يتناول المقال أشكال الفقد الصامت التي يعيشها الإنسان دون جنازات معلنة، من شيخوخة الأب وتبدل صورته في عيون أبنائه، إلى الحب الذي لم يكتمل، والصداقة التي أنهكها الغياب، واللحظات الأخيرة التي تمر دون وداع. ويتوقف عند خسارة الإنسان لنسخه القديمة وأحلامه، كاشفًا أثر الزمن والذكريات والندم في تشكيل حزن...

نحن لا نفقد الأشياء الجميلة في حياتنا دفعة واحدة. الزمن أكثر مكرًا من ذلك. إنه يأخذها منا على مهل. يقتطع جزءًا صغيرًا اليوم، وجزءًا آخر غدًا، حتى نستيقظ ذات يوم لنجد أن ما أحببناه لم يعد كما كان، وأن أشخاصًا كانوا يومًا عالمنا كله تحولوا إلى ذكريات تمشي على أطراف القلب.

هناك لحظة مرعبة يمر بها كل إنسان، لحظة لا يسمع فيها صوت رصاص، ولا يرى نعشًا، ولا يقف في مقبرة، ومع ذلك يشعر أن شيئًا ما قد مات إلى الأبد. تلتفت فجأة إلى حياتك فلا تعرف كيف وصلت إلى هنا. ترى وجوهًا كانت تملأ أيامك ثم اختفت. ترى أحلامًا كنت مستعدًا أن تحارب العالم من أجلها، فلم يبقَ منها سوى ذكريات باهتة. ترى أباك الذي كان يبدو أكبر من الزمن نفسه وقد صار يسير ببطء، كان جبلًا فأصبح يتكئ على ذراع ابنه. ويبدأ حين نكتشف أن حبًا عظيمًا لم يمت، لكنه لم يجد طريقه إلى الحياة. وترى في المرآة شخصًا لا يشبه ذلك الفتى الذي كنت تعرفه ذات يوم.

وكلما تقدم بنا العمر، امتلأت أرواحنا بمقابر لا يراها أحد. مقابر لأحلام لم تتحقق، ووجوه غيّرها الزمن، وبيوت لم تُبنَ، وكلمات لم تُقل، وأوقات جميلة مرت سريعًا ولم نعرف قيمتها إلا بعد فوات الأوان.

وهكذا نعيش محاطين بقبور تمشي بين الأحياء، نحملها معنا أينما ذهبنا. نبتسم أحيانًا، ونتحدث، ونواصل الحياة كأن شيئًا لم يحدث، بينما في أعماقنا مواكب عزاء لا تنتهي، وأسماء ما زلنا نرثيها بصمت، رغم أنها لم تُدفن يومًا في التراب.

الأكثر إيلامًا أن هذه الجنائز لا يحضرها أحد. لا أحد يربت على كتفك حين تموت نسخة قديمة منك. لا أحد يعزيك حين تدفن حلمًا عشت سنوات تبنيه. لا أحد يرى الدموع التي تخفيها وأنت تراقب الزمن وهو يسرق من والديك القوة التي كنت تظنها أبدية.

ولهذا نمضي في الحياة محاطين بأشباحنا الخاصة. نحمل في قلوبنا مدنًا كاملة انهارت، وأعمارًا كاملة لم نعشها، وأشخاصًا ما زالوا أحياء في هذا العالم لكنهم رحلوا إلى الأبد من العالم الذي كان يسكننا. عندها تدرك الحقيقة التي نحاول الهرب منها طوال العمر: نحن لا نفقد الأشياء دفعة واحدة، بل نفقدها على أجزاء. قطعة صغيرة اليوم، وأخرى غدًا، حتى يأتي يوم نجد فيه أن حياتنا امتلأت بمقابر لا يعرف أحد بوجودها.

وما هذه الصفحات إلا محاولة للوقوف قليلًا أمام تلك القبور الصامتة، قبور تمشي بين الأحياء، ولا يراها أحد سوانا.

