الجشع فصيح أحياناً لكنه غبي. وغالباً ما نصدم حين نسمع عن قصص الفساد وكيف حدثت بهذا الشكل. السبب واضح وهو: إغراء لا يمكن مقاومته. وتبرير جاهز لتقبل المال الحرام، ولو كانت القناعة فعلاً صافياً لرفض الإنسان أية امتيازات يحصل عليها بسبب منصبه. سيفكر بمن حوله وسيفكر بالغد أيضاً. والأهم أنه سيسعد بحصول الآخرين على فرصهم وحاجاتهم الملحة...
في تقرير تلفزيوني عن عالم الطبيعة مصور بكاميرات عالية الدقة، كان الأسد وشبلاه الجميلان يتناولون وجبة طازجة بشهية كبيرة. الأسد الأب يمسح بلسانه أطراف فمه وهو ينظر إلى هذه الجهة أو تلك. الشبلان في غاية السعادة وهما يلتهمان قطعاً من لحم الغزال الذي لم أتذوقه حتى الآن. بعد دقائق نهض الأسد الأب متثاقلاً، وسار الثلاثة مبتعدين عن الغزال الذي هبطت بعض النسور لأكله. وعلى بعد أمتار كان قطيع الغزلان يأكل بهدوء دون أن يجفل من رؤية الأسد. هل فقد الأسد الرؤية بحيث لم يشاهد قطيع الغزلان فيتجه لصيد غزالة أخرى؟ هكذا فكرت وربما سيفكر غيري أيضاً أن على الأسد أن يصيد أكثر وأكثر ليضمن رزق الغد، عليه أن يخفي لحم اليوم الأبيض لليوم الأسود لكنه تجاهل كل شيء وابتعد حتى اختفى.
أحياناً أشاهد ببغاوات حديقة في أستراليا فأقول لو كنت هناك لأخذت أحدها إلى بيتي. هذا جشع. وقلت لصديق عن رغبتي فضحك وقال ما الفائدة من ذلك. الببغاء موجود في الحديقة وأنا أزوره من وقت لآخر لأستمتع بهذا المنظر الذي تراه في وسائل التواصل الاجتماعي. ويفسر صديقي رغبتي بأنها حرمان ولو أنني كنت هناك قريباً من هذه الببغاوات لتصرفت مثله ولن يخطر ببالي أخذ أحدها وامتلاكه. يبدو أن مشكلتنا كبشر تتعلق بالقناعة التي لم نعد نملكها. نريد الحصول على المزيد دائماً. تخزين ما يجعلنا أقوياء في الأيام المقبلة كي لا نهتز. ونكرر دائماً القول المشهور (القناعة كنز لا يفنى) ومع ذلك لا نتصرف بهدوء وإنما بخوف غير مبرر دائماً. لنعد إلى أسدنا الرائع وهو يقدم لنا محاضرة بلا كلمات عن مفهوم القناعة. اليقين الغريزي بأن الغد سيأتي بصيد جديد. لقد ابتعد عن غزاله دون أن يلتفت إليه ودون أن يفكر بأن هناك من سيأكله بعده وكأن الأسد يقول هنيئاً لمن أكل وسيأكل من صيدي. هل نحن أمام أسد اشتراكي التفكير؟. ما يمكن أن نتعلمه من قناعة الأسد هو: كيف نتصرف بلا قلق يشوش علينا حياتنا. ويبدو أن قناعتنا كبشر تقل كلما شغل الإنسان منصباً أعلى. لذا فهو يبحث عن امتيازاته وصفقاته والبقاء في منصبه أطول فترة ممكنة.
قناعة البشر غير مبرمجة وهي ليست فعلاً صافياً كالنوم مثلاً. من السهل أن يتحدث الإنسان عن رضاه بما يملك، لكن هذا الإنسان قد يسرق كل شيء إن وجد نفسه معرضاً لاختبار بين القناعة والجشع. إن التبرير أفضل أداة بيد غير القانعين. أحد النواب السابقين يتحدث علناً عن أخذه الرشوة لغلق ملفات لكنه لم يغلقها. ويقول في جملة تلفت الانتباه إن من لم يأخذ الرشوة إما جبان أو مكتفٍ بالحصول على الامتيازات.
الجشع فصيح أحياناً لكنه غبي. وغالباً ما نصدم حين نسمع عن قصص الفساد وكيف حدثت بهذا الشكل. السبب واضح وهو: إغراء لا يمكن مقاومته. وتبرير جاهز لتقبل المال الحرام، ولو كانت القناعة فعلاً صافياً لرفض الإنسان أية امتيازات يحصل عليها بسبب منصبه. سيفكر بمن حوله وسيفكر بالغد أيضاً. والأهم أنه سيسعد بحصول الآخرين على فرصهم وحاجاتهم الملحة.
هل نحن أمام أزمة أخلاقية تتعلق بغياب أساتذة حقيقيين في فن القناعة لو جاز القول؟ هل نحن بحاجة قوية لقناعة غير مشوشة؟ الآن بدأت أفهم معنى القول التقليدي فلان أسد. إن هذا التشبيه لا يعني فقط أن فلاناً قوي جداً بل يعني أيضاً أنه قنوع إلى درجة لا تصدق. فلان أسد تعني أنه أسكت صوت جشعه في داخله، وتنبع قوة القانعين من هذا الرفض الإنساني للمغريات والامتيازات الكبيرة. أتساءل هل لدينا أسود تمارس مثل هذا الرفض.



اضف تعليق