من المعروف عن الانسان، اعتداده بنفسه وبأفكاره وقناعاته، فعندما تحدث أي مشكلة أو يحصل أي خطأ في مسيرة حياته، يتخذ اجراءً سريعاً بالقفز الى الخلف لتفادي افرازات تلك المشكلة، وهذا ما نلاحظه في الحياة الزوجية او في محيط العمل والدراسة ومختلف الميادين، حتى تحول مجرد "الاعتراف بالخطأ"، الى احد مباحث علماء النفس، وما اذا كان هذا الاعتراف طريقاً لتجاوز الفشل الى النجاح، بينما رأى بعض الخبراء والمعنيين، بعدم الحاجة الى جلد الذات والتوقف عند النقطة السلبية، وإنما التطلّع الى خيارات النجاح ضمن التفكير الايجابي.

بين هذا وذاك، وفي خضم مواجهة المشكلة أو الازمة، بمختلف اشكالها، نلاحظ البعض يتجه الى التضحية بأمور عديدة في حياته، شأن المتورط بمركب وسط الماء يحمل اكثر من سعته، فيحاول التخلّص مما فيه لتفادي الغرق، دون النظر الى ماهية الاشياء التي يتخلى عنها ويلقيها في البحر. وهذا ما نلاحظه على الساحة العراقية وطريقة التعامل مع الازمات الراهنة، والمثير في أمر "البعض" أنهم يتناولون أمور لها جانب معنوي تفيد في تنظيم حياة الانسان وترسم له خارطة طريق في حياته، فهي تعطي اكثر مما تأخذ، بخلاف أمور اخرى مثل نظام الحكم والسياسات الاقتصادية والامنية وغيرها من عوامل ظهور الازمات، هذا الى جانب الاجراءات التي يتخذها الانسان نفسه.

وقد ظهرت في الفترة القليلة الماضية صرعة جديدة من عالم الشعارات – إن صح التعبير- عندما سلط البعض على مسألة تجيير الدين لمصالح شخصية، وهي من بديهيات العلاقة غير الحسنة بين الدين وبعض من المدّعين والمتقمصين، ليس اليوم، ولا في عهد الاسلام، وإنما هي متواجدة على مسار تاريخ الاديان، وكذلك الحال بالنسبة لقيم اخلاقية ودينية يعيشها الناس منذ عهود، ولم يشعروا بأي علاقة بينها وبين المشاكل التي تظهر عندهم، فلا علاقة بين الفقر و الاوبئة والمشاكل الاجتماعية والنفسية وغيرها، بمسألة "التوسّل" بأولياء الله مثلاً لا حصراً- أو الالتزامات الدينية الاخرى.

وربما يسقط البعض في مطب المثالية دون شعور منه، عندما يتوقع ان يكون المصلي والصائم والذي يرتدي زي علماء الدين وغيرها من المظاهر الدينية وحتى الاخلاقية، ان يكون معصوماً من الزلل والخطأ، أو إذا ارتكب الخطأ عليه أن يخلع العمامة ويضع سجادة الصلاة جانباً ولا يزور مرقد الامام الحسين، عليه السلام، وماذا بقي....؟ ربما لا يجب عليه أن يكون مسلماً وموحداً!!.

لعل منشأ هذا من مشاعر طيبة لدى البعض بأن يكون الملتزم دينياً واخلاقياً في أعلى مراتب السلوك الاجتماعي والسياسي ليعطي انطباعاً ايجابياً وحقيقياً عن القيم والمبادئ التي يحملها، ومن ثم يزيد من تكريسها في نفوس سائر افراد المجتمع. بيد أن المشكلة – وهي في داخل المشكلة الاكبر- أن البعض الآخر يرى في إلقاء اللوم على هذه الامور،الطريق الاسهل للتخلص من مسؤولية المشكلة الاكبر والتي تقع على كل فرد في المجتمع، سواءً كانت المشكلة على صعيد الأسرة او المجتمع الكبير او حتى الدولة ومؤسساتها ورموزها.

وربما يغيب عن ذهن هذا البعض، ان التضحية بالقيم والمبادئ وتحميلها ما لا علاقة لها به، يعرّض المجتمع والامة الى فقدان أهم عنصر نجاة وسط أمواج المشاكل التي يتحدثون عنها. فهل كانت الشعارات البراقة والافكار والنظريات يوماً منهجاً متكاملاً لحياة الانسان، ولو لجيل واحد فقط؟، لا نرى سوى التحول من فكرة الى أخرى، واستبدال نظرية اجتماعية وسياسية باخرى ربما تكون نقيضاً لها وتراجع عن كل ما تحدثوا عنه وجيشوا الجيوش من اجله، وساقوا الناس الى الحتوف والمآسي.

وإذن؛ بدلاً من أن نحل المشكلة بيننا وبين انفسنا، تارةً، وبيننا كافراد مجتمع، وبين الدولة تارةً اخرى، نكون قد ضيعنا البوصلة التي تهدينا الى ذلك الحل – او اكثر-، وإلا ما هي المعايير الصحيحة التي نحكم في ضوئها بصحة ما يقول المجتمع، او تقوله الدولة والحكومة؟، ومن يكون على حق؟.

واعتقد جازماً أن الحكام في عهود الطغيان والفساد التي مرت على الامة، ضمنوا عقود طويلة من الحكم والتلاعب بثروات البلاد ومصائر العباد، فزيفوا وضللوا ونهبوا وقتلوا في غياب تام للقيم الدينية والاخلاقية عن المجتمع. و الامثال على ذلك كثيرة، بل حتى قصص للعبرة يتناقلها الآباء للابناء عن تأثير أكل مال الحرام على الفشل في مواجهة طاغية وغير ذلك كثير.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0