ومراقبتها، ومروراً بالعمل على تحقيق التنسيق –بعد تغيير مدراء المصارف المشكوك في ادائهم- ما بين المصارف الخاصة والحكومية من ناحية وما بين البنك المركزي العراقي من ناحية اخرى، وانتهاءً بالإصلاح المتابع لإطلاق وسير الخطط المصرفية وتنفيذها لضمان عدم انحرافها عن ما هو مرسوم لها.

أما الجانب الثاني هو الاصلاح الموضوعي، أي اصلاح كل موضوع يمكن ان يؤثر على فعالية القطاع المصرفي باستثناء ما يتعلق بالإصلاح الذاتي، فمثلاً موضوع عدم الاستقرار الامني يؤثر بشكل عكسي على اداء المصارف الحكومية، إذ ان احتلال بعض محافظات العراق من عصابات داعش الارهابي ونزوح اهالي تلك المحافظات سيعقد مسألة تسديد المقترضين للمبالغ المستحقة عليهم الى المصارف، فضلا عن سرقة داعش لودائع الزبائن في تلك المصارف اذ تشير بعض المصادر ان الاموال التي سرقها من المصارف بلغت مليار دولار، وارتفاع نسبة الخطورة في اقراض الزبائن مما اربك عمل المصارف، وهذا ما اثر على الايداعات في المحافظات الاخرى لان الزبائن في هذه المحافظات سيقومون بسحب اغلب الايداعات تحسبا لأي طارئ يحدث، وهكذا بالنسبة للفساد المالي والادري والصراعات الداخلية والفوضى السياسية وقلة الوعي المصرفي في المجتمع وانخفاض دور القطاع الخاص في الاقتصاد العراقي وصرامة القوانين الضريبية التي تؤثر على المقترضين …إلخ.

والظاهر ان تغيير مدراء المصارف جاء كنتيجة لاصطدام الاصلاح الاقتصادي ليس بعقبة التمويل المصرفي لان البنك المركزي اطلق (برنامج قرض البنك المركزي العراقي لسنة 2015) الذي كانت قيمته 6 تريليون دينار عراقي، وانما كانت الادارة المصرفية للمصارف الرئيسة (الزراعي والصناعي والعقاري والاسكاني والرافدين والرشيد) هي السبب في تأُخر تحقيق الاصلاح الاقتصادي مما تسبب في زيادة حدة انكماش الاقتصاد العراق، الذي تتمثل آثاره في تراجع النمو الاقتصادي وزيادة حجم البطالة، فلو تم تنفيذ ذلك البرنامج دون اصطدامه بالإدارة المصرفية لانخفضت البطالة الى مستويات متدنية وازدد النمو الاقتصادي بفعل صناعات انتاجية وليس بالاعتماد على العائدات النفطية، وبالتالي نسير على الاتجاه الصحيح لتنويع الاقتصاد العراقي، بحكم ان خطة برنامج القرض كانت تهتم بالجانب الزراعي والجانب الصناعي بشكل كبير جداً.

نسب المصارف المتخصصة من الـ 5 تريليون دينار

اذ كان مجموع نسب القروض الموجهة للمشاريع المتوسطة والكبيرة ضمن المصارف المتخصصة كالمصرف الزراعي والصناعي 66% ولكل منهما 33% من المبلغ المخصص لدعم تلك المشاريع البالغ 5 تريليون دينار، في حين كان مجموع نسب القروض الموجهة للمشاريع المتوسطة والكبيرة ايضاً ولكن ضمن المصرف العقاري وصندوق الاسكان 34% من ذلك المبلغ ولكل 17%، وذلك من اجل دعم الاقتصاد العراقي ومعالجة حالتي الركود ونقص السيولة وتحفيز معدل النمو الحقيقي عن طريق ضخ الاموال الى السوق العراقية بواسطة تلك المصارف المتخصصة، ورفع معدلات الانتاج في القطاع الزراعي والصناعي وانشاء المشاريع السكنية التي تسهم في تطوير البنية التحتية للاقتصاد العراقي.

وبما ان احد اهداف برنامج القرض الحكومي هو تطوير المشاريع الصغير القائمة، وايضاً انشاء مشاريع جديدة لدعم المشاريع الانتاجية والشركات الصغيرة والمتوسطة، فقد تم تخصيص مبلغ قدره (1) تريلون دينار عراقي لدعم هذه المشاريع ويتم توزيعها عن طريق المصارف وبفائدة قدرها 4% علماً ان القرض لا يمنح لشراء الوحدات السكنية والترميم والبناء على اعتبار ان مشاريع القطاع الاسكاني كانت مغطاة بقروض المشاريع الكبيرة والمتوسطة. وان الفئات المستهدفة ضمن المشاريع الصغيرة فهي تشمل قطاع الاعمال والتجارة والصناعة والفنادق والمطاعم والمحلات والسوبرماركت والمراكز التجارية والورش بمختلف انواعها. ومن مميزات هذا البرنامج ان يشمل جميع محافظات العراق مع سرعة في الموافقة على القرض، بالإضافة الى نسب الفوائد المنخفضة.

والختام بالتفاؤل، فمن حسن الحظ، ان تأخر تنفيذ برنامج قرض البنك المركزي لسنة 2015 بسبب سيطرة المحاصصة والبيروقراطية وغيرها لمدراء المصارف، جاء ليتزامن مع الخطة الاستراتيجية 2016-2020 التي اطلقها البنك المركزي العراقي، حتى يتم استخدام هذه القروض في بناء اقتصاد سوق حر يقوم على عوامل السوق والمنافسة وتمكين القطاع الخاص من لعب دور اساس في التنمية الاقتصادية، علماً ان الخطة بينت في ضوء اهداف البنك المركزي الواردة في قانونه المتمثلة بشكل اساس في تحقيق الاستقرار في الاسعار المحلية والمحافظة على نظام مالي ثابت والعمل على تعزيز التنمية المستدامة واتاحة فرص العمل وتحقيق الرخاء في العراق. كما اولت الخطة اهتماماً كبيراً للرقابة والاشراف على القطاع المصرفي -تحقيق الاصلاح الذاتي- من اجل بناء قطاع مصرفي كفوء وفعال يعمل على اساس افضل الممارسات انطلاقاً من حقيقة ان هذا القطاع يضم مصارف تأسس اغلبها خلال السنوات القليلة المنصرمة وما زال بعيداً عن المعايير والممارسات الحديثة وعن تنوع نشاطاته، وكذلك افتقاره الى الانظمة والتقنيات والبرامج الحديثة والكوادر المؤهلة.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2016
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2