برنامج إنقاذ مالي عراقي خلال 100 يوم

من معالجة أزمة السيولة إلى بناء القدرة الاقتصادية للدولة

لا يجوز أن تنحصر خيارات القرار الاقتصادي بين اقتطاع الرواتب أو تخفيض قيمة الدينار العراقي؛ فالخياران يفضيان لنتيجة اجتماعية واحدة هي تقليص القوة الشرائية للمواطن. المسار الصحيح يبدأ بإصلاح نفقات الدولة قبل مطالبة الشعب بالتضحية، عبر برنامج إنقاذ مالي ممتد لـ 100 يوم؛ يؤمن السيولة العاجلة، ويكشف الأسماء الوهمية، ويضبط التحصيل الجمركي والضريبي، وصولاً إلى حماية محفظة الاستثمار المنتج...

لا يجوز أن تتحول الأزمة المالية التي تواجهها الدولة العراقية إلى مناسبة جديدة لتحميل المواطن كلفة الاختلالات المتراكمة في إدارة الاقتصاد والمالية العامة، ولا يجوز أن ينحصر تفكير القائمين على القرار الاقتصادي بين تخفيض رواتب الموظفين والمتقاعدين وتخفيض قيمة الدينار العراقي، لأن الخيارين، على اختلاف آلياتهما، يلتقيان عند نتيجة اجتماعية واحدة، هي تقليص القوة الشرائية للمواطن، سواء جرى ذلك بصورة مباشرة عن طريق تخفيض دخله النقدي، أم بصورة غير مباشرة عن طريق ارتفاع أسعار السلع والخدمات نتيجة انخفاض قيمة العملة الوطنية. 

وإذا كانت الحكومة تواجه بالفعل أزمة سيولة تهدد قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، فإن مسؤوليتها الأولى ليست البحث عن الطريقة التي تنقل بها الأزمة إلى المواطنين، وإنما البحث عن الوسائل التي تعالج بها أسباب الأزمة وتعبئ الموارد المالية المتاحة وتحسن إدارتها.

ومن منظور الفلسفة الحضارية، لا تمثل الأزمة المالية مجرد اختلال حسابي بين الإيرادات والنفقات، وإنما تكشف عن مستوى قدرة الدولة على إدارة موارد المركب الحضاري وتحويلها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة. فالدولة التي تمتلك الثروة النفطية والأرض الزراعية والموارد البشرية والموقع الجغرافي والإمكانات الصناعية والتجارية لا ينبغي أن تبقى قدرتها على دفع الرواتب مرهونة بالتقلبات الدورية في أسعار النفط، ولا أن تصبح السياسة النقدية وسيلة متكررة لتعويض أوجه القصور في السياسة المالية. ولهذا فإن المطلوب هو الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء القدرة، ومن البحث عن الأموال اللازمة لتغطية النفقات الآنية إلى إعادة تنظيم العلاقة بين موارد الدولة وإنفاقها وإنتاجها.

وانطلاقًا من هذا التشخيص، يمكن وضع برنامج إنقاذ مالي لمدة مئة يوم، لا يدعي معالجة جميع الاختلالات الهيكلية خلال هذه المدة القصيرة، وإنما يستهدف تأمين الالتزامات العاجلة، وتقليل الهدر، وتحسين الإيرادات، وإطلاق المسار المؤسسي الذي يفضي إلى اقتصاد أكثر إنتاجية واستقلالًا.

المرحلة الأولى: الأيام الثلاثون الأولى — تأمين السيولة وحماية الرواتب

تبدأ الحكومة بإعلان برنامج طوارئ مالية يتضمن تشكيل فريق تنفيذي مشترك من وزارة المالية والبنك المركزي ووزارة التخطيط وديوان الرقابة المالية والجهات المعنية بالإيرادات العامة، تكون مهمته إعداد صورة دقيقة عن الوضع النقدي للخزينة، تشمل الأموال المتاحة فعلًا، والإيرادات المتوقع تحصيلها خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، والالتزامات المستحقة للموظفين والمتقاعدين وشبكات الحماية الاجتماعية، ومستحقات المقاولين والدائنين، فضلًا عن تحديد الأموال الحكومية غير المستخدمة التي يمكن نقلها أو استعادتها وفق القانون. والغاية من هذه الخطوة إنهاء الإدارة المالية القائمة على ردود الأفعال، واستبدالها بإدارة تستند إلى المعلومات الدقيقة والتوقعات النقدية القابلة للمراجعة.

وبالتزامن مع ذلك، تشرع الحكومة بمراجعة عاجلة للنفقات العامة، لا بقصد إجراء تخفيضات عشوائية، وإنما للتمييز بين الإنفاق الضروري والإنفاق القابل للتأجيل والإنفاق الذي لا ينتج قيمة عامة تبرر استمراره. وتشمل هذه المراجعة المصروفات الإدارية الزائدة، والمشتريات غير العاجلة، والمخصصات غير المبررة، والعقود القابلة لإعادة التفاوض، والمشروعات التي لم تبدأ أو التي ثبت ضعف جدواها الاقتصادية، على أن تستثنى من إجراءات التأجيل الخدمات الأساسية والمشروعات المنتجة ذات الأولوية.

