الحفاظ على المكتسبات السياسية والحزبية والعائلية تدفع بأغلب السياسيين العراقيين لممانعة الإصلاحات في النظام السياسي العراقي الوليد، وتحت مسميات الحفاظ على حقوق المكونات والتوازن ومبدا الشراكة والتوافقية تحاول الكتل السياسية وعلى مايبدو الالتفاف على جوهر الاصلاحات التي انطلقت صرخات المطالبة بها من مرجعيات عليا مثل مرجعية السيد علي السيستاني ودعمها تيار السيد مقتدى الصدر بقواعد جماهيرية واسعة وبحركات احتجاجية واعتصامات وصلت الى حد اقتحام البرلمان العراقي في 30 من ابريل نيسان الماضي اضافة الى تيارات مدنية اخرى.

ورغم تصويت مجلس النواب على تفويض رئيس الحكومة السيد العبادي في آب من العام الماضي على إجراء الإصلاحات، إلا إن المجلس عاد وتراجع بشكل ضبابي عن ذلك التفويض بقرار ينص على عدم السماح لأي جهة بتجاوز مجلس النواب باي قرارات (والاشارة كانت واضحة بان على العبادي عدم الذهاب بعيدا في قضية الإصلاحات).

وفي نظرة للأسباب التي دعت الكتل للتراجع عن المشروع الاصلاحي رغم اتفاق الجميع (علنا) على ضرورة إجرائه تتمثل في:

1- يشكل إجراء تلك الإصلاحات نهاية لمنظومة الفساد التي ساهمت بتشكيل واقع سياسي غير حقيقي لكتل سياسية وأشخاص وأعطتهم حجما اكبر من حجمهم ومكنتهم من التسلط على القرار بشكل او باخر.

2- إنهاء مفهوم المحاصصة والتوافقات يعني غلق باب اللجان الاقتصادية للأحزاب المتنفذة في الوزارات وسيطرتها على مصادر تمويلها وهذا يعني ضعف قدرتها التمويلية الانتخابية.

3- يشكل الفساد مصدرا مهما في تمويل الإرهاب والفوضى والإفلات من العقاب وعدم محاسبة المقصر، وبذلك يكون للإرهاب دورا مهما في محاربة وممانعة الإصلاحات.

4- تنفيذ الإصلاحات يعني إنهاء الاستحواذ على ملف التعيينات التي كانت غالبا ما تستخدم لشراء الأصوات او لكسب التأييد الحزبي.

5- خروج القضاء من ضغط الكتل السياسية والشخصيات (المتنمرة) يعني اطلاق يد القضاء في تنفيذ القرارات الصادرة بحق الكثير من شخصيات سياسية مهمة بتهم الفساد والإرهاب، كما ان حرية القضاء يعني المراقبة الشديدة لتنفيذ مواد الدستور وهذا بحد ذاته يقف بالضد من التوافقيات السياسية.

6- تنفيذ الإصلاحات يعني إنهاء قدرة اغلب الأحزاب على السيطرة على القرار السياسي، مما يمهد الطريق لنشوء جيل سياسي جديد سواء ممثلا بأحزاب جديدة او شخصيات مستقلة.

7- من جانب آخر فان عدم وجود هدف واضح وغياب الرؤية الكاملة للإصلاحات في جانب المتظاهرين وحصر نطاقها بالتيارين الصدري والمدني وغياب فئات كثيرة من الطيف العراق عنها اضعف صوتها وجعلها متهمة بالخضوع لكتلة سياسية معينة وهي كتلة الاحرار التابعة للتيار الصدري(حسب راي البعض).

العراق والقادم من الأيام

رغم تعقيدات الساحتين الإقليمية والمحلية الا ان المشهد السياسي العراق يتجه نحو تحولات كبرى تقضي بإنهاء ملف تنظيم داعش من الأراضي العراقية بالتزامن مع حلحلة للوضعين السوري واليمني، فيما يقتضي الجانب الآخر من الحل للمشهد السياسي وجود متغيرات تطال الاقتصاد العراقي وفرض الإصلاحات (الإجبارية) على الكتل السياسية بطريقة (القبول بما سيكون او كشف المستور).

