كلّ الأنبياء والرّسل والمصلحين يُحارَبون بالمقدّسات المزيّفة التي يصنعها كبار مجتمعاتهم الذين يتضرّرون عادة من رسائلهم المقدّسة وأهدافهم السّامية.

حتى الامام امير المؤمنين عليه السلام حورِبَ بمقدّسٍ زائفٍ صنعهُ القومُ اسمهُ (قميصُ عُثمان) شنّوا بسببهِ ثلاث حروبٍ شعواء راح ضحيّتها الآلاف المؤلّفة من الصّحابة والقرّاء والتابعين!.

أكثر من هذا، فانّ الامام الحجة المنتَظر صاحب العصر والزّمان (عج) سيُحارَب بمقدّسات مزيّفة يصنعها للنّاس المُتضرّرون من ظهورهِ المبارك، خاصة اصحاب العمائم، ولذلك ورد في الرّوايات المُعتبرة ان مسرح حربهِ المقدّسة التي تدوم (٦) أشهر فقط هي المسافة الممتدّة بين نجد والكوفة!.

وبهذا الصّدد هناك الملاحظات الهامّة التّالية؛

١/ ترانا ننشغلُ دائماً بالمقدّس عن الفكرة، لانّهُ من وجهةِ نظرِنا فانَّ المقدّس هو الأهم، على العكسِ من طريقةِ تفكيرِ العقلاء الذين يُناقشون الفكرة ولا يتوقّفون كثيراً عِنْدَ سواه.

٢/ مطلوب منك دائماً ان تحترمَ مقدّساتهُ، الا انّهُ في حِلٍّ من أمرِ مُقدّسات الآخرين حتّى اذا كانت حقيقيّة وليست مُختلقة او مُزيّفة.

٣/ إنّ كثرَة المقدّسات في ايّ مجتمعٍ دليلٌ على فشلهِ بلا نقاش.

٤/ كما انّ كثرتها يخلقُ جوّاً من الخوف والرهبة لدرجةٍ انّ المجتمع يتحوّل الى ما يصطلح عليه القرآن الكريم {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} فيُقتل الإبداع والتّجديد وتغيب الحلول الحقيقيّة ويضيع النّقد البنّاء.

٥/ وفي مجتمع المقدّسات الكثيرة يرتفع فيه صوت {وَهَمَجٌ رَعَاعٌ، أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِق، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيح، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَؤُوا إِلَى رُكْن وَثِيق} على حدّ وصف أمير المؤمنين (ع).

وانّ تكاثر المقدّسات في أَي مجتمعٍ يخلقُ ما يلي؛

أولاً؛ تغييب التّفكير الحرّ وزيادة مساحات اللّامُفكّر فيه، فانّ كلّ مقدّس في مجتمعنا عبارةً عن خطٍّ أَحمر عليك ان تلتزم بهِ وتحترمه ولا تتجاوزهُ ولو بشقِّ كلمة، والا فستُعرّض نَفْسَكَ للعقوبة أقلّها الرّجم الاخلاقي والسّياسي، وأشدها التّكفير والتّخوين والطّرد من الدّين والملّة.

انّ غياب حريّة التّعبير في المسكوت عنه والّلامُفكّر فيه يُساعد بالتّأكيد على انتشار أفكار الضّلال والخُرافات وثقافة المنامات وما أشبه من هذه الأفكار والعقائد التي بدأت تنتشر بشكلٍ مُخيف في المجتمع العراقي، فعندما لا يجد الشّباب خاصةً ولا يحصلوا على الاجوبة المنطقيّة المقنعة على الكثير من تساؤلاتِهم واستفساراتهم يجدونَ أَنفسَهم في أَحضانِ المتربّصين الذين يقدّمون لهم معسولَ الكلامِ الذي يُدغدغُ عواطفهم وينسجم مع عقليّاتهم الناشئة المُتحرّرة.

ثانياً؛ تكريس ثقافة عبادةِ الشّخصية والطّاعة العمياء وصناعة الطّغاة او ما يطلقُ عليه القرآن الكريم بعبادةِ العجْلِ، فكلّما زادت المقدّسات في المجتمع كلّما زادت العُجول المعبودة من دونِ الله تعالى، سمينُها وحنيذُها لا فرق، وزادت ذيولها وزادت ظاهرة عبادة العُجول، وهذا هو الذي نراهُ اليوم في العراق.

فعندما تصنع كلّ جماعةٍ او حزبٍ او كتلةٍ او تيّارٍ مقدّساتها الخاصّة لتلتزم حدودها، نكونُ أَمام عجولٍ مقدّسة لا يجوز المساس بها ابداً، ولذلك مثلاً فبعدَ (١٣) عامٍ من الفساد المالي والاداري والفشل الفظيع والمخجِل في بناء الدّولة، وبعد مرور عامَين على تمدّد الفُقاعة واحتلال الارهابيّين لنصف العراق، وبعد مرور أَكثر من عامٍ على الحرب على الفساد لم نرَ حتى (عجلاً سميناً) واحداً على الأقل يقف خلف القُضبان أَمام القضاء لينال جزاءهُ العادل، لانّ كلّ عِجْلٍ عبارة عن مقدّس محميٌّ من قِبَل جماعتهِ لا يجرؤ احدٌ على محاسبتهِ ومُساءلتهِ وفضحهِ وكشف خباياه والمطالبة بمحاكمتهِ.

ثالثاً؛ زيادة حالات التقاطع في المجتمع وتقلّص حالات الانسجام فيه، خاصةً على مستوى الأفكار، فعندما تتشبّث كلّ مجموعةٍ بمقدّساتها التي تصنعها لنفسِها، وتتخندق بالرّموز المقدّسة التي تصنعها لها، ينقسم المجتمع على نَفْسهِ وتزداد التخندُقات الخزبيّة حتى يتحوّل المجتمع الى طوائف مشتّتة وطرائقَ قِدَداً.

انّ تكاثر المقدّسات في كلِّ مجتمعٍ يُساهم في تقليص مساحات الحوار العقلاني الذي يُنتج القواسم المشتركة التي يجتمع عليها النّاس مهما اختلفوا، الامر الذي يُساهم في تفتيتهِ وشرذمتهِ، والعكس هو الصّحيح، فتحديد المقدّسات الحقيقيّة يُسهِّل على الجميع عمليّة احترامها وعدم تجاوزها بسبب قلّة الخطوط الحمراء، ما يُسهِّل من عمليّة الحوار الذي يعمّق حالة التّعارف على مستوى الأفكار والآراء اكثر فاكثر.

تعالوا، إذن، نحدّد ونُقلّص من مساحات المقدّسات خاصة الحزبيّة منها والوهميّة والمزيّفة، لنقلّص مساحات الخطوط الحمراء وبالتّالي نقلّص مساحات الّلامُفكر فيه، لنتمّكن من مناقشة كلّ شيء فلا شيء فوق النّقاش ولا أَحد فوق المساءلة ولا شيء لا يجوز الغَورُ فيه، لنتوصّل الى النّتائج العلميّة والمنطقيّة الواقعيّة، فانتشار ظاهرة المقدّسات يُزيد من انتشار ظاهرة المداراة على حساب الحقيقة والمُجاملة على حسابِ الواقع لدرجةِ النّفاق.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0