جنازة الأب الذي صار عجوزًا

من بين كل الجنازات التي لا تُقام، هناك جنازة لا يلاحظها أحد في البداية. لا تحدث في يوم واحد، ولا يُعلن عنها أحد، ولا تُكتب شهادات الوفاة باسمها. إنها الجنازة البطيئة للرجل الذي ظننته يومًا أكبر من الزمن نفسه.

في طفولتك لم يكن أبوك رجلًا عاديًا. كان أشبه بحقيقة ثابتة من حقائق الكون. كنت تراه يقف في وجه المصاعب كما لو أنها أصغر منه. كان يرفع الأشياء الثقيلة، ويصلح الأعطال، ويتحدث بثقة تجعلك تظن أنه يعرف الجواب عن كل سؤال في هذا العالم. وحين كنت تمسك يده وأنت تعبر الطريق، لم تكن تشعر أنك تمسك يد إنسان، بل يد حصن كامل لا يمكن أن يسقط.

ثم تمضي السنوات. لا يحدث شيء كبير في البداية. مجرد تفاصيل صغيرة لا تستحق الانتباه. شعرة بيضاء هنا. نظارة يضعها للقراءة هناك. شكوى عابرة من ألم في الركبة أو الظهر. أشياء يلاحظها الابن ويمضي عنها؛ لأنه ما زال يعتقد أن أباه أقوى من أن تهزمه الأيام.

لكن الأيام لا تتوقف. وفي إحدى المرات، تنظر إليه جيدًا للمرة الأولى منذ سنوات، فتفاجئك الحقيقة. ليس لأنه تغير فجأة، بل لأنك أنت تأخرت في ملاحظة ما كانت السنوات تفعله به في هدوء. ترى التجاعيد التي لم تكن موجودة. ترى التعب في عينيه. ترى البطء الذي تسلل إلى خطواته دون استئذان. وترى رجلًا أمضى عمره كله يحمل أثقال الآخرين، بينما كانت السنوات تحمل أثقالها فوق كتفيه هو أيضًا.

عندها تشعر بشيء يشبه الخوف. الخوف من اكتشاف أن البطل الذي احتميت وراءه طوال عمرك إنسان. مجرد إنسان، يتعب، ويتألم، ويخاف، ويكبر، وقد يرحل يومًا.

وما أقسى اللحظة التي يحتاج فيها الأب إلى مساعدتك للمرة الأولى. ليست لأنها مهمة كبيرة، بل لأنها تهشم صورة قديمة عاشت في قلبك عقودًا طويلة. حين يطلب منك أن تقرأ له شيئًا لأن بصره لم يعد كما كان. أو حين يمد يده ليتكئ عليك أثناء صعود الدرج. أو حين تراه يفتش عن دوائه بين جيوبه. أو حين يعجز عن حمل شيء كان يحمله بيد واحدة فيما مضى.

في تلك اللحظات لا يتألم القلب بسبب ما يحدث الآن، بل بسبب ما يتذكره. يتذكر اليد نفسها وهي ترفعك من الأرض وأنت طفل، والظهر نفسه الذي حملك ساعات طويلة، والصوت نفسه الذي كان يطمئنك حين تخاف. وفجأة تقف المشاهد كلها جنبًا إلى جنب، فترى المسافة الهائلة التي قطعها العمر.

ترى الطفل الذي كنته، وترى الرجل الذي كانه، وترى الزمن وهو يمر بينكما كالنهر. ثم تدرك أن جزءًا من المأساة ليس في أن الآباء يكبرون، بل في أنهم يكبرون أمامنا ونحن عاجزون عن فعل أي شيء. يمكنك أن تشتري لهم الهدايا، أن توفر لهم الراحة، أن تحيطهم بالحب. لكن لا يمكنك أن ترد دقيقة واحدة سرقها العمر منهم، ولا أن تعيد إلى شعرهم سواده، ولا إلى ظهورهم قوتها، ولا إلى وجوههم شبابها.

ولهذا يكون بعض الحزن صامتًا إلى درجة لا تُحتمل. حزن يجلس في قلب الابن كلما نظر إلى أبيه وانشغل لساعات يتأمل تفاصيل لم يكن يراها من قبل. يتأمل يديه اللتين أنهكهما العمل. وخطوط وجهه التي حفرتها المسؤوليات. وصمته الذي ازداد مع السنوات. ويفكر في كم الأشياء التي تحملها هذا الرجل وحده لكي تصل أنت إلى هنا.