الوضع في العراق لن يتحمل المزيد من تبديد الأموال وضياع الجهود والإسراف في الوقت، فالأمريكيون لن يقبلوا بفشل مشروعهم في إنشاء ديمقراطية عراقية طالما تباهوا بتأسيسها بسبب محدودية فكر بعض الساسة العراقيين وحرصهم على جمع المال بطريقة غير شرعية، كما ان الاموال التي قدمت للعراق او التي ستقدم من قبل صندوق النقد الدولي لن تترك فريسة سهلة لاقتصاديات الأحزاب العراقية.

الأمريكان (والتحق بهم الإيرانيون مؤخرا) أدركوا وعلى ما يبدو وبعد ثلاثة عشر سنة على التغيير السياسي في العراق على ضرورة إجراء مراجعة شاملة وحقيقية لمدى قدرة القادة السياسيين العراقيين على إنشاء دولة المؤسسات او قيام دولة فعلية، ورغم تضارب مصالح البلدين المشار اليهم الا ان تهدئة الوضع في العراق ووجود حكومة جديدة بطرق ومقاسات مختلفة عن سابقاتها أصبح شيئا شبه متفق عليه (حسب بعض المصادر).

هذا التغيير المزمع تنفيذه سيبتدئ في بواكير الانتخابات القادمة حيث ستتولى كل من إيران وأمريكا جزءا من وضع لمسات التغيير، وعلى ظاهر الحال فان الإيرانيين سيتولون سحب البساط من تحت بعض الشخصيات التي دفعوا بها للواجهة سابقا واستبدالها بأخرى تكون ذات مقبولية شعبية ودولية وكفاءة لابأس بها.

اما الأمريكان ومن جانبهم سيعملون على تهدئة الشارع السني وإعادة الحياة الى المدن التي تدمرت بسبب اجتياح تنظيم داعش لها وعمليات التحرير منه، والتي ستكون تحت عنوان إعادة الأعمار، وسحب الشخصيات المتشنجة من الطبقة السنية الى الخلف والدفع بوجوه لديها (نعومة) سياسية مما يهيأ الظروف لتفاهمات أكثر بين الطرفين الشيعي والسني.

الجانب الكردي وعلى ما يبدو ان أكثر الممانعين للتغير فيه هو الحزب الديمقراطي الكردستاني ويبدو ان الرسالة الأخيرة قد وصلت اليه بوضوح وهو الاتفاق بين حركة التغيير وحزب الاتحاد الكردستاني وهو ما يهيأ لخروجه من اللعبة السياسية في الإقليم بشكل كبير ان لم يقبل بما سيعرض عليه ولعل اهم تلك العروض هو انسحاب السيد البارازاني من واجهة الحدث والنأي بنفسه عن التصدي للقرار في الإقليم مع الاحتفاظ بشخصيته القيادية الكردية كزعيم ورمز كردي.

اما موضوعة الحشد الشعبي فهو الأمر الأصعب الذي قد يعيق جهود الاطراف المتفاوضة لترتيب المشهد السياسي العراقي بعد انتهاء المعركة داعش خصوصا بتوسع تشكيلاته وتعددها وتصاعد قدرته القتالية مما ينذر بوجود جيش ثان في البلاد.

