الجغرافيا تتداخل بقوة مع السياسة في الصراع حول الممرات المائية؛ إذ أثبت الارتباط المباشر بين مضيق هرمز وباب المندب أن من يتحكم بهذه المضايق الحاكمة يمتلك القدرة على توجيه سوق الطاقة والتجارة العالمية. لقد نجحت الجغرافيا في فرض واقع كشف حدود القوة العسكرية الأمريكية؛ حيث باتت واشنطن تتكبد فواتير الاستنزاف المالي والتضخم الداخلي...
الجغرافيا تتداخل بقوة مع السياسة وهذا ما نلمسه بوضوح في الصراع حول الممرات المائية والترابط الكبير بين هرمز وباب المندب، هنا الجغرافيا تقول كلمتها وتحدد طبيعة الصراع الذي لا يشمل دول المنطقة فقط بل يتجاوز ذلك للعديد من دول العالم بما فيها أميركا التي تعاني من ارتفاع أسعار الوقود، ما دفع ترامب لطلب تعزيزات من موسكو لتفادي نقص المخزون في العديد من دول العالم وفي مقدمتها أميركا نفسها.
وهنا يبرز السؤال المهم جداً وهو من يتحكم بسوق الطاقة العالمي؟ الجواب: من يمتلك القدرة على السيطرة على الممرات التي تعبر منها ثلث الطاقة المطلوبة عالمياً. وبالتالي نجد أن أهداف الحرب الأميركية على إيران لم يتحقق منها أي هدف بقدر ما إنها أوجدت فواتير جديدة تتكبدها واشنطن ومن يقف معها من جهة، والعديد من دول العالم من جهة أخرى، حتى باتت أقصى الأهداف الآن هي فتح مضيق هرمز أمام ناقلات النفط والغاز.
لهذا نجد أن إيران نجحت في استثمار موقعها على ضفة مضيق هرمز في فرض الأمر الواقع والرد على الحصار الأميركي، ومن الجهة الثانية كان لأنصار الله الحوثيين موقفهم أيضاً في جهة باب المندب الذي يعد امتداداً لقناة السويس وبالتالي أصبحت التجارة البحرية شبه مشلولة، وهذا ما يثبت إن من يمتلك الموقع الجغرافي هو القادر على تغيير المعادلة لصالحِه.
وبدأت تأثيرات ذلك واضحة على العديد من الدول المستوردة للنفط عبر تقليص مخزونها من النفط الخام، ما يؤثر في الحركة الاقتصادية لها وهذا ما دفع كما أشرنا الرئيس الأميركي للاستنجاد بموسكو والطلب من الحلفاء الأوروبيين التعاون في هذا الجانب، وهو بحد ذاته تنازل أميركي عن العقوبات المفروضة على موسكو بعد حرب أوكرانيا، وهذا ما يجعلنا ندرك حجم المأزق الكبير لإدارة ترامب.
وهذا ما يقودنا للقول إن الحلول العسكرية لا تحقق النتائج المطلوبة في صراع يمتلك كل طرف فيه عناصر قوة تميل الكفة له، فأسلحة أميركا لم تكن قادرة على حسم الحرب وفق ما أراده ترامب، بل كشفت هذه الحرب أنها تستنزف أميركا مالياً من جهة، ومن جهة ثانية تجعل حلفاءها يدركون حجم الخسائر التي تكبدوها جراء أزمة الطاقة العالمية، والتأثير الأكبر على واشنطن أو الحزب الجمهوري تحديداً إن الناخب الأميركي الذي يستعد بعد أقل من شهر للتصويت في الانتخابات النصفية يجد تأثير ذلك بوضوح وهو يقف في محطات تعبئة الوقود ويقرأ الأسعار التي ترتفع يوماً بعد آخر ما ينعكس ذلك على قراره في التصويت خاصة وإنه يشعر بأن هذه الحرب التي بدأت منذ 28 شباط الماضي باتت طويلة ومكلفة رغم الوعود الكثيرة التي أطلقها ترامب في حسمها، وهذا الشعور الشعبي داخل الولايات المتحدة الأميركية سيكون مؤثراً في نتائج الانتخابات النصفية.



اضف تعليق