ثم تأتي لحظة أكثر قسوة من كل ما سبق. لحظة تدرك فيها أن أباك لم يكن قويًا لأنه لا يتعب، بل كان قويًا لأنه كان يتعب بصمت. لم يكن شجاعًا لأنه لا يخاف، بل لأنه كان يخاف ويواصل الطريق رغم ذلك. لم يكن بطلًا لأنه لا ينكسر، بل لأنه أخفى كسوره كلها عنك حتى تنام مطمئنًا.

وعندها فقط يبدأ الندم. تتذكر المرات التي أغضبته فيها، والأيام التي كنت مشغولًا عنه، والمكالمات التي قلت لنفسك إنك ستجريها لاحقًا، والجلسات التي أجلتها، والكلمات الجميلة التي احتفظت بها في صدرك ولم تقلها له. فتدرك متأخرًا أن الرجل الذي ظننته سيبقى دائمًا بدأ يبتعد ببطء، وأن العمر الذي كنت تعتقد أن لديك متسعًا منه ينفد أسرع مما تتخيل.

وهكذا تكتشف أن بعض الجنائز لا تبدأ يوم الموت، بل تبدأ يوم ترى أباك للمرة الأولى رجلًا عجوزًا، وتفهم في تلك اللحظة أن الزمن لم يكن يسرق منك السنوات وحدها، بل كان يسرق أيضًا آخر الأبطال الذين كنت تظن أنهم لا يُهزمون.

جنازة الحب الذي لم يكتمل

ليست كل قصص الحب تنتهي بالخيانة، ولا كل القلوب تنكسر بسبب الغدر. أحيانًا تكون القصة أكثر قسوة من ذلك بكثير. أحيانًا يكون الحب صادقًا إلى أبعد حد، ويكون الشوق حقيقيًا، وتكون النوايا نقية، ثم ينهار كل شيء رغم ذلك.

ولهذا فإن بعض قصص الحب لا تترك وراءها غضبًا، بل تترك فراغًا هائلًا لا يملؤه شيء. ففي الخيانة يستطيع الإنسان أن يكره، والكراهية تمنحه شيئًا يتكئ عليه. أما حين يضيع الحب دون مذنب واضح، فإن القلب يبقى معلقًا في منتصف الطريق سنوات طويلة، لا هو قادر على العودة، ولا هو قادر على النسيان.

تتذكر جيدًا كيف بدأ الأمر. تتذكر الرسائل الأولى، والارتباك الأول، والفرحة التي كانت تكفيها كلمة واحدة لتملأ يومك كله. تتذكر كيف بدأ وجه شخص واحد يحتل أجزاء متزايدة من أفكارك، حتى صار حضوره في يومك أمرًا بديهيًا مثل شروق الشمس.

ثم يحدث ما لم يكن يجب أن يحدث. تفترق الطرق، تتدخل المسافات، تنحاز الحياة إلى اتجاه آخر، وتجد نفسك واقفًا أمام حقيقة لا تريد تصديقها: الشخص الذي كنت تبني معه مستقبلك لم يعد جزءًا من مستقبلك. والمؤلم أن الإنسان لا يبكي الحب لحظة انتهائه فقط، بل يبكيه بعد ذلك بسنوات. يبكيه حين يرى شيئًا جميلًا ويعرف فورًا لمن كان سيرسله لو بقي ذلك الشخص موجودًا. يبكيه حين يمر بمكان كانا يخططان لزيارته معًا، يبكيه حين يسمع أغنية قديمة فتسقط عليه الذكريات كلها دفعة واحدة، ويبكيه حين ينجح في أمر كان ينتظر أن يحتفلا به معًا.

لأن الفقد الحقيقي لا يكون فقدان الإنسان فقط، بل فقدان المستقبل الذي كان مرتبطًا به. لقد كنت تحب شخصًا، نعم، لكنك كنت تحب أيضًا الحياة التي كنت تتخيلها معه. كنت تحب البيت الذي لم يُبنَ، والأحاديث التي لم تحدث، والرحلات التي لم تتم، والأطفال الذين لم يولدوا، والسنوات التي لم تأتِ.

