البسطاء أو الساذجين فقط هم اللذين يعتقدون أن إنعقاد مؤتمر ما أو جَلـْسَةً لمؤتـَمَرٍ ما سوف تؤدي حتماً إلى الوصول لنتائج أو حلول للمشكلة قيد البحث، أو أن المشكلة قد شارفت على الحل من خلال الإعلان "عن قرب وقف إطلاق النار". من الواضح أن المقومات اللازمة لتسوية الصراع في سوريا ليست جاهزةً بَعْدْ وهي ما تزال قيد الإعداد. إن إنعقاد مؤتمر جنيف مهما كان رقمه سواء 3 أو 4 مثلاً لا يعني أن الوضع قد أصبح جاهزاً للتسوية بقدر ما قد يهدف إلى إعطاء الإنطباع بأن الأمور في طريقها إلى الحل وذلك كوسيلة لتخفيف الإحتقان والتوتر وإبقاء جذوة الأمل مشتعلة، منعاً لإنفجار الأمور بما لا ينسجم مع مصالح القوتين الأكثر تأثيراً في الوضع السوري وهما أمريكا وروسيا.

يُخطئ من يعتقد بأن الروس قد دخلوا سوريا رغماً عن أنف أمريكا أو أنهم دخلوا إلى سوريا لأسباب عقائدية أو أخلاقية، ويخطأ أكثر كل من يفكر بأن روسيا هي الإتحاد السوفياتي السابق بسياساته وأهدافه العقائدية، كما يخطئ من يعتبر ما حصل في سوريا بأنه إنتصار لروسيا وهزيمة لأمريكا لأن الحقيقة هي أن ما حصل هو هزيمة لسوريا وإنتصاراً للآخرين. فدخول روسيا لسوريا جاء بالإتفاق والتنسيق الكاملين مع أمريكا. وهكذا فإن أبعاد هذا التدخل وحدوده متفق عليها مسبقاً بين روسيا وأمريكا وما يجري الآن هو في واقعه عملية إخراج سلمي لما هو متفق عليه أو شبه متفق عليه، بما في ذلك أي خلافات علنية قد تطفو على السطح.

الأساس في الإتفاق الروسي – الأمريكي هو وصول الوضع في سوريا عشية التدخل الروسي إلى إحتمال يشير لحتمية الهيمنة الإيرانية على أجزاء واسعة من العراق وسوريا سواء مباشرة أو بواسطة أحزاب وتنظيمات تابعة لها مثل حزب الدعوة في العراق وحزب الله اللبناني في سوريا، بالإضافة إلى هيمنة تنظيم داعش أيضاً على أجزاء واسعة من سوريا والعراق. وهذا يعني أن الخيار أصبح محصوراً أمام أمريكا في قوتين لا تستطيع قبول أي منهما أو السماح لأي منهما بأن يصبح قوة تغيير إقليمي تشمل إثنتان من أهم دول المنطقة وهما العراق وسوريا.

وهكذا تم فتح الطريق أمام إتفاق أمريكي–روسي يسمح بتدخل روسي محسوب في سوريا يستجيب للتطلعات الروسية الإستراتيجية في الإطلالة على المياه الدافئة من جهة، ويضع حداً للتمدد الداعشي في سوريا حتى ولو أدى ذلك إلى تقسيمها، وهو في نفس الوقت أمراً يستجيب للرغبة الأمريكية في وضع حد لإمتداد الهيمنة الإيرانية في كلاً من سوريا والعراق وبشكل يُبعد إيران عن الحدود الإسرائيلية بشكل واضح وحاسم.

وهكذا إلتقت المصالح الأمريكية والروسية وإن كان ذلك على حساب الوطن السوري ومصالِحِهِ وأصبح مصير سوريا قراراً بيد الآخرين، ونظام الحكم السوري أصبح بالتالي واجهة لإضفاء شرعية على الوجود العسكري الروسي ومخططاته.

كان لا بد من وجود تنظيم مثل داعش حتى تستطيع أمريكا وحلفائها إيجاد العذر لخلق حلف عسكري إقليمي للتدخل في شؤون دول المنطقة تحت شعار "مكافحة الإرهاب". وكان لا بد من إستمرار وجود تنظيم الدولة "داعش" حتى تستطيع الدول الكبرى خصوصاً أمريكا وروسيا، أن تفعل ما تفعله الآن في سوريا وأن يبقى الأسد في الواجهة السياسية كما تريد روسيا تحت ستار مكافحة المد الداعشي في سوريا وعلى إعتبار أن البديل الوحيد لنظام الأسد فيما لو تم القضاء عليه هو نظام داعش ! معادلات محسوبة أساسها وجود تنظيم داعش وإستمراره كعذر وغطاء لتدخل الآخرين في شؤون المنطقة العربية. وهكذا فإن القضاء على داعش بشكل نهائي لم يكن يوماً هدفاً حقيقياً لأمريكا وحلفائها، ولكن تضخيم خـَطـَرِها بالقـدر المطلوب لخلـق حالة عامة من الخوف بين شعوب المنطقة كان هو الهدف طوال الوقت. وهذا الموقف لا يتناقض والمصالح الأمريكية التي كانت وراء تسهيل ظهور تنظيم داعش أصلاً.

