يعدّ مصطلح الكولونيالية ذا أهمية في تحديد الشكل المحدد للاستغلال الثقافي الذي تنامى بالتزامن مع التوسع الأوربي خلال القرون الأربعة الفائتة. وعلى الرغم من ان العديد من الحضارات التي ظهرت من قبل كان لها مستعمرات، وعلى الرغم من ان هذه الحضارات كانت تنظر الى علاقاتها بتلك المستعمرات بوصفها علاقة قوة عظمى مركزية بالحدود الخارجية لثقافات محلية هامشية وغير متمدنة، فقد تداخل عدد من العوامل الحاسمة في بنية ممارسات الامبريالية فيما بد عصر النهضة الاوربية.

يطرح ادوارد سعيد الفارق التالي: "الامبريالية تعني الممارسة، والنظرية، والتوجهات الخاصة بمركز حواضري متسيّد يحكم اقليما نائيا. بينما الكولونيالية التي كانت على الدوام نتيجة للإمبريالية، هي زرع للمستوطنات في إقليم ناء".

ويظهر نطاق وتنوع المستوطنات الكولونيالية المتولدة عن توسع المجتمع الأوربي بعد عصر النهضة الاوربية سبب اعتبار مصطلح الكولونيالية شكلا مميزا للايديولوجيا الامبريالية الاعم. وعلى الرغم من الصيغة التي طرحها سعيد حيث يخصص الامبريالية للقوة الأيديولوجية بينما الكولونيالية للممارسة، تعد علامة فعالة بوجه عام، فقد أصبحت الكولونيالية الاوربية في عالم ما بعد النهضة الاوربية صيغة للتوسع الامبريالي، مخصصة بما فيه الكفاية ومحددة تاريخيا، ما يبرر استخدامها الحالي الشائع كنمط مميز من الأيديولوجيا السياسية.

ان الحقيقة التاريخية الخاصة بكون التوسع الكولونيالي الأوربي بعد عصر النهضة الاوربية متلازما مع نمو النظام الرأسمالي الحديث للتبادل الاقتصادي تعني ان إدراك المستعمرات بوصفها كيانات تأسست بشكل رئيسي لإمداد اقتصاديات القوى الكولونيالية البازغة سريعة النمو بالمواد الخام، قد توطد واصطبغ بصبغة مؤسسية الى حد كبير. وهذا يعني ان العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر كانت مغلقة على تراتبية صلبة للاختلاف، تستعصي بشدة على الدخول في تبادلات عادلة ومتكافئة، سواء كانت اقتصادية او ثقافية او اجتماعية.

اما في المستعمرات التي كان شعبها الخاضع للