يناقش المقال التحول في موقف دونالد ترامب من معاقبة مشتري الطاقة الروسية إلى طلب الوقود من موسكو، رابطًا ذلك بتداعيات اضطراب مضيق هرمز وارتفاع أسعار الوقود قبيل الانتخابات النصفية. ويرى أن روسيا استفادت اقتصاديًا وسياسيًا من هذا التحول، فيما واجهت أوكرانيا وأوروبا ضغوطًا متزايدة، وأصبحت حسابات الطاقة والانتخابات مؤثرة...
في أيلول الماضي، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قانونًا يمنحه صلاحية معاقبة كبار مشتري الطاقة الروسية برسوم جمركية تصل إلى مئة في المئة، ثم لم تمضِ ثلاثة أسابيع حتى رفع سماعة الهاتف في التاسع من تشرين الأول ليطلب من فلاديمير بوتين أن يبيعه الديزل، مترجّلًا عن عرش المعاقِب ليصطفّ في طابور الزبائن، ومعلّقًا العقوبات التي فرضتها خزانته على قطاع الطاقة الروسي.
ومن يعرف ترامب يدرك أنه لا يبدّل مواقفه بهذه السرعة إلا حين يشعر بأن الأرض تهتز تحت قدميه، والأرض هذه المرة تهتز من جهة الخليج، وتهتز معها ثقة الناخب الأمريكي الذي يستعد للانتخابات النصفية.
لم تهتز ثقة الناخب من فراغ، فمنذ اشتعلت المواجهة مع إيران تحوّل مضيق هرمز من ممرّ تعبره ناقلات النفط إلى ساحة قتال تتجنبها أو تحاول عبورها بحذر وتخفٍّ شديدين، بعدما سجّلت المنظمة البحرية الدولية ما لا يقل عن 93 حادثة مؤكدة استهدفت السفن، وقُتل فيها 24 بحارًا.
لذلك لا غرابة أن يتراجع العبور في أواخر أيلول إلى ناقلة واحدة في اليوم، بعد أن اعتاد المضيق في أيامه الطبيعية على خمس وثمانين، ولا يحتاج المرء إلى خبرة اقتصادية رفيعة ليعرف أين ستظهر نتيجة هذه الأرقام، إذ ظهرت سريعًا عند مضخة الوقود الأمريكية، حيث قفز غالون الديزل إلى 6.28 دولار بعد أن وقف قبل عام عند حدود 3.68 دولار، ولحق به البنزين متخطيًا أربعة دولارات وأربعين سنتًا.
لو حدث هذا في ظرف عادي لاحتمله البيت الأبيض على مضض، لكنه يحدث وموعد الاقتراع في الثالث من تشرين الثاني يطرق الأبواب، والأمريكي الذي يدفع أكثر بكثير مما دفعه العام الماضي ليملأ خزان سيارته لا يسأل عن مضيق هرمز ولا عن البرنامج النووي الإيراني، بل يسأل عمّن أوصله إلى هذه الحال.
وقد جاء الجواب في استطلاع لشبكة فوكس نيوز منتصف أيلول، عدّ فيه 61% من الناخبين أسعار الوقود مشكلة كبرى، وهبط فيه تأييد ترامب في ملف التضخم إلى 24%، في وقت يدافع فيه حزبه عن أغلبية ضيقة لا تحتمل خسارة مقاعد كثيرة في مجلسَي النواب والشيوخ.
هذا الضيق هو ما التقطه بوتين بحسّ رجل الاستخبارات الذي لم يفارقه، فهو يعرف أن ترامب يريد أسعارًا منخفضة قبل الاقتراع، ويعرف في الوقت ذاته أن مصلحة روسيا في أسعار مرتفعة تملأ خزائنها، ولذلك لن يُغرق الأسواق بالوقود.
ويكفي أن نقرأ الجدول الذي أعلنه ترامب نفسه «بفخر» لندرك ذلك، ففيه ثلاثمئة ألف طن الآن، وخمسمئة ألف في تشرين الثاني، ومليون في كانون الأول، وثلاثة ملايين أخرى معلّقة على حالة مصافٍ أنهكتها المسيّرات الأوكرانية، وهي كميات لا تكفي مجتمعةً تجارة الديزل البحرية في العالم ثمانية أيام، فضلًا عن أن موسكو تُبقي حظر التصدير على منتجيها قائمًا حتى نهاية الشهر.