وحين انتهت القصة لم يمت شخص واحد في قلبك، بل ماتت مدينة كاملة كانت تنتظر أن تُبنى. ولهذا تبقى بعض القصص مفتوحة رغم مرور العمر، ليس لأن أصحابها ما زالوا يحبون بالطريقة نفسها، بل لأن جزءًا منهم لا يستطيع دفن تلك الحياة التي كان من الممكن أن تكون.

وقد يحدث بعد عشرين عامًا أن ترى ذلك الشخص مصادفة. قد تراه في صورة عابرة أو في شارع مزدحم أو على شاشة هاتفك. وعندها لن يؤلمك شكله الجديد ولا العمر الذي مر عليه، بل سيؤلمك ذلك السؤال القديم الذي لا جواب له: كيف كانت ستبدو حياتنا لو أن الأمور سارت بطريقة مختلفة؟ ذلك السؤال وحده قادر على إعادة سنوات كاملة من الحنين في لحظة واحدة.

ولعل أقسى ما في هذه الجنازة أن أحدًا لا يراها. فالناس يظنون أن الإنسان تجاوز قصته القديمة لأنه توقف عن الحديث عنها. ولا يعرفون أن بعض الأحزان لا تسكن اللسان أصلًا، بل تستقر في الطبقات العميقة من الروح. وهناك تبقى صامتة سنوات طويلة، حتى تلمسها ذكرى صغيرة فتستيقظ كلها دفعة واحدة.

ولهذا فإن بعض الأحبة لا يموتون يوم يرحلون، بل يموتون على مهل. يموتون كلما حدث أمر جميل ولم يعودوا جزءًا منه. ويموتون كلما احتجنا إلى صوتهم ولم نجده. ويموتون كلما مرت سنة جديدة فوق تلك الحياة التي حلمنا بها معهم ولم تأتِ أبدًا.

وفي نهاية الأمر لا يبقى في القلب شخص واحد فقط نفتقده، بل يبقى قبر واسع لحياة كاملة لم تُعش قط. حياة كان يمكن أن تكون أجمل ذكرياتنا، فتحولت إلى أكثر الجنازات صمتًا في أعماقنا، جنازة لم يحضرها أحد، رغم أن صاحبها كان يومًا العالم كله.

جنازة الصديق الذي لم يمت

من بين كل الجنازات التي لا تُقام، ربما تكون هذه أكثرها قسوة. ليس لأن الموت فيها أعظم، بل لأن صاحبه ما زال على قيد الحياة. هناك أصدقاء لا يأخذهم الموت منا، بل تأخذهم الحياة. تتذكر جيدًا كيف بدأ كل شيء. تتذكر أول ضحكة بينكما، وأول سر ائتمنته عليه، وأول مرة شعرت فيها أن هذا الإنسان ليس مجرد صديق، بل قطعة من أيامك لا يمكن أن تنفصل عنك. كنت تعرف صوته قبل أن يعرّف نفسه، وتعرف حزنه من طريقة كتابته، وتعرف ما يريد قوله قبل أن يكمل الجملة.

في تلك الأيام لم تكن الصداقة علاقةً بين شخصين فقط، بل كانت وطنًا صغيرًا يختبئ فيه كل منكما من قسوة العالم. وكان يبدو مستحيلًا أن يأتي يوم تصبحان فيه غريبين. لكن الحياة لا تهدم الأشياء الكبيرة دفعة واحدة. إنها تبدأ ببطء شديد: مكالمة مؤجلة، رسالة لم يُردّ عليها، انشغال عابر، ظروف مؤقتة، أسابيع تمر دون لقاء، ثم أشهر، ثم سنة أو سنتان. ثم يحدث أمر غريب لا يمكن تحديد لحظته بدقة، تتوقف الصداقة عن النمو، تبقى واقفة في مكانها بينما يكبر العمر من حولها.