لا أحد يريد حقيقة القضاء على تنظيم داعش بشكل نهائي وحاسم. فالجميع يتقاتلون ويتدخلون في شؤون دول المنطقة تحت عنوان محاربة الإرهاب وداعش جزء أساسي من التنظيمات المصنفة بالإرهابية، وبقاءها يصبح بالتالي ضرورياً لإستمرار معضلة الإرهاب، وهي بدورها ضرورية لتبرير سياسات التدخل العسكري في دول المنطقة. إذاً الحديث عن ضرب الإرهاب والقضاء عليه عسكرياً يصبح وسيلةً للوصول لأهداف أخرى وليس هو هدفاً بحد ذاته.

إن إلتقاء المصالح لخدمة أهداف مختلفة أمر طبيعي. وأمريكا وروسيا تلتقي مصالحها في التعامل مع دول المنطقة من منظور إستراتيجي شامل. وقد تختلف ولكن ليس إلى حد الدخول في نزاع عسكري من أجل أي طرف ثالث، ويبقى الأمر بذلك مقتصراً على النزاع السياسي. فالدول الكبرى لن تدخل في نزاع مسلح من أجل الآخرين. والآخرين هم من يجب أن يدفع ضريبة الدم مع أن الفائدة تعود دوماً إلى الكبار.

هنالك مدارس عديدة تختلف في تفسير أصول داعش ودورها في المنطقة. وبغض النظر عن التفاصيل، فإن المهم هو كيف يستغل الآخرون وجود داعش لتعزيز مواقعهم ومكاسبهم سواء أكان أولئك الآخرون من خارج المنطقة مثل أمريكا والغرب وروسيا أو من داخل الإقليم مثل إيران وتركيا أو من داخل العالم العربي مثل نظام الأسد والسعودية ومصر والأردن.

العنوان الكبير والذي يُجمعْ عليه الجميع هو "مكافحة الإرهاب"، ولكن المحتوى والهدف يختـلفان بين طرف وآخر ولا يوجد قاسم مشترك أعظم بينهم جميعاً سوى ذلك العنوان.

إن إستغلال نظام الأسد وروسيا لظاهرة داعش ووجودها المسلح والدموي في سوريا كان الإستغلال الأكثر عبقرية. فنظام الأسد سَمَحَ لداعش بالتمدد في عدة مناطق وبممارسة وحشيتها في القتل وتدمير التراث الوطني علناً لبث الرعب بين أبناء الشعب السوري والعالم الخارجي وحَصَرَ الخيار بالتالي أمام السوريين والعالم بينه وبين داعش فقط، وهو بذلك إستثنى المعارضة بإعتبارها لا شيء ووضع السوريين أمام خيار واحد من إثنين: إما النظام أو داعش ولا شئ آخر.

أما روسيا، فقد نجح بوتين في تبرير تدخله العسكري في سوريا أمام الشعب الروسي بإعتباره ضربة استباقية للإرهاب في مهده قبل أن يتمكن ذلك الإرهاب من توجيه ضرباته إلى قلب روسيا فيما لو عاد العديد من عناصر داعش إلى وطنهم الشيشان وروسيا الإتحادية نفسها مع إحتمال قيامهم بعمليات تخريبية. وهكذا قام بوتين بتسويق تدخله العسكري في سوريا أمام الشعب الروسي بإعتبار إجراءاً في الدفاع عن النفس وعن العمق الروسي وليس تدخلاً في الشأن السوري وإحتلالاً لأجزاء من سوريا.

ومن هذا المنطلق، فإن إعادة تقسيم ما قسمته اتفاقيات سايكس-بيكو عقب الحرب العالمية الأولى قد يكون الآن على طاولة المفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية وقد يتمخض عن ذلك وضع جديد وإتفاقات كيري- لافروف جديدة كبديل عن إتفاقات سايكس- بيكو القديمة والتي شكلت الأساس للنظام السياسي العربي بعد الحرب العالمية الأولى.

الإنهيار والتغيير الجاري الآن يشمل معظم أرجاء العالم العربي من مشرقه إلى مغربه وهو غير محصور بدول إتفاقات سايكس-بيكو التي شملت أقطار الهلال الخصيب حصراً (العراق وسوريا ولبنان وفلسطين وشرق الأردن). وهذا يعني أن ما يجري الآن لا علاقة له بسـايكس- بيكو إلا في حدوده الرمزية التي تؤكد قدرة الدول الكبرى على الإستمرار في ممارسة مبدأ إعادة رسم حدود دول المنطقة بما يناسب مصالحهم أو رؤيتهم. الحديث هنا ما زال إستمراراً لمنطق القوة وحق الدول الكبرى في فرض رؤيتهم على شعوب المنطقة بغض النظر عن رغبات تلك الشعوب. وعلينا أن لا ننسى أن ذلك، فيما لو تم، سوف يكون في مصلحة تلك الدول وإسرائيل التي تقف خلف معظم الأحداث الدامية في المنطقة محتمية بسواتر مختلفة منها الأمريكي ومنها الأوروبي ومنها الروسي ومنها العربي.

* مفكر ومحلل سياسي

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0