وفي هذه المرحلة يمكن لوزارة المالية، بالتنسيق مع البنك المركزي ووفق الحدود القانونية والاستقرار النقدي، دراسة إصدار أذونات خزينة قصيرة الأجل لتغطية الفجوات الزمنية بين الإيرادات والنفقات، شريطة أن تكون هذه الأداة وسيلة مؤقتة لإدارة السيولة وليست بابًا مفتوحًا لتراكم الدين العام، وأن تُدرس آثارها على قدرة المصارف على تمويل النشاط الاقتصادي الخاص. كما ينبغي تسريع تحصيل المستحقات الحكومية القائمة واسترداد الأرصدة غير المستخدمة متى كانت متاحة قانونيًا، بحيث تتكون حزمة تمويل عاجلة من موارد متعددة بدل الاعتماد على تخفيض قيمة الدينار.

المرحلة الثانية: من اليوم الحادي والثلاثين إلى اليوم الستين — استعادة الموارد وتقليل الهدر

تنتقل الحكومة في المرحلة الثانية إلى معالجة الخلل في إدارة الإيرادات العامة، وفي مقدمة ذلك إصلاح النظام الجمركي والضريبي، وتوحيد إجراءات التحصيل، وتوسيع الدفع الإلكتروني، ومكافحة التهرب والتسرب المالي، وربط المنافذ الحدودية بمنظومة رقابية موحدة تكشف الفوارق بين حركة الاستيراد والإيرادات المتحققة منها.

ولا ينبغي أن يكون هدف هذه الإصلاحات زيادة الضرائب على المواطنين أو الأنشطة الإنتاجية الصغيرة، وإنما تحصيل الحقوق المالية القائمة للدولة، ومنع ضياعها بسبب ضعف الإدارة أو الفساد أو تعدد الجهات المتدخلة.

وفي الوقت نفسه، ينبغي إخضاع العقود والمشتريات الحكومية لمراجعة مالية وفنية تستهدف اكتشاف الأسعار المبالغ فيها، والالتزامات غير الضرورية، وحالات تكرار الإنفاق بين المؤسسات، مع اعتماد مبدأ واضح مفاده أن كل دينار تنفقه الدولة يجب أن يقابله نفع عام قابل للتحديد والتقييم. وهنا يتجسد قانون تعظيم القيمة وتقليل الهدر بوصفه أداة عملية لإدارة المال العام، وليس مجرد مبدأ أخلاقي أو شعار إصلاحي.

ومن الضروري أيضًا إطلاق مراجعة مؤسسية لمنظومة الرواتب والمخصصات، لا تمس الحقوق القانونية للعاملين، وإنما تستهدف منع ازدواج المدفوعات غير المشروعة، وكشف الأسماء الوهمية، وتصحيح البيانات، وضبط الاستثناءات غير المبررة. فحماية رواتب الموظفين الحقيقيين لا تتعارض مع محاربة الهدر داخل منظومة الرواتب، بل إن نجاح الثانية يعزز القدرة على تحقيق الأولى.

المرحلة الثالثة: من اليوم الحادي والستين إلى اليوم المئة — حماية الاستثمار وإطلاق التحول الإنتاجي

لا يكفي أن تنجح الحكومة في دفع الرواتب خلال الأشهر المقبلة إذا كان النجاح سيتحقق على حساب تعطيل الاستثمار وإضعاف القدرة الإنتاجية للاقتصاد العراقي، لأن الدولة التي تمول نفقاتها التشغيلية عن طريق التضحية المستمرة بالإنفاق الاستثماري إنما تؤجل الأزمة وتوسع أسباب تكرارها. ولذلك يجب أن تتضمن المرحلة الثالثة مراجعة المحفظة الاستثمارية العامة، وتصنيف المشروعات بحسب جدواها الاقتصادية والاجتماعية، وأثرها في توفير فرص العمل وزيادة الإنتاج وتقليل الاستيراد، مع إعطاء الأولوية لمشروعات الكهرباء والغاز والمياه والنقل والزراعة والصناعة والبنية التحتية الداعمة للقطاع الخاص.

وفي هذا السياق، ينبغي إعداد برنامج وطني لتقليل الاستيراد القابل للاستبدال بالإنتاج المحلي، لا عن طريق المنع الإداري العشوائي أو الحماية التجارية غير المدروسة، وإنما من خلال توفير الكهرباء والطاقة والتمويل والبنية التحتية والمنافسة العادلة للمشروعات العراقية القادرة على الإنتاج. فكل زيادة حقيقية في الإنتاج المحلي، وكل تحسن في القدرة التصديرية غير النفطية، وكل انخفاض مستدام في كلفة إنتاج السلع والخدمات، يمثل خطوة في اتجاه تقليل اعتماد الاقتصاد على الدولار النفطي.