وفي لحظة ما، دون شجار كبير أو خيانة مدوية أو كلمة أخيرة، تكتشف أن شخصًا كان يعرف كل شيء عنك لم يعد يعرف شيئًا، وأنك أنت أيضًا لم تعد تعرف الكثير عنه. والموجع أن بعض الصداقات لا تنتهي بسبب الكراهية، فالكراهية على الأقل تترك نارًا، أما هذه فتنتهي بسبب الصمت. والصمت مقبرة لا صوت لها. تمر سنوات ثم ترى صورته مصادفة، فتقف طويلًا أمام الشاشة، ليس لأنك تشتاق إلى الشخص الذي صار عليه الآن، بل لأنك تشتاق إلى الشخص الذي كانه يومًا. إلى الضحكات القديمة، إلى الطرقات التي مشيتما فيها، إلى الأحاديث التي كانت تمتد حتى منتصف الليل، إلى النسخة من نفسك التي كانت تظهر في حضوره.

ولهذا تكون الصدفة قاسية أحيانًا. أن تراه بعد عشرين عامًا في شارع مزدحم، أن تتبادلا ابتسامة مهذبة، أن تسأله عن أحواله كما تسأل أي غريب، أن تنتهي الدقائق القليلة وتفترقا من جديد، ثم تمشي وأنت تحمل شعورًا لا تستطيع تفسيره. كيف يمكن لشخص كان يعرف عدد دموعك أن يصبح شخصًا لا يعرف حتى أخبارك الأخيرة؟ كيف يمكن لوجه ارتبط بذكريات عمرك كله أن يتحول إلى وجه عابر في زحام المدينة؟

وهنا تكمن المأساة. فالموت يمنحنا على الأقل يقين الفقد، أما هذه الخسارة فتترك الباب مواربًا إلى الأبد. الصديق ما زال حيًا، رقمه ربما ما زال في هاتفك، صوره ما زالت موجودة، وقد تستطيع الوصول إليه خلال دقائق، ومع ذلك تعرف في أعماقك أن المسافة بينكما أصبحت أبعد من أن تقطعها الطرق.

لقد مات شيء ما، شيء لا اسم له، شيء كان يجمع قلبين في زمن مضى. ولهذا لا تُقام لهذه الصداقات جنازات. لا يقف أحد لتقديم العزاء، لا يبكيها الناس، لا تُكتب لها كلمات وداع، لكن أصحابها يعرفون الحقيقة جيدًا. يعرفون أن بعض الموتى ما زالوا يتنفسون، وأن بعض القبور تمشي على قدمين، وأن أشد ما يؤلم في الفقد ليس أن يرحل من نحب، بل أن يبقى حيًا في مكان ما من هذا العالم، بينما يستحيل علينا أن نعود إليه كما كان يومًا.

جنازة «آخر مرة»

من بين جميع الجنازات التي تمر في حياتنا، ربما تكون هذه أكثرها ظلمًا وأشدها قسوة. ذلك أن كل الجنازات الأخرى تمنحك فرصة واحدة على الأقل لتعرف أن الفقد قد وقع، وأن شيئًا ما انتهى. أما هذه الجنازة فلا تمنحك حتى حق الوداع؛ لأن الحياة لا تخبرنا أبدًا أننا نعيش اللحظة الأخيرة.

لا تقف أمامك وتقول: انتبه، هذه آخر مرة ستضحك فيها مع هذا الصديق. وهذه آخر مرة ستجلس فيها إلى جوار أمك دون أن يخطر ببالك أنها سترحل يومًا. وهذا هو العيد الأخير الذي ستجتمع فيه العائلة كاملة حول مائدة واحدة. وهذه هي المرة الأخيرة التي سيمسك فيها أبوك يدك قبل أن تصبح أكبر من أن تفعل ذلك. كل شيء يحدث بهدوء مخادع.

تعيش اللحظة كما عشت مئات اللحظات قبلها. تضحك. تتحدث. تؤجل بعض الكلمات إلى الغد. تعد نفسك بأن الوقت ما زال كثيرًا. ثم ينتهي اللقاء، ويغادر الجميع، ويمضي كل شيء بصورة عادية تمامًا. وبعد سنوات طويلة فقط، تكتشف أنك كنت واقفًا في قلب النهاية دون أن تعرف.