وبهذا حصل بوتين على رفع العقوبات دفعة واحدة، بينما سيسلّم الوقود بالتقسيط، ويبقى الصنبور في يده يفتحه ويغلقه بقدر ما تلين واشنطن.
لكن الكرملين لم يكتفِ بأن يقبض ثمن الديزل نقدًا، بل أراد ثمنه سياسةً أيضًا، وفي المكان الذي يهمّه أكثر من أي سوق نفطية، فبعد يوم واحد من الاتصال دعا ترامب الأوكرانيين إلى استبدال رئيسهم، متهمًا زيلينسكي بإضاعة فرص السلام، ثم أعلن في اليوم التالي على منصته «وقفًا لإطلاق النار في قطاع الطاقة» بين موسكو وكييف يسري فورًا، فيما قال زيلينسكي إن الإعلان «خبر جديد» بالنسبة إليه.
وهكذا علم رئيس دولة في حالة حرب بمصير محطات الكهرباء في بلاده من تدوينة كتبها حليفه، بعد مكالمة جمعت الحليف بالعدو!
لم يخطئ زيلينسكي حين رأى في تخفيف العقوبات على موسكو علامة ضعف، وحذّر من أن روسيا ستردّ الجميل بمزيد من القصف، لأن الرسالة التي فهمها الأوكرانيون، ومعهم الأوروبيون، أن حاجة واشنطن إلى الوقود أصبحت أثقل في ميزانها من التزامها تجاه كييف.
وأوروبا بالذات تجد نفسها اليوم في موقف بائس، إذ تقبل على شتاء بممرّ مائي مشلول وحاجة متزايدة إلى الوقود، وترى في الوقت نفسه مستقبل أوكرانيا يُرسم بين واشنطن وموسكو من غير أن يُسأل أهل القارة عن رأيهم.
ومن يطرق باب الكرملين طلبًا للديزل، ويلوي ذراع حليفه الأوكراني لتهدئة جبهة الطاقة غير عابئ بحليفه الأوروبي، وتطارده الاستطلاعات قبل الاقتراع بأسابيع، يصعب أن نصدّق تهديداته المتكررة لطهران، لأن أي توسيع للحرب على إيران أو ضربة كبرى جديدة في الخليج ستضيف دولارًا آخر إلى سعر الغالون، وستكون هدية مجانية يقدّمها ترامب لخصومه الديمقراطيين عشية الانتخابات.
بل إن الرجل نفسه قال إن الحرب مع إيران ستنتهي بعد الانتخابات النصفية، وهو اعتراف صريح بأن قراره العسكري صار مربوطًا بتقويم الحملة الانتخابية، ما يجعل تهديداته موجّهة إلى الناخب الأمريكي الذي يريد أن يرى رئيسه قويًا، أكثر مما هي موجّهة إلى طهران.
خلاصة المشهد أن الحرب التي أرادتها واشنطن وسيلة لإخضاع إيران تحوّلت إلى فرصة ذهبية لموسكو، فبوتين يقبض ثمن الديزل مرتين، مرة نقدًا في أسواق متعطشة للوقود، ومرة سياسةً في أوكرانيا التي يضغط ترامب على رئيسها ليقبل بما يريده الكرملين، فيما يدفع الأوكرانيون والأوروبيون الثمن من أمنهم، ويدفعه المواطن الأمريكي من جيبه عند كل مضخة وقود.
أما ترامب، الذي هدّد مشتري النفط الروسي بأقسى الرسوم قبل أسابيع، فقد صار يرجو تدفّق هذا النفط إلى الأسواق، بعدما قيّدته الأسعار والاستطلاعات حتى عن تنفيذ تهديداته لطهران، فلا هو قادر على التصعيد في الخليج قبل الثالث من تشرين الثاني، ولا قادر على إقناع الناخب بأن حربه حققت ما وعد به.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأسابيع المقبلة معلّقًا: هل يعود ترامب إلى لغة التهديد بعد أن تُغلق صناديق الاقتراع، أم أن المأزق الذي صنعه هرمز أكبر من أن تحلّه نتيجة انتخابات؟



اضف تعليق