وعند نهاية المئة يوم، ينبغي أن تقدم الحكومة إلى مجلس النواب والرأي العام تقريرًا ماليًا واقتصاديًا يتضمن مقدار السيولة التي جرى توفيرها، والنفقات التي أُعيد ترتيبها، والإيرادات الإضافية المحصلة فعلًا، والديون الجديدة التي ترتبت على إجراءات التمويل، والمشروعات الاستثمارية التي جرت حمايتها، والالتزامات التي ما زالت تواجه مخاطر تمويلية. ولا يجوز إعلان نجاح البرنامج بمجرد انتظام دفع الرواتب إذا كان ذلك قد تحقق بتراكم التزامات غير قابلة للاستمرار أو بنقل الأزمة إلى مرحلة لاحقة.

من الدينار النفطي إلى الدينار الحضاري

إن القيمة الأعمق لهذا البرنامج لا تكمن في قدرته المحتملة على تجاوز أزمة السيولة الراهنة وحدها، وإنما في كونه خطوة أولى نحو تغيير الفلسفة التي تحكم إدارة الاقتصاد العراقي. فقد اعتادت الدولة أن تنظر إلى الدينار من خلال علاقته بالدولار الذي تحصل عليه من بيع النفط، بينما تقتضي الفلسفة الحضارية الانتقال التدريجي إلى مفهوم الدينار الحضاري، أي الدينار الذي يستند استقراره وقوته الشرائية، بصورة متزايدة، إلى إنتاجية الاقتصاد الوطني وتنوع مصادر دخله وكفاءة مؤسساته وقدرته على توليد القيمة المضافة.

ولا يعني هذا المفهوم الاستغناء عن النفط أو تجاهل أهمية احتياطيات النقد الأجنبي والسياسة النقدية، وإنما يعني توظيف الثروة النفطية في بناء قاعدة إنتاجية تجعل الاقتصاد العراقي أقل تعرضًا للصدمات الخارجية وأكثر قدرة على تمويل احتياجات الدولة والمجتمع من موارد متجددة ومستدامة. فالنفط ثروة طبيعية يمكن أن تنضب أو تتراجع إيراداتها، أما القدرة الحضارية المنتجة فهي ثروة قابلة للتراكم والتوسع كلما تحسنت المعرفة والمؤسسات والعمل والتكنولوجيا ومنظومة القيم الحافّة بالمركب الحضاري.

الخاتمة: الدولة مطالبة بإصلاح ماليتها قبل مطالبة المواطن بالتضحية

إن البرنامج المقترح لا يتضمن أرقامًا افتراضية عن الأموال التي يمكن توفيرها، لأن تحديد هذه الأرقام يتطلب الاطلاع على البيانات الفعلية للخزينة العامة والالتزامات المستحقة والإيرادات المتوقعة، لكنه يحدد مسارات عملية يمكن للحكومة أن تختبرها وتنفذ المناسب منها، وأن تعرض نتائجها بصورة شفافة على الشعب وممثليه.

ومن الخطأ تصوير تخفيض قيمة الدينار وكأنه الخيار الوحيد المتاح أمام الدولة، كما سيكون من الخطأ المقابل الادعاء بأن إجراءات تقليل الهدر وتحسين التحصيل تستطيع وحدها سد أي عجز مهما بلغ حجمه، فالحكم النهائي يتوقف على طبيعة الأزمة وحجمها ومدتها وقدرة الاقتصاد على تحمل أدوات التمويل المختلفة.

والقاعدة الحضارية التي ينبغي أن تحكم هذه المعالجة هي أن تبدأ الدولة بإصلاح إدارة مواردها ونفقاتها ومؤسساتها قبل أن تلجأ إلى إجراءات تقلص القوة الشرائية للمواطنين، وأن توازن بين حماية الالتزامات الاجتماعية العاجلة والمحافظة على الاستقرار النقدي واستمرار الاستثمار المنتج.

إن العراق لا يحتاج إلى مجرد وسيلة جديدة للحصول على الدنانير اللازمة لدفع الرواتب، وإنما يحتاج إلى عقل اقتصادي قادر على تحويل الثروة إلى إنتاج، والإنتاج إلى دخل، والدخل إلى إيرادات عامة مستدامة، والإيرادات إلى خدمات وفرص عمل ورفاه اجتماعي. وهذا هو الطريق الذي يربط معالجة الأزمة المالية الراهنة بالمشروع الأكبر لبناء الدولة الحضارية الحديثة، ويحول الدينار العراقي، بالتدريج، من دينار يعتمد أساسًا على النفط والدولار إلى دينار يستند إلى قدرة العراق الحضارية المنتجة.

اضف تعليق