كم من مرة أغلقت باب بيت قديم ظنًا منك أنك ستعود إليه بعد أسابيع، ولم تعلم أنك كنت تراه للمرة الأخيرة؟ وكم من مرة عانقت شخصًا تحبه عناقًا عاديًا باردًا مستعجلًا؛ لأنك كنت واثقًا أنه سيبقى هناك دائمًا، ثم اكتشفت متأخرًا أن تلك كانت آخر فرصة لوضع كل الحب في ذراعيك؟

إن أكثر ما يكسر القلب ليس الموت نفسه، بل تلك الحقيقة المرعبة التي تقول إن أجمل الأشياء تغادر حياتنا متخفية في هيئة يوم عادي. يوم لا يحمل أي علامة استثنائية، يوم لا يستحق صورة تذكارية، ولا خطاب وداع، ولا دمعة مسبقة، ثم يتحول لاحقًا إلى أكثر أيام العمر إيلامًا.

هناك أشخاص لو عرفت أنهم سيرحلون بعد ساعات قليلة، لكنت قلت لهم أشياء مختلفة تمامًا، لكنت أخبرتهم كم أحببتهم، وكم غيّروا حياتك، وكم كنت ممتنًا لوجودهم. لكنك لم تفعل، ليس لأنك لم تكن تحبهم، بل لأنك كنت تعتقد أن الوقت ما زال أمامك.

ودائمًا يكون الوقت هو الكذبة الكبرى. نعيش أعمارنا كلها على افتراض أن هناك فرصة أخرى قادمة. مكالمة أخرى، زيارة أخرى، جلسة أخرى، عيد آخر، صيف آخر، ضحكة أخرى. ثم يمر العمر كله ونحن نكتشف أن كثيرًا من «المرات القادمة» لم تأتِ أبدًا.

ولعل بعض أشد أحزان الإنسان لا تتعلق بما قاله، بل بما لم يقله. الكلمات التي بقيت حبيسة الصدر حتى أصبح الطريق إلى أصحابها مستحيلًا. الاعتذارات التي تأخرت، عبارات الحب التي خجل منها، الامتنان الذي أجّله، والحنان الذي افترض أن لديه متسعًا من الوقت ليقدمه لاحقًا. ثم جاء «لاحقًا» خاليًا من أصحابه.

وكلما تقدم الإنسان في العمر، صار محاطًا بهذه النهايات الصامتة أكثر مما يتخيل. وحين يفكر في الأمر مليًا، يدرك أن حياته لم تُصنع من الأحداث الكبرى فقط، بل من تلك النهايات الصغيرة التي عبرت بهدوء ولم يلتفت إليها أحد. ولهذا تبدو الذاكرة أحيانًا كأنها مقبرة هائلة مكتوب على شواهدها عبارة واحدة تتكرر بلا نهاية: هنا كانت آخر مرة، هنا كانت آخر ضحكة، هنا كان آخر لقاء، هنا كان آخر عناق. هنا كان آخر يوم ظن صاحبه أن الحياة ما زالت تمنحه وقتًا كثيرًا. وما أشد قسوة أن يكتشف الإنسان متأخرًا أن أجمل لحظات عمره لم تكن تلك التي عرف قيمتها وهو يعيشها، بل تلك التي غادرت خلسة، ثم أمضى ما بقي من حياته كلها يشتاق إليها، ويتمنى لو عاد إليها دقيقة واحدة فقط... لا ليغير شيئًا، بل ليعرف أنها الأخيرة، فيحبها كما تستحق، ويودعها كما ينبغي، ويبكيها قبل أن تتحول إلى واحدة من أكثر الجنازات صمتًا في قلبه.

جنازة الشخص الذي كنتُه

وفي النهاية، وبعد كل الجنائز التي مرّت بنا، وبعد الأحلام التي ماتت، والبيوت التي فقدت أرواحها، والأصدقاء الذين ابتلعتهم السنوات، والحب الذي لم يكتمل، والآباء الذين أخذ العمر من أكتافهم القوة التي احتمينا بها طويلًا، يبقى ميت واحد لا نتحدث عنه أبدًا.

