كان اجتماع جنيف الأخير بمثابة الاختبار الحقيقي لمدى التزام الأطراف الدولية المشاركة في الازمة السورية بضرورة اللجوء الى حل سياسي ينهي خمس سنوات من الدمار، قضى خلالها ما يعادل 11% من سكان سوريا بين جريح ومصاب (بحسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية)، بعد ان اتفقت جميع هذه الأطراف ان لا مخرج عسكري قد يفضي الى لحظة الحسم والاستقرار داخل سوريا، ومع هذا اجمع المراقبون للشأن السوري ان جنيف فشل في مساعي السلام امام تناقض الرغبات وتقاطع المصالح.

وقد تصارعت العديد من القوى فيما بينها بصورة مباشرة، فضلا عن دعمها لجماعات سياسية وأخرى مسلحة برزت الى سطح الازمة كقوة ستشارك في صنع مستقبل سوريا، في حال وضعت الحرب اوزارها في نهاية المطاف.

الاكراد في سوريا احدى الجماعات التي نشطت خلال الحرب الاهلية السورية، واستطاعت خلال العامين الماضيين من تثبيت جناحها العسكري (وحدات حماية الشعب) كقوة مسلحة فاعلة على الأرض، قدمت لها العديد من الجهات الدولية دعما لوجستيا مهما، خلال حربها ضد داعش (وأشهرها ما جرى في مدينة كوباني او عين العرب)، بما فيها الولايات المتحدة الامريكية، حتى انه استطاع السيطرة على أراضي تفوق ما كان الاكراد يسيطرون عليها بنسبة الضعف.

وكانت احدى التقاطعات المهمة بين الولايات المتحدة الامريكية وتركيا، والتي سببت الكثير من التوتر الدبلوماسي بين الحلفيين، هو طريقة التعامل الأمريكي مع اكراد سوريا، وبالأخص الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني (بي بي كي)، الذي تعتبره تركيا، إضافة الى حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا، حزبا إرهابيا خاضت ضده عدة حروب قضى خلالها الالاف بين الطرفين منذ ثمانينات القرن الماضي وحتى الوقت الراهن.

وفي مفارقة غريبة دخلت روسيا على خط الازمة السورية، خصوصا في دعمها للأحزاب والجماعات الكردية المقاتلة في سوريا، والتي تطمح الى حكم ذاتي داخل سوريا وليس الانفصال عنها، بحسب الرواية الرسمية لقادتها، لكن في جميع الأحوال، سيضر أي نجاح سياسي او عسكري للأكراد في سوريا الجانب التركي، وربما سيرتقي الى مستوى تهديد امنها واستقرارها في حال كان هذا النجاح لجهات تعتبرها إرهابية.

وذكر محرر النسخة الروسية من مجلة "فورين أفيرز" فيدور لوكيناف، قوله: "من جهة الأكراد، فإن التحرك يظهر لهم أنهم قوة مستقلة، ويستطيعون التعاون مع أي جهة يريدون"، ويضيف لوكيناف: "الجميع يتعاملون مع الأكراد كونهم حلفاء محتملين، وهم يجيدون اللعبة جيدا، ولهذا السبب يشعر الأتراك بالقلق، وما أصبحت مناطق كردية هي جزء من الشكل الذي ستتخذه سوريا في المستقبل".

واستولت "وحدات حماية الشعب الكردي" مدعومة بقوات عربية معارضة، قبل أيام، على قاعدة جوية استراتيجية في محافظة حلب شمال سوريا كانت تحت سيطرة فصائل اسلامية، وفق ما أعلن المرصد السوري لحقوق الانسان، وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن انه "بعد سيطرة الوحدات الكردية على مطار منغ العسكري، فقد المقاتلون الاسلاميون آخر مطار عسكري تحت سيطرتهم في محافظة حلب"، واضاف "يقع مطار منغ بين طريقين مهمين يصلان بين مدينة حلب شمالا إلى اعزاز (ما) يقربهم من داعش شرقا".

بالمقابل فان تركيا التي تسعى في محاولات غير مضمونة العواقب، للسعي مع حلفائها في الخليج، وربما اوربا، لدخول سوريا عبر تطبيق مقترحها بخصوص الملاذ الامن قرب حدودها مع سوريا، وهو مقترح سيواجه عقبات تضعها امامها روسيا والولايات المتحدة الامريكية، ما يعني اما الذهاب وحدها في حرب قد تؤدي الى خسارة تركيا لأخر نفوذها في سوريا، او مواجهة اكراد سوريا في صراع مسلح لن تقف فيه أمريكا الى جانب تركيا، وبالتالي فتح جبهة جديدة من الصراعات داخل سوريا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0