ولعل حل هذا الأمر سيوكل وحسب بعض المحللين الى المرجعية الدينية في النجف الاشرف، والتي سيكون لها الكلمة الفصل في إنهاء وجوده ككيان مستقل حيث تشير بعض المصادر وبعض التلميحات القريبة من المرجعية بان موضوع الحشد سيتم انتهاءه بفتوى (مرجعية) تنهي عمله وتلغيه وتترك الخيار للمنخرطين فيه للالتحاق بصفوف الجيش والشرطة كأفراد وليسوا كعناوين او جماعات مسلحة مع تحمل الدولة لحقوق الشهداء والجرحى منه، وهو ما يعول عليه الكثير في ذلك وستخضع له اغلب تلك الفصائل لأنها لا تستطيع رفض ما يصدر عن المرجعية كون شريعتها قد ظهرت للعيان بفضل (فتوى الجهاد الكفائي) وان كانت موجودة على الأرض سابقا الا أن شرعيتها لم يكن ليعترف بها احد لولا كلمة المرجعية وعنوان الحشد.

لماذا هذا الوقت بالذات؟

العراق يعاني من أزمة اقتصادية خانقة ولعل الإفلاس ليس ببعيد عنه وسكوت العراقيين في الفترة السابقة على الأوضاع السيئة وتحملهم المصاعب ناتج من تامين الحكومة لدخلهم المعيشي وحركة القطاع الخاص النشطة، ولعل اخطر ما يخافه العراقيون هو فقدانهم وظائفهم او تهديد مصادر ارزاقهم في حال استمرت الحكومة بتطبيق نظام (التقشف) لعدم وجود سيولة نقدية.

كما ان حالة الفساد التي استشرت في البلاد وأوصلته الى حد الانهيار وثراء الطبقة السياسية وفقر وتدهور مؤسسات الدولة والطبقات الفقيرة والخدمات المقدمة لعامة الناس وبشكل ملفت للنظر دفع المرجعية بالتصريح وبأشد العبارات للدفع باتجاه التغيير والإصلاحات المنشودة وحذرت من خطورة تجاهل الوضع.

غير ان النقطة الفاصلة التي دفعت الجميع للتفكير بجدية إجراء الاصطلاحات وإيجاد مناخ سياسي جديد هو اقتحام المتظاهرين للمنطقة الخضراء لأكثر من مرة (خصوصا) الاقتحام الثاني والذي شمل مكتب رئيس الحكومة ويرى المحللون ان تم بطريقة مريبة وخارجه عن التصور وعدم علم اقرب الداعمين لحركة التظاهر بذلك وهو التيار الصدري (حسب بعض المحللين)، يسبقه في ذلك الهتافات التي أطلقت ضد الجمهورية الإسلامية في إيران في ساحة الاحتفالات في الاقتحام الأول والذي يعده البعض مؤشرا مهما خصوصا لدى الايرانيين بضرورة مراجعة طريقة ادائهم في العراق كون ان من اطلق تلك الشعارات هم من طائفة تتمتع بعلاقات طيبة مع جارته الشرقية.

خوف الأمريكان والإيرانيين من انفلات الأمور بشكل اكبر سواء بثورة شعبية كبرى او بتمرد مسلح واسع قد يدخل البلاد في اتون فوضى واسعة تعقد المشهدين المحلي والإقليمي مما دعى اللاعبين الدوليين الى الإسراع بتنفيذ خططهم وتغيير بعضها على وجه السرعة لتلافي حصول خرق لا يتحمله الوضع العراقي والاقليمي، ولعل معركة الفلوجة وانطلاقها بسرعة غير متوقعة وفي هذه الظروف اهم مؤشر على استعجال الأطراف لحسم الكثير من الملفات والتفرغ لإعادة ترتيب المشهد العراقي بعد ان تعقد وتدهور الى حالة قد توقع السقف على الجميع، وحسننا فعلوا ممن أشاروا على الأطراف صاحبة القرار بذلك فالصيف الملتهب العراقي القادم سيكون بمثابة (جسر) كثير الثقوب واي توسع لثقب او الحركة بدون دليل فيه ستؤدي بالوضع العراقي الى سقوط مهول يعلم الكثير بدايته ولكن لا يعلم احد نهايته.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

9