ميت يسكن داخلنا، ميت نحمله معنا إلى كل مكان، ميت ننظر إلى صوره أحيانًا فنشعر أنه كان شخصًا آخر، رغم أنه كان نحن. إنها جنازة الشخص الذي كنّا عليه، ليس الطفل فقط، ولا الشاب فقط، بل كل النسخ القديمة التي عاشت داخلنا ثم اختفت واحدة تلو الأخرى.

أحيانًا أجلس مع نفسي وأحاول أن أتذكر ذلك الإنسان الذي كنتُه قبل عشرين عامًا أو ثلاثين، فأشعر كأنني أحاول استعادة وجه غريق ابتلعته المياه منذ زمن بعيد. أتذكر طريقة تفكيري، والأشياء التي كانت تفرحني، والأحلام التي كنت أؤمن بها، والصدق الذي كنت أمنحه للناس دون خوف، ثم أنظر إلى المسافة الهائلة التي قطعتها السنوات بيني وبينه، فأشعر بوحشة لا تشبه أي وحشة أخرى.

لأن الحقيقة المؤلمة ليست أن العمر كبر فحسب، الحقيقة المؤلمة أن كثيرًا منا عاش طويلًا بما يكفي ليرى نفسه تموت أكثر من مرة. تموت النسخة التي كانت تؤمن أن العالم عادل، ثم تموت النسخة التي كانت تنتظر الحب، ثم تموت النسخة التي كانت تحلم، ثم تموت النسخة التي كانت تظن أنها قادرة على إصلاح كل شيء.

وكلما تقدم بنا العمر، صرنا أكثر امتلاءً بالموتى. ليس الموتى الذين دفناهم في التراب فقط، بل الموتى الذين دفناهم داخل صدورنا. الأشخاص الذين كنّاهم ذات يوم، الأحلام التي حملتنا ذات يوم، اليقين الذي كان يضيء أيامنا ذات يوم، الثقة التي كانت تجعلنا نفتح قلوبنا دون خوف، البراءة التي كانت تجعلنا نرى الخير في الجميع.

كل هؤلاء رحلوا، وكل هؤلاء تركوا قبورهم في أعماقنا. ولعل أكثر ما يكسر القلب أن الإنسان لا يدرك حجم خسارته إلا متأخرًا جدًا. يمر أمام مرآة ذات مساء، أو يعثر على صورة قديمة في درج منسي، أو يقرأ كلمات كتبها لنفسه في شبابه، ثم يتوقف فجأة. لا لأنه رأى وجهه القديم، بل لأنه رأى شخصًا كان يعرفه جيدًا واختفى.

شخصًا كان يضحك أكثر، ويثق أكثر، ويحب أكثر، ويحلم أكثر. شخصًا لم يكن يعرف كل هذا التعب الذي يعرفه الآن، فيحدق طويلًا في الصورة، ويشعر بشيء يشبه الفقد، لكنه أعمق من الفقد؛ لأنه لا يشتاق إلى شخص رحل عنه، بل يشتاق إلى نفسه. إلى روحه قبل أن تتعب، إلى قلبه قبل أن يثقل، إلى عينيه قبل أن تمتلئا بكل هذه الغيابات. وعندها يفهم أخيرًا لماذا كانت هذه الجنازة أكثر الجنائز ألمًا؛ لأنك في كل الجنازات السابقة كنت تودّع شخصًا، أو حلمًا، أو بيتًا، أو زمنًا.

أما هنا، فأنت تقف وحيدًا أمام قبرك القديم. تقف أمام كل النسخ التي عاشت داخلك ثم رحلت. وتدرك أن أكثر الغرباء بعد رحلة العمر الطويلة قد لا يكونون الناس الذين فقدتهم في الطريق، بل ذلك الإنسان الذي خرجت به إلى الحياة أول مرة، ولم تتمكن أبدًا من العودة إليه.

* أكاديمي وكاتب فلسطيني

اضف تعليق