الدينار الحضاري ليس ابتكار اسم جديد للعملة، بل مفهوم يفسر مصدر القوة الحقيقية لها. القوة لا تُقاس ابتداءً بعدد الدنانير المقابلة للدولار برقم إداري مجرد، بل بمقدار ما ينتجه المجتمع من قيمة وثروة وتراكم معرفي. التحول المطلوب يستدعي تغيير وظيفة النفط والدولار: بدلاً من استهلاكهما لإدامة الاستيراد والرواتب، يُصرفان كرأسمال لبناء البنية التحتية والإنتاج...
ليس المقصود بمصطلح «الدينار الحضاري» ابتكار اسم جديد للدينار العراقي، ولا اقتراح نوع آخر من العملة، وإنما بناء مفهوم يساعد على تفسير مصدر القوة الحقيقية للعملة الوطنية. فالسؤال الذي ينبغي أن يسبق السؤال عن سعر صرف الدينار هو: من أين يستمد الدينار قيمته وقوته؟ هل يستمدهما أساساً من تدفق الدولارات المتأتية من بيع النفط، أم من قدرة المجتمع والاقتصاد والدولة على إنتاج القيمة والثروة؟ من هذا السؤال يمكن التمييز بين نموذجين: الدينار النفطي/الدولاري، والدينار الحضاري.
الدينار العراقي في بنيته الاقتصادية الراهنة يمكن وصفه، بدرجة كبيرة، بأنه دينار نفطي/دولاري. فالدولة تصدر النفط وتحصل مقابله على الدولار، ثم تدخل الإيرادات النفطية في المنظومة المالية والنقدية، ومنها تتولد قدرة الحكومة على الإنفاق بالدينار وتتوافر العملة الأجنبية اللازمة لتمويل الاستيراد. وبذلك تقوم علاقة عميقة بين النفط والدولار والدينار: النفط يولد الدولار، والدولار يسند قدرة الدولة المالية والخارجية، والدينار يتحرك داخل اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على هذه الدورة.
ولا تعني تسمية «الدينار الدولاري» أن الدينار مربوط بالدولار ربطاً قانونياً مطلقاً، وإنما تصف حالة اعتماد بنيوي: فالاقتصاد يحتاج إلى تدفق الدولار النفطي لكي يحافظ على قدرته على تمويل الواردات وعلى الاستقرار النقدي والمالي. ولذلك يصبح سعر النفط، وحجم الصادرات النفطية، وتدفق الإيرادات الدولارية، وآليات الوصول إلى الدولار، عوامل شديدة التأثير في سلامة المنظومة الاقتصادية كلها.
المشكلة إذن ليست في وجود النفط ولا في الحصول على الدولار. النفط ثروة هائلة، والدولار أداة رئيسية في النظام المالي والتجاري العالمي. المشكلة تبدأ عندما تتحول العلاقة من استخدام النفط والدولار في بناء الاقتصاد إلى اعتماد الاقتصاد عليهما في استمرار حياته اليومية. عندئذ يصبح النفط مصدراً لإدامة الدولة أكثر مما يكون رأسمالاً لبناء قدرتها الإنتاجية، ويصبح الدولار شرياناً للاستهلاك والاستيراد أكثر مما يكون مورداً لتمويل التحول الاقتصادي.
ومن هنا أقترح مفهوم «الدينار الحضاري». الدينار الحضاري هو العملة الوطنية التي تستمد قوتها بصورة متزايدة من القدرة الإنتاجية للمركب الحضاري للمجتمع، ومن قدرته على إنتاج القيمة والثروة وتراكمهما، وليس بصورة أساسية من تحويل مورد طبيعي واحد إلى عملة أجنبية ثم تحويل هذه العملة إلى قدرة إنفاق محلية.
وبهذا التعريف يرتبط مفهوم الدينار الحضاري مباشرة بمفهوم المركب الحضاري. فهذا المركب يتكون من الإنسان والأرض والزمن والعلم والعمل في إطار منظومة القيم العليا الحاكمة، ولا تنتج الثروة بمجرد امتلاك هذه العناصر، وإنما بكفاءة تركيبها ونظام العلاقات الذي يصل بينها. فالأرض التي لا تستثمر لا تنتج قيمة كافية، والعلم المنفصل عن الاقتصاد لا يتحول إلى قدرة إنتاجية، والإنسان المعطل أو منخفض الإنتاجية لا يضيف ما يستطيع إضافته، والزمن المهدور خسارة اقتصادية وحضارية، والعمل الذي لا يستفيد من المعرفة والتكنولوجيا يبقى محدود العائد.
ولهذا لا يقاس الدينار الحضاري ابتداءً بعدد الدنانير التي يساويها الدولار. فقد يكون سعر الصرف مستقراً بينما الاقتصاد ريعي وضعيف الإنتاج، كما يمكن أن تتعرض عملة اقتصاد منتج لتقلبات مرحلية. الدينار الحضاري مفهوم أعمق من سعر الصرف؛ إنه وصف للقاعدة الحضارية التي تقف وراء العملة.
وعليه فإن الانتقال من الدينار النفطي/الدولاري إلى الدينار الحضاري لا يعني التخلص من النفط أو الدولار، فذلك تصور غير واقعي ولا مطلوب. المقصود هو تغيير وظيفتهما. بدلاً من أن يكون النفط المصدر الذي يعيش منه الاقتصاد، يصبح رأسمالاً لتمويل بناء اقتصاد يستطيع أن يعيش بعده ومعه؛ وبدلاً من أن يكون الدولار أداة رئيسية لتمويل الاستهلاك والاستيراد، يتحول جزء متزايد منه إلى أداة لتمويل الآلات والتكنولوجيا والمعرفة والبنية التحتية والقدرات التي تنتج قيمة جديدة.
