حين يمر العالم عبر العراق.. من التجارة إلى اقتصاد البيانات

العراق على أعتاب عصر النهضة حين تلتقي طرق التجارة بممرات البيانات

يتحرك العراق نحو إعادة توظيف موقعه بين آسيا وأوروبا عبر ميناء الفاو وطريق التنمية والسكك الحديدية وممرات نقل البيانات الدولية. هذه المشاريع تمنحه فرصة للتحول من اقتصاد نفطي إلى مركز للتجارة والخدمات الرقمية، لكن النهضة الحقيقية ستبقى مرتبطة بقدرته على تحويل العبور إلى صناعة واستثمار وتكنولوجيا وفرص عمل...

لسنوات طويلة ظل العراق يُقرأ اقتصادياً من زاوية النفط، حتى بدا وكأن ما يملكه تحت الأرض أهم بكثير مما يمنحه موقعه فوقها، لكن سلسلة المشاريع التي يجري تنفيذها أو التخطيط لها خلال السنوات الأخيرة تعيد طرح الجغرافيا العراقية باعتبارها مورداً اقتصادياً يمكن أن يكون موازياً للثروة النفطية. فميناء الفاو وطريق التنمية وتحديث شبكة السكك الحديدية لم تعد مشاريع منفصلة، ومع دخول العراق إلى خريطة نقل البيانات بين شرق آسيا وأوروبا تظهر ملامح تصور أوسع يسعى إلى تحويل البلاد إلى عقدة اتصال بين الشرق والغرب.

لا يعني ذلك أن العراق دخل بالفعل عصر النهضة الاقتصادية، لأن المسافة بين بناء البنية التحتية وتغيير بنية الاقتصاد ما تزال كبيرة، إلا أن تزامن مشاريع النقل والتجارة والاتصالات الرقمية يفتح نافذة لم تكن متاحة بهذا الحجم منذ عقود، ويمنح البلاد فرصة لإعادة تحديد موقعها في الاقتصاد الإقليمي والدولي بعيداً عن دورها التقليدي بوصفها مصدراً للطاقة وسوقاً كبيرة للاستيراد.

حين تصبح الجغرافيا مورداً اقتصادياً

الموقع الذي يحتله العراق بين الخليج وتركيا وإيران وبلاد الشام جعله تاريخياً جزءاً من طرق التجارة التي تصل آسيا بالبحر المتوسط وأوروبا، لكن الحروب والعقوبات وضعف البنية التحتية أفقدته جانباً كبيراً من هذه الوظيفة خلال العقود الماضية، بينما تقدمت موانئ وممرات إقليمية أخرى لتملأ الفراغ.

ما يحدث الآن يقوم على محاولة استعادة هذه الوظيفة بطريقة تتناسب مع الاقتصاد الحديث، فلم تعد حركة التجارة تعتمد على القوافل أو الطرق البرية التقليدية، وإنما على الموانئ العميقة والسكك الحديدية والطرق السريعة والخدمات اللوجستية والألياف الضوئية وشبكات نقل البيانات. لذلك لا ينظر إلى طريق التنمية باعتباره مجرد مشروع لنقل الحاويات، بل كجزء من محاولة لتحويل موقع العراق نفسه إلى أصل اقتصادي قادر على تحقيق إيرادات وخلق فرص عمل وجذب استثمارات جديدة.

وهذا التحول يحمل أهمية إضافية لاقتصاد يعتمد بصورة شديدة على النفط، لأن أي تراجع طويل في الأسعار أو الطلب العالمي ينعكس مباشرة على قدرة الدولة على تمويل الإنفاق العام، فيما يمكن لقطاعات النقل والتجارة والخدمات والاتصالات أن توفر تدريجياً مصادر دخل أكثر تنوعاً إذا تحولت المشاريع الحالية إلى منظومة اقتصادية مترابطة.

طريق التنمية.. استعادة طريق الشرق والغرب

يمثل طريق التنمية أبرز ملامح هذا التوجه، إذ يقوم المشروع على ربط ميناء الفاو في جنوب العراق بتركيا عبر شبكة واسعة من السكك الحديدية والطرق، بما يسمح بنقل البضائع القادمة من الخليج وآسيا باتجاه الأسواق الأوروبية عبر مسار بري جديد.

أهمية المشروع لا تكمن في الطريق نفسه بقدر ما تكمن في موقعه داخل المنافسة الدولية المتصاعدة على الممرات التجارية، حيث تعمل قوى إقليمية ودولية على إعادة رسم طرق التجارة بين آسيا وأوروبا من خلال ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا، ومبادرة الحزام والطريق الصينية، إلى جانب الموانئ والمشاريع الخليجية وشبكات النقل التركية.

دخول تركيا وقطر والإمارات في ترتيبات التعاون المتعلقة بطريق التنمية منح المشروع بعداً إقليمياً أكبر، لأن نجاح الممر يحتاج إلى شبكة مصالح تتجاوز الحدود العراقية، فيما يقدر البنك الدولي أن تطوير الربط التجاري والسككي يمكن أن يرفع حركة الشحن ويولد مكاسب اقتصادية ووظيفية إذا اكتملت حلقات المشروع وتحولت الخطط إلى بنية تشغيلية قادرة على المنافسة.

لكن العراق لن يحقق الفائدة الكبرى إذا اقتصر المشروع على مرور الحاويات من الفاو إلى تركيا، لأن إيرادات الترانزيت وحدها لن تغير طبيعة الاقتصاد. القيمة الحقيقية ستظهر عندما تنشأ على امتداد الطريق مناطق صناعية ومخازن ومراكز لوجستية وموانئ جافة وشركات نقل وتأمين وخدمات مالية، بحيث تبقى نسبة أكبر من القيمة الاقتصادية للبضائع داخل البلاد.

الفاو.. أكثر من ميناء

ميناء الفاو الكبير يمثل نقطة البداية الطبيعية لهذا التصور، فموقعه على الخليج يمنح العراق فرصة لربط حركة النقل البحري بالسكك والطرق البرية المتجهة نحو الشمال، إلا أن أهمية الفاو يمكن أن تتجاوز النشاط التجاري التقليدي إذا تزامن تطور الميناء مع مشاريع الطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية والاتصالات.

في هذه الحالة قد يتحول جنوب العراق إلى منطقة استقبال للحركة القادمة من آسيا والخليج، قبل توزيعها على بقية الأراضي العراقية ثم تركيا وأوروبا. غير أن التطور اللافت هو أن البضائع لم تعد وحدها ما يمكن أن يدخل من هذه البوابة، إذ بدأت الفاو تظهر أيضاً ضمن مسار مختلف تماماً يتعلق بحركة المعلومات والبيانات الدولية.

العراق يدخل طريق البيانات العالمي

الإعلان عن التعاون مع شركة أوريدو القطرية لنقل البيانات عبر الأراضي العراقية أضاف بعداً جديداً إلى مشاريع الربط الإقليمي، لأن الشركة تتحدث عن العراق باعتباره ممراً يمكن أن يصل شرق آسيا بأوروبا عبر مسار يمر بالخليج ثم الفاو والأراضي العراقية وصولاً إلى الغرب.

هذا المشروع يغير طريقة قراءة موقع العراق؛ فطريق التنمية يريد نقل السلع بين الشرق والغرب، بينما تريد شبكات الألياف الضوئية نقل البيانات في الاتجاه الجغرافي نفسه. وفي الحالتين تبرز قيمة اختصار المسافة والمرور عبر العراق، إلا أن اقتصاد البيانات يختلف عن التجارة التقليدية من حيث سرعة النمو وحجم الطلب المتوقع خلال العقود المقبلة.

مع التوسع الكبير في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والخدمات الرقمية، أصبحت حركة البيانات عنصراً من عناصر القوة الاقتصادية، ولم تعد الكابلات البحرية والأرضية مجرد بنية تقنية لخدمة الإنترنت، بل أصبحت جزءاً من البنية الأساسية للاقتصاد العالمي، تماماً كما تمثل الموانئ والسكك الحديدية البنية الأساسية لحركة السلع.

من هنا يكتسب التصريح بأن العراق يمكن أن يصبح ممراً عالمياً لنقل البيانات بين الشرق والغرب أهمية تتجاوز قطاع الاتصالات، لأنه يضع البلاد أمام فرصة للدخول إلى اقتصاد عالمي كانت مشاركتها فيه محدودة قياساً إلى إمكاناتها الجغرافية.

طريق للبضائع وآخر للمعلومات

المفارقة اللافتة أن المشروعين، التجاري والرقمي، يستندان تقريباً إلى الجغرافيا ذاتها. البضائع تصل من الخليج وآسيا إلى الفاو ثم تتحرك شمالاً باتجاه تركيا وأوروبا، والبيانات يمكن أن تصل عبر الكابلات البحرية إلى المنطقة نفسها قبل انتقالها عبر شبكة الألياف العراقية إلى الاتجاه الغربي.

هذا التوازي يسمح بالنظر إلى العراق باعتباره مرشحاً ليصبح ممراً متعدد الوظائف، بدلاً من الاقتصار على كونه طريقاً للشاحنات والقطارات. وإذا أضيفت إلى ذلك مشاريع الطاقة والغاز والكهرباء والربط الإقليمي، فإن العراق قد يمتلك على المدى الطويل شبكة متداخلة لنقل السلع والطاقة والمعلومات بين مناطق اقتصادية كبيرة.

عندها يصبح الحديث عن النهضة مرتبطاً بإعادة تعريف الوظيفة الاقتصادية للبلاد، من دولة تعتمد بصورة شبه كاملة على بيع النفط إلى دولة تستفيد أيضاً من موقعها في التجارة العالمية والاتصالات والخدمات العابرة للحدود.

من ممر للبيانات إلى اقتصاد رقمي

غير أن مرور البيانات عبر الأراضي العراقية لا يعني تلقائياً ولادة اقتصاد رقمي متطور، تماماً كما أن مرور الحاويات لا يعني بالضرورة قيام صناعة وطنية. الفائدة المحدودة تتمثل في رسوم العبور والخدمات المرتبطة بالشبكات، أما الفائدة الأكبر فتتطلب استثمار وجود هذه البنية لاستقطاب مراكز البيانات وشركات الحوسبة السحابية ومرافق تخزين المعلومات وشركات الأمن السيبراني والخدمات الرقمية.

الدول التي تتحول إلى مراكز رقمية لا تفعل ذلك لأنها تمتلك كابلات دولية فقط، بل لأنها توفر الكهرباء المستقرة والتشريعات الواضحة وحماية البيانات والأمن السيبراني والكوادر المؤهلة وبيئة الاستثمار التي تدفع الشركات العالمية إلى تخزين بياناتها وتشغيل خدماتها من داخل تلك الدول.

لذلك فإن مشروع أوريدو يمكن أن يكون مدخلاً إلى مرحلة أوسع إذا تعامل معه العراق باعتباره بنية تأسيسية وليس مجرد عقد لنقل السعات الدولية، فالقيمة الحقيقية لن تكون في كمية البيانات التي تعبر البلاد، وإنما في حجم الاقتصاد الذي يمكن بناؤه حولها.

السكك تعيد وصل الداخل بالخارج

إلى جانب طريق التنمية والممر الرقمي، يشكل مشروع تحديث السكك الحديدية محوراً أساسياً في الصورة الجديدة، خصوصاً أن شبكة النقل العراقية عانت طويلاً من التقادم وضعف القدرات التشغيلية، وهو ما جعل نقل البضائع داخلياً أكثر تكلفة وأقل كفاءة مقارنة بالعديد من الاقتصادات المنافسة.

مشروع البنك الدولي لتحديث الخط الممتد من أم قصر باتجاه البصرة وبغداد والموصل يهدف إلى استعادة دور السكك في الاقتصاد العراقي وربط المراكز السكانية والإنتاجية بالموانئ والحدود، وبالتالي فإن تأثيره يتجاوز نقل البضائع بين الجنوب والشمال ليطال حركة السكان والمزارعين والمصانع والأسواق المحلية.

نجاح طريق التنمية نفسه يعتمد بدرجة كبيرة على وجود هذه الشبكة الداخلية، لأن الممر الدولي لا يمكن أن يكون منفصلاً عن الاقتصاد الوطني. وكلما استطاعت المدن والقطاعات العراقية الارتباط بالممر، تحولت فائدته من مشروع ترانزيت دولي إلى وسيلة لإعادة تشكيل حركة الاقتصاد داخل البلاد.

العراق في قلب سباق الممرات

تتحرك المشاريع العراقية في وقت أصبحت فيه الممرات التجارية جزءاً من التنافس الجيوسياسي العالمي، فالصين تدفع باتجاه الحزام والطريق، والهند والولايات المتحدة ودول الخليج وأوروبا تعمل على مشروع الممر الهندي الشرق أوسطي الأوروبي، بينما تتمسك تركيا بموقعها بوصفها حلقة الربط الطبيعية بين آسيا والقارة الأوروبية.

التوترات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة كشفت في الوقت نفسه هشاشة بعض خطوط التجارة الدولية، سواء عبر البحر الأحمر أو الممرات المرتبطة بالمناطق المتوترة، وهو ما يدفع الشركات والدول إلى البحث عن خيارات متعددة بدلاً من الاعتماد على طريق واحد.

هذه البيئة تمنح العراق فرصة، لكنها تضع أمامه منافسة شديدة أيضاً، لأن المسار الأقصر ليس دائماً هو المسار الذي تختاره الشركات، إذ تدخل في الحسابات عوامل الأمن والاستقرار السياسي والجمارك والتأمين وكفاءة الموانئ وسرعة الشحن واستمرارية شبكات الاتصالات.

لذلك فإن الموقع الجغرافي يمنح العراق ميزة أولية، لكنه لا يمنحه النجاح بصورة تلقائية.

بين بلد الممر وبلد المركز

الاختبار الأهم للمشاريع العراقية يتعلق بما إذا كانت البلاد ستتحول إلى ممر أم إلى مركز. الدولة التي تمر خلالها البضائع والبيانات تحصل على رسوم وعوائد محددة، أما الدولة التي تنشئ حول هذه الحركة مصانع ومراكز بيانات وخدمات لوجستية ومؤسسات مالية وشركات تقنية فتستحوذ على نسبة أكبر بكثير من القيمة الاقتصادية.

الفرق بين النموذجين هو الفارق نفسه بين مشروع بنية تحتية ومشروع نهضة. فإذا دخلت الحاويات من الفاو وخرجت من الحدود التركية من دون أن تتوسع الصناعة العراقية، وإذا دخلت البيانات عبر الكابلات وغادرت الأراضي العراقية من دون بناء قطاع رقمي متقدم، فستزداد أهمية البلاد بوصفها ممراً من دون حدوث تحول اقتصادي جذري.

أما إذا نجح العراق في جذب الاستثمار إلى المناطق الواقعة حول طريق التنمية، ووسع إنتاجه الصناعي والزراعي والخدمي، واستقطب مراكز البيانات وشركات التكنولوجيا، فإن حركة العبور ستتحول إلى محرك لنشاط اقتصادي أوسع، وهو ما يمكن أن يقلل تدريجياً من هيمنة النفط على الاقتصاد.

النهضة تحتاج إلى مؤسسات

المشاريع الكبرى يمكن أن تغير شكل الاقتصاد، لكنها تحتاج إلى مؤسسات تستطيع إدارتها وحمايتها وضمان استمرارها. وتشمل التحديات العراقية في هذا الجانب البيروقراطية والفساد وتعقيد الإجراءات الجمركية والاستقرار السياسي والأمني، فضلاً عن الحاجة إلى توفير الكهرباء والمياه والبنية الحضرية اللازمة لجذب الاستثمارات طويلة الأجل.

كما أن مشاريع الممرات الدولية تعتمد على ثقة الشركاء الخارجيين، لأن شركة تنقل بضائعها أو بياناتها عبر بلد معين تحتاج إلى ضمان استمرار الطريق والشبكة وعدم تعرضهما إلى اضطرابات متكررة، ولذلك تصبح الحوكمة والأمن والكفاءة الإدارية جزءاً من المشروع الاقتصادي نفسه وليست مسائل منفصلة عنه.

النهضة التي يمكن أن تولد من المشاريع الحالية لن تتحقق بالبناء المادي وحده، لأن الموانئ والسكك والكابلات تحتاج إلى نظام اقتصادي يجعلها منتجة، وإلى قطاع خاص قادر على الاستثمار حولها، وإلى سياسات تعليمية توفر العمالة والمهارات التي تحتاجها الصناعات الجديدة.

هل العراق أمام عصر نهضة؟

المشهد الحالي لا يسمح بالحديث عن نهضة عراقية مكتملة، لكنه يمنح هذا الاحتمال أساساً أكثر واقعية مما كان متاحاً في مراحل سابقة. فالبلاد لا تعمل على مشروع نقل منفرد، وإنما تتحرك في اتجاه بناء ميناء كبير وممر تجاري وشبكة سكك حديثة، وفي الوقت نفسه تظهر على خريطة نقل البيانات بين آسيا وأوروبا.

القيمة الكبرى لهذه التطورات تكمن في اجتماعها حول فكرة واحدة هي إعادة استثمار موقع العراق بين الشرق والغرب، بعدما بقيت هذه الجغرافيا لسنوات طويلة أقل استثماراً من النفط. فإذا استطاعت الدولة تحويل الممرات إلى صناعات وخدمات وتكنولوجيا ووظائف، فقد يبدأ الاقتصاد العراقي بالتغير من اقتصاد يعتمد على مورد واحد إلى اقتصاد يستفيد من النفط والموقع والتجارة والبيانات في الوقت نفسه.

أما إذا بقيت المشاريع خطوطاً للعبور لا أكثر، فإن العراق سيحصل على موقع أكبر في شبكات التجارة والاتصالات، لكنه لن يحقق التحول الذي تسمح بتسميته نهضة اقتصادية. ولهذا فإن السنوات المقبلة لن تختبر قدرة العراق على بناء الطرق والكابلات فقط، بل قدرته على بناء اقتصاد جديد فوقها.

* المصادر: وكالة الأنباء العراقية (واع)، أوريدو القطرية، البنك الدولي،المونيتور، دويتشه فيله، قناة الثامنة، وكالة نينا للأنباء

اضف تعليق