نتعجب كثيرا ونحن نطالع كل يوم ما يقوم به سياسيو الصدفة بعد العام 2003 في العراق، من سلوكيات مشينة بحق انفسهم وبحق من انتخبوهم لتمثيلهم.. ومصدر العجب، اننا درجنا ومنذ سنوات طفولتنا، على الشعور بالخجل حين نرتكب بعض الأخطاء، مقصودة او غير مقصودة، ونحن ننظر بعيون الاخرين.

وكثيرا ما عاقبنا الاهل على تلك الأخطاء بعد انكشافها، ننسى الكثير من العقوبات والاخطاء، الا ان الخجل يبقى ملازما لنا طيلة سنوات حياتنا القادمة، خاصة بعد ان يبرز معه شعور بالذنب ونحن نقترف الكثير من الأخطاء، لقد كبرنا ونضجنا واصبحنا نميز ونعي انفسنا ومحيطنا.. للخجل علم خاص به، يعنى بتاريخه وتطوره في المجتمعات، وهو يسمى (علم اخلاق الخجل) يرى هذا العلم ان الخجل (هو ضمانة لتمامية الانسان)، وهو (انفعال يحمي الذات).. و(الخجل يمكن ان يساعدنا في اكتساب فضيلة الشجاعة).. ويذهب ارسطو، الى ان التربية الأخلاقية الناجحة ليست ان نشعر بالخجل بعد فعل الشر، بل هي في عدم فعل الشر أصلا.

والخجل جيد بالنسبة للإنسان، مادام يشير في من يحمرّ خجلا الى رغبته بالعيش بشرف، (الانسان الذي يخجل مما يعمله هو مع ذلك أكثر كمالا من الصفيق الذي لا رغبة لديه بالعيش بشرف) على حد تعبير سبينوزا في كتابه "علم الاخلاق".

والخجل هو التعبير عن الإقرار بالأخطاء وبالرغبة في تصحيحها او بإصلاح النفس، كما تذهب الى ذلك بعض النظريات لفلسفية، على خلاف الغيرة او الحسد، اللذين لهما علاقة وجدانية مع الغير، الخجل هو لأول وهلة علاقة وجدانية مع الذات.

فأنا لا يمكنني ان أكون حسودا او غيورا من نفسي، بل يمكنني ان اخجل من نفسي. ان الافتخار والكبرياء والغرور هي علاقات وجدانية مع الذات أيضا، لكنها إيجابية، "لا تعني العلاقة الإيجابية بالضرورة علاقة جديرة بالمديح" انها تعبر عن بعض الرضا بالنسبة للذات، في حين ان الخجل سلبي، وهو يعبر بالأحرى عن الخيبة او عدم الرضى ..

وتتعلق بالخجل فكرة الاخفاء، ان نخفي السيء من افعالنا، كي لا نخجل منها اذا ظهرت. وهو في هذه الحالة، لطخة، ندبة، علامة على اننا تصرفنا بحماقة، بابتذال، بجور. او في بعض الحالات نكون أشخاصا حمقى، مبتذلين، جائرين.

يعبّر الخجل عن امتثال الضمير الشخصي لتأثيرات خارجية، وتعبر حالة الذنب عن امتثال الضمير الشخصي لتأثيرات خارجية.

وفي الخجل نهتم بصورتنا الشخصية، بسمعتنا، بمصير ضحايانا.. وبالتعاكس، قد تدور بنا حالة الذنب باتجاه الاخرين، قد نوقظ الاهتمام بتعويض، بتصحيح، بتخفيف عقوبتهم.

في دراسة حديثة، وللتأكد من صحة الطروحات الفلسفية المتعلقة بالخجل، أجرى العلماء في جامعة كاليفورنيا في الولايات المتحدة الامريكية، تجربة اشترك فيها 900 شخص من سكان الولايات المتحدة والهند واسرائيل، طلب منهم وصف موقفهم من عدد من الأمور الحياتية التي تواجههم والتي تفرض عليهم الشعور بالخجل والانفصال عن المحيطين بهم.

توصلت تلك الدراسة الى ان الخجل هو رد فعل دفاعي وآلية للعيش مع البشر.. ويرى العلماء الذين اشرفوا على تلك الدراسة، ان الخجل لعب دورا أساسيا في بقاء المرء حياً، مثله مثل بقية الآليات الوقائية التي تهدف الى منع الإنسان من الإضرار بنفسه. وإن وظيفة الخجل هي حمايتنا من خرق تقاليد التواصل الاجتماعي ودعوتنا الى تحسينها. فالخجل يفرض على الناس التصرف بشكل يبقيهم اجتماعيين، حيث كان هذا في السابق شرطا اساسيا للبقاء.

لماذا لا يخجل ساسة العراق؟، ربما، وحسب رأي الكاتب، ان الخجل قد فقد قيمته الأخلاقية في مواجهته التاريخية مع حالة الذنب في الحالة السياسية العراقية، لهذا ترى الساسة لا يخجلون من ارتكاب الأخطاء، والتي قد تكون مميتة بحق عموم الشعب العراقي، وهم في المقابل كثيرا ما ينادون الى تصحيح بعض السياسات التي قادت الى تلك النتائج، أي ان الذنب يطفو على الإحساس بالخجل.

او ربما ما يفسر عدم الشعور بالخجل لدى الكثيرين منهم، انهم اذ يشعرون بتهديدات جدية لحياتهم، لا يعودون يهتمون بهذه الالية الدفاعية وهي الخجل، للمحافظة على تلك الحياة، لهذا تراهم يندفعون كثيرا الى ارتكاب الأفعال المخجلة دون إحساس بتأنيب من ضمير، وكأنهم يعيشون لحظة عدمية متواصلة بامتياز، او ربما هناك تفسيرات أخرى، تحتاج الى الكثير من البحوث والدراسات، وهي في الحالة العراقية غير متوفرة حتى الوقت الحاضر.

 --------------------------------------
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق
zahra
لو اسهبتم اكثر . . بسرعة قرت هذه الشقشقة؟!!!!

ابدعتم .2016-03-06

مواضيع ذات صلة

0