هنا يحدث التحول الجوهري: من تحويل النفط إلى رواتب واستهلاك، إلى تحويل النفط إلى قدرة إنتاجية متراكمة.
وهذا يعني أن برميل النفط لا ينبغي تقييمه فقط بما يدره من دولارات في سنة بيعه، وإنما بما يستطيع أن ينشئه من قدرة على إنتاج الثروة لعشرات السنين. فإذا استُخدمت عائداته في الكهرباء والصناعة والزراعة الحديثة والمياه والنقل والموانئ والسكك والتعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، فإن المورد الناضب يكون قد تحول إلى رأسمال حضاري متجدد. أما إذا استُهلكت عائداته بصورة شبه كاملة، فإن الثروة الطبيعية تكون قد تحولت إلى استهلاك وانتهت معه.
ومن هنا أيضاً تتغير فلسفة الدفاع عن الدينار. فالدفاع التقليدي يركز على الاحتياطيات والسياسة النقدية وإدارة عرض العملة الأجنبية والفائدة والانضباط المالي، وهي أدوات ضرورية ولا يمكن الاستغناء عنها. لكن الدفاع الحضاري عن الدينار يضيف طبقة أعمق: زيادة ما ينتجه العراق من قيمة. فكلما زاد الإنتاج المحلي، وتنوعت الصادرات، وارتفعت إنتاجية العمل، وتطورت التكنولوجيا، وتحسنت كفاءة المؤسسات، واتسعت القاعدة الضريبية الناتجة عن نشاط اقتصادي حقيقي، أصبحت الدولة أقل اعتماداً على المصدر النفطي الواحد، وأصبحت القاعدة التي تقف عليها العملة أكثر تنوعاً وصلابة.
وبهذا المعنى لا تكون قوة الدينار الحضاري قوة نقدية فقط، وإنما تكون محصلة قوة الإنسان المنتج، والعلم الفاعل، والعمل الكفوء، والأرض المستثمرة، والزمن المستغل، والمؤسسة القادرة، ونظام العلاقات الذي يجمع هذه العناصر في عملية متواصلة لإنتاج القيمة.
ويمكن لذلك أن يقود مستقبلاً إلى بناء «مؤشر الدينار الحضاري»، لا يقيس سعر الصرف وحده، وإنما يقيس نسبة الإيرادات غير النفطية، وحصة القطاعات غير النفطية المنتجة، وحجم الصادرات غير النفطية، وإنتاجية العامل، ونسبة السلع والخدمات المنتجة محلياً، ومستوى الاستثمار المنتج، وكفاءة المؤسسات، ومقدار توظيف العلم والتكنولوجيا في الاقتصاد. وكلما تحسنت هذه المؤشرات، اقترب الدينار العراقي من نموذج الدينار الحضاري، حتى لو لم يتغير سعر صرفه في اليوم التالي.
والتمييز بين الدينار النفطي/الدولاري والدينار الحضاري يمنع خطأ آخر شائعاً، هو الاعتقاد بأن تقوية الدينار تعني بالضرورة رفع سعره إدارياً أمام الدولار. فقد تقرر الدولة سعراً أعلى لعملتها من دون أن تكون القاعدة الاقتصادية قد أصبحت أكثر إنتاجية، وعندئذ نكون قد غيرنا الرقم ولم نغير الحقيقة. أما في التصور الحضاري فالمسار يسير في الاتجاه المعاكس: نبني القوة الاقتصادية أولاً، فتكتسب العملة سنداً حقيقياً يسمح لها بالقوة والاستقرار.
ولهذا فإن السؤال الحضاري عن الدينار ليس: كم يساوي الدولار بالدينار؟ وإنما: ما مقدار القيمة التي يستطيع المجتمع العراقي إنتاجها بديناره؟
وهنا تظهر المسافة بين النموذجين. الدينار النفطي ينتظر برميل النفط لكي يحصل على قوته من الخارج؛ أما الدينار الحضاري فيستند بصورة متزايدة إلى الإنسان العراقي وهو ينتج القيمة في الداخل. والدينار الدولاري يحتاج إلى تدفق العملة الأجنبية لكي تستمر دورة الاقتصاد؛ أما الدينار الحضاري فيستخدم العملة الأجنبية لبناء قدرة تقلل تدريجياً من الارتهان لها. والدينار النفطي يعكس ثروة موجودة تحت الأرض؛ أما الدينار الحضاري فيعكس قبل كل شيء قدرة حضارية تعمل فوق الأرض.
لا ينبغي للعراق، إذن، أن يحلم بعراق بلا نفط، وإنما بعراق لا يكون النفط فيه شرطاً وحيداً لاستمرار الدولة والاقتصاد. ولا ينبغي أن يكون الهدف التخلص من الدولار، وإنما بناء اقتصاد لا تتوقف سلامته كلها على تدفق الدولار النفطي.
وعندئذ يمكن تلخيص التحول المطلوب بمعادلة واحدة:
النفط يمول بناء القدرة، والقدرة تنتج القيمة، والقيمة تنتج الثروة، والثروة تسند الدينار.
هذه هي، في تقديري، النقلة من الدينار النفطي/الدولاري إلى الدينار الحضاري؛ وهي ليست مشروعاً نقدياً للبنك المركزي وحده، بل مشروع تحول للدولة والاقتصاد والمجتمع. لأن العملة، في نهاية المطاف، ليست مجرد ورقة نتداولها، وإنما تعبير مكثف عن مقدار الثقة والقيمة والقدرة الإنتاجية التي استطاع مجتمع كامل أن يبنيها وراء تلك الورقة.



اضف تعليق