عندما وصل الرئيس الايراني "حسن روحاني"، المحسوب على التيار الاصلاحي، كرئيس سابع لإيران عام 2013، كان يحمل الكثير من الطموحات والاحلام، التي يمكن الاستنتاج منها، "الرغبة في التغيير"، وهو العنوان الاكبر الذي جاءت به وعوده الانتخابية، التي شملت الاقتصاد والانفتاح على الغرب وإطلاق الحريات العامة وغيرها الكثير.

لكن مع وصول روحاني الى سده الحكم، تحولت هذه "الوعود" او "الرغبة" الى جملة من التحديات، ولاحقا الى صراع، بعد ان استشعر الطرف الآخر، "المحافظون" مخاطر "الاصلاحيين" القادمة، والتي قد تغير معادلة السلطة والحكم في ايران، امام صعود نجم الاصلاحيين، وما ساقوه من وعود طالما شعر المواطنون في ايران بالحاجة اليها، بعيدا عن التهم التي قد توجه لمن يطالب بالتغيير (عميل، خائن، جاسوس)، بعنوان "حفظ النظام" القائم فيها، وهو امر قد يرتد بصورة تخالف توقعات الساعين اليه، وربما يكون هذا الارتداد مدمرا للدولة ومؤسساتها، سيما وان مقاومة التغيير، والمعاملة مع الاخرين بحسب الولاء من النظام المحافظ من عدمه، لا يزيد الا في تعقيد الصراع والنزوح نحو التدمير الذاتي.

ان حركة الاحتجاجات الواسعة التي نظمها الاصلاحيون بعد اعادة انتخاب "احمدي نجاد" لفترة انتخابية ثانية، كردة فعل على سيطرة المحافظين او "المتشددين" على السلطة في ايران، لم تكن الاولى، وربما لن تكون الاخيرة، وبغض النظر عن الطريقة التي جوبه بها المتظاهرين من قبل الرافضين لفكرة الاحتجاج، (والتي غالبا ما يحكمها مبدئ القسوة المفرطة والتهم الجاهزة)، فان مطالب المحتجين كانت بسيطة، وعفوية، وترى ان الشعب الايراني يستحق ان ينعم بالمزيد من الحرية، وان الانفتاح لا يعني بالضرورة الغزو الثقافي للغرب وغيرة، وان من يعبر عن رايه او يعارض النظام القائم، او من يخالفهم في وجهات النظر السياسية او الاقتصادية او الثقافية، ان يكون عميلا لجهة تريد الشر لإيران وللنظام الاسلامي فيها، فالعالم في تغير وتطور مستمر والاصلاح السياسي والاقتصادي والحقوقي اصبح جزء من الحياة الانسانية، بل وجزء من استمرار وديمومة الانظمة الحاكمة، ومن يقف في وجه الاصلاح لا يستطيع الصمود كثيرا.

ربما تزدهر الحرية الشخصية او تضمحل من مكان لأخر بحسب طبيعة البيئة والظروف المحيطة، وغالبا ما يتدنى سقف الحرية في العالم العربي والشرق الاوسط مقارنة بالمجتمعات او الدول المتطورة، لكن مفهوم الحرية يبقى معنى انساني نبيل يحاول جميع بني البشر الوصول اليه وتطبيقه في حياتهم وممارساتهم وعاداتهم، وبالتأكيد فان الشعب الايراني ليس خارجا عن هذا السياق، وهو امر عول عليه التيار الاصلاحي بشده، وايد من خلاله مطالب المحتجين، خصوصا من طلاب الجامعات الايرانية والمثقفين، بعد ان زادت في الآونة الاخيرة الرغبة في رفع القيود المتشددة على حرية الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وابداء الرأي وحرية التظاهر والمعارضة وغيرها.

كما تأتي الرقابة الصارمة على حرية الصحافة ووسائل الاعلام الاخرى، سيما المعارضة منها، كجزء من الحملة التي يمارسها "المحبون للسلطة"، في منع اي صوت او فعل من شانه ان يقدح او يعارض او يفضح افعال المتعلقين بالسلطة، ولعل الحملات المنظمة التي تقوم بها الاجهزة الامنية، في اعتقال الصحفيين وغلق المكاتب الفضائية لعدد من القنوات (والتي كان اخرها غلق ومصادرة اكثر من عشر قنوات عاملة داخل ايران اواخر العام الماضي، اضافة الى اعتقال كوادرها)، لم تنقطع بين الفينة والاخرى، حتى في ظل تولي الاصلاحيين للسلطة في ايران، وهو امر يعكس واقع الخلاف وربما الصراع الخفي الذي يدور بين التيارين.

وقد وصل الامر بالتيار المتشدد واذرعه المتنوعة في الداخل، ان يشن العديد من الحملات الدعائية والامنية، ضد العديد من المرجعيات الدينية الكبيرة داخل إيران، وبالأخص المرجعيات التي حاولت اسداء الرأي والنصيحة للنظام القائم في كيفية تعاطيه مع تنوع الافكار والثقافات والحريات، من دون ان يكون هناك رغبة حقيقية في فتح باب للحوار او التعاطي مع تلك المرجعيات، بعيدا عن استخدام الاساليب الدعائية المقيتة او الاجراءات الامنية ذات الطابع القمعي.

بالتالي فان التدمير الذاتي لإيران، من خلال القائمين على النظام الحالي، سيستمر في حال بقاء الوضع على ما هو عليه، وان غلق باب الاصلاح، (وهو مطلب غالبية الشعب الايراني)، لا يمكن ان يبقى الى ما لا نهاية، اذ ان مراجعة الذات والاعتراف بالأخطاء ومحاولة اصلاحها، هو ما يجعل من إيران دولة قوية ومتماسكة وليس الاصرار على محاصرة "الشعب" ومن يحاول "الاصلاح" بقيود عفا عليها الزمن.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1