لم يكن نشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط هدف الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب الباردة، إلا أن منهج التفكير السياسي الأمريكي تغير بعد تولي بوش الابن رئاسة الولايات المتحدة، وربما هذا التغيير الاستراتيجي يعود إلى ما بعد الحرب الباردة والتحول الذي حصل في منهج التفكير الأمريكي من خلال التوجه الجديد للعقل السياسي الأمريكي الذي تمثل بأطروحتي "نهاية التاريخ وصدام الحضارات"، ولاسيما بعدما تنبئت الأولى بسقوط كل الآيديولوجيات لتتهم كل الثقافات بالسلبية ولتبشر بزوالها ما لم تكن قابلة للانضواء تحت مظلة الديمقراطية الليبرالية، وجزمت الثانية بحتمية الصراع والصدام الحضاري بين الثقافات المختلفة في شعوب العالم لتضع صانع القرار الأمريكي على أهبة الاستعداد لمواجهة العدوان الخارجي. وبهذا شهد العراق أول عملية تحول ديمقراطي في المنطقة بعد الإطاحة بنظام صدام حسين في 9/4/2003.

عملية التحول هذه كانت عملية مفاجئة على الصعيدين (الداخلي والإقليمي)؛ لكون أغلب دول الشرق الأوسط -إن لم تكن جميعها- هي دول غير ديمقراطية وغير معتادة على النموذج الغربي الأمريكي، سواء فيما يتعلق بالتداول السلمي للسلطة وتشجيع الديمقراطية كنهج سياسي أم فيما يتعلق بحقوق الإنسان والتنمية والمعرفة وتمكين المرأة في قيادة المجتمع والتأكيد على مدنية الدولة الحديثة.

هذا التحول السياسي في العراق وما ترتب عليه من تداعيات أثارت مخاوف كل دول الجوار والدول الإقليمية والعربية في المنطقة، خوفاً من نجاح التجربة الديمقراطية في منطقةٍ ما زالت تقبع تحت أنظمة حكم قبلية تقليدية. الولايات المتحدة وفق هذا التحول رسمت خارطة للعراق بأن يكون أنموذجا ديمقراطيا لتصدير الديمقراطية الحديثة لدول المنطقة، متأملة بأن تتسع دائرة التطور الديمقراطي العراقي في المنطقة، ولاسيما أن هذه التجربة جاءت وسط نظامين إقليميين إسلاميين متشددين "إيران والسعودية".

هذه التجربة مثلت تحديا حقيقيا لكل الأنظمة السياسية الحاكمة في المنطقة، ولاسيما بالنسبة لإيران والسعودية. ولذلك فالولايات المتحدة وقعت في خطأ ربما أدركته فيما بعد؛ لأنها كانت تراهن على عملية التحول الديمقراطي من الداخل دون الأخذ بنظر الاعتبار المحيط الخارجي، والذي راهن بدوره على إفشال هذه التجربة بكل الوسائل، سواء إفشالها بدعم الإرهاب والتطرف أم افشالها بطرق ومشاريع سياسية وطائفية قوّضت من عملية التحول الديمقراطي في العراق، وما زالت تحاول إفشال التجربة العراقية؛ خوفاً منها أن يصبح "العراق" أنموذجاً سياسياً لكل الأنظمة السياسية في المنطقة، ومن ثم العمل على تصدير هذا الأنموذج إقليماً إلى دول الجوار ودول المنطقة ككل.

وبهذا يكون للمؤثرات الإقليمية دور كبير في تعثر العملية السياسية في العراق وعدم استقرارها لسببين: الأول، بسبب الإجماع الإقليمي على محاربة التجربة العراقية الفتية والعمل على إفشالها، وكذلك بسبب الانقسام الداخلي بشأن تلك المؤثرات وفق القناعات الفئوية والسياسية الضيقة. هذا على الصعيد الخارجي.

أما على الصعيد الداخلي، فتبدو أن الورقة الطائفية ولغة المكونات التي لعبت عليها القوى السياسية العراقية بعد العام 2003، قد مكّنت تلك القوى من الاستمرار في المشهد السياسي العراقي لحد الآن. فالتوظيف السياسي للطائفة أسقط كل المشاريع الوطنية الداخلية، وبموازاة ذلك، شجع كل المشاريع الإقليمية الراعية لهذه الطائفة أو تلك والهادفة إلى تفكيك وإضعاف الدولة العراقية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. ولهذا نرى الدولة العراقية تقبع في أزمات سياسية وأمنية واقتصادية منذ العام 2003.

في المقابل، هناك تطور سياسي وعسكري للدول الإقليمية التي عملت طيلة هذه السنوات على إفشال العملية السياسية وإضعاف الدولة العراقية. فعلى سبيل المثال، أصبحت المملكة العربية السعودية اليوم تقود المحور العربي والإقليمي "المحور السني"، وهي في تطور سياسي وعسكري مستمر، وأخذت تتحدث عن تدخلات برية سواء في سوريا أم في العراق، فضلاً عن تواجدها في اليمن. أما الجمهورية الإيرانية التي أصبحت قوة إقليمية "سياسياً واقتصادياً وعسكرياً"، تصالحت مع العدو الأكبر "أميركا" والغرب بدبلوماسية كبيرة من خلال برنامجها النووي، وأخذت تدير مصالحها الإقليمية في بعض دول المنطقة وفق ما يتلاءم مع أهدافها السياسية (وفق مبدأ التبعية السياسية)، بعيداً عن مصلحة تلك الدول وبنهج سياسي براغماتي. ووفقاً لهذا التطور الإقليمي، نرى أن العراق قد أنهك وأضعف، كنتيجة عكسية للتطورات الإقليمية.

هذه المشاريع الإقليمية والفشل الداخلي صاحبته ماكنة إعلامية مسيسة ودعم مالي؛ لإسقاط التجربة العراقية من قاموس الدول الإقليمية والعربية من أجل إقناع شعوبهم بأن الديمقراطية وفق هذا النهج هي أسلوب ونظام لا يمكن أن تتناسب مع المجتمعات العربية وثقافات المنطقة، ومن ثم لايمكن القبول بها؛ لأنها نظام سيجلب الحروب الداخلية وعدم الاستقرار والتخندقات الطائفية لدولهم. وبهذا يمكن تشخيص أهم الأسباب التي قوضت وما زالت تقوض عملية التحول الديمقراطي في العراق، وهذه الأسباب هي:

الرؤية الأمريكية القاصرة في عملية التحول الديمقراطي التي ركزت على العامل الداخلي دون الأخذ بنظر الاعتبار العامل الإقليمي والعربي "الخارجي".

العامل الإقليمي الذي حاول وما زال يحاول إفشال التجربة العراقية بأي ثمنٍ كان. ولهذا لا يمكن استبعاد اجتياح تنظيم "داعش" من المؤامرة الإقليمية كمحاولة لإجهاض الدولة العراقية وفق دوافع وأهداف سياسية إقليمية وداخلية.

العامل الداخلي الذي جعل من العملية السياسية العراقية "عملية سياسية هشّة"، وبيئة خصبة صالحة لكل المشاريع الطائفية؛ بسبب غياب الرؤية الحقيقية الجامعة لبناء الدولة العراقية وفق منهج وفلسفة صحيحة لبناء الدولة وإدارة الحكم بعيداً عن التدخل الخارجي.

وعليه، يمكن القول بأن التداخل بين العامل الإقليمي والأجندة الداخلية ما زال يعيق عملية التحول السياسي في العراق على مدى السنوات الماضية، وما زال اليوم أيضاً يعرقل عملية الإصلاح الحكومي؛ لأن المشكلة اليوم في الإصلاح الداخلي هو التدخل الإقليمي "الذي يريد أن تكون الإصلاحات متماشية مع مصالحه"، بغضّ النظر عن المصلحة الوطنية، بمعنى أن الإصلاح لابد أن يتماشى مع الرؤى الإقليمية المتصارعة، ويحقق نوعا من التوازن بين تلك الرؤى، فضلاً عن الرؤى الضيقة ومصالح بعض القوى السياسية المنقسمة داخلياً وإقليمياً، مما يربك الشأن الداخلي ويحرك الورقة الطائفية الداخلية، ويخلق حالة من عدم الثقة بين الفرقاء السياسيين، ولاسيما فيما يتعلق بالإصلاحات المرتقبة، والتي أصبحت ضرورة لابد منها، وهذا بالتأكيد سينعكس سلباً على الوضع الأمني المتردي، ولاسيما في العاصمة "بغداد".

ولذلك، لايمكن لصانع القرار العراقي أن يصلح الوضع السياسي للعملية السياسية ومن ثم إصلاح الوضع العام للدولة العراقية، إلا بمشروع وطني حقيقي يأخذ مصلحة العراق الداخلية والإقليمية بنظر الاعتبار، وليس العكس (أن يأخذ مصلحة الدول الإقليمية في العراق). فإذا أدرك صانع القرار العراقي والقوى السياسية هذا الأمر وعملوا على مشروع وطني وفق رؤية بناء الدولة والإدارة الحكيمة والحكم الصالح، ومشروع عابر للطائفية والمحاصصة، بما يتناسب مع مصلحة العراق الإقليمية والدولية، حينها يمكن أن يكون الإصلاح في العراق إصلاحا حقيقيا، نابعا من رؤى وإجماع وطني داخلي، ومن الممكن أن يحرك العملية السياسية ويدفع بها بالاتجاه الصحيح. وعليه، هل إن صانع القرار العراقي قادر على بلورة الإصلاحات وفق الرؤى الوطنية والمصلحة الإقليمية للبلد، أم ستكون الإرادة الإقليمية والمحاصصة الطائفية والحزبية متحكمة في الإصلاح؟.

* مركز الدراسات الاستراتيجية/جامعة كربلاء
http://kerbalacss.uokerbala.edu.iq/

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق
ازاد
العراق
ما جاء في المقالة من آراء و تحليلات للوضع السياسي و تأسيس نظام ديمقراطي في العراق في اقليم المركز، قد تطبق على إقليمه الكردستاني ولكن من زاوية اخرى الا و هي حساسية الدول الإقليمية و بعض الدول العربية تجاه نظام الفدرالية التي تحدد شكل الدولة العراقية ومن خلالها يتمتع اقليم كردستان دستوريا و قانونيا و كذلك سياسيا بحقوق في تشكيل ادارته و امتيازات في ممارسة سلطاته ،و لا شك ان هذا النهج قد يربك الأنظمة المجاورة للعراق والتي يشكل جزء من سكانها وجغرافيتها المكون الكوردي من تركيبة شعوبها معتبرة ان الإقرار بتلك الحقوق للأكراد في العراق و من ثم في تلك الأنظمة قد تهدد أمنهم القومي و تسبب في تقسيم بلدانهم لا سيما ان الأنظمة السابقة إشارة اليها قد خنقوا العناق على جميع شعوبهم ناهيك عن الأكراد ، ولكن بقدر ما يقع اللوم على تلك الأنظمة في درجة ظلمهم و ديكتاتوريتهم ،يجب القول بان الادانة المضاعفة تقع على قادة الأكراد أنفسهم في اقليم كردستان لان أكثرهم ومن فيهم في راس السلطة قد اثبتوا ان لديهم هذيان واشتياق غير محدود لكرسي الحكم حتى اذا كان ذلك عن طريق انتهاك كل قانون ساري المفعول ضاربين المصلحة العامة و قضية شعبهم بعرض الحاءط كل همهم بقاءهم في السلطة وإطالة أمدها باي ثمن كان لكي يتسنى لهم القيام لاقصى فترة ممكنة بسلب خيرات الوطن ونهب أموال العامة على حساب دم الشهداء و المتاجرة السياسية به ،2016-11-17

مواضيع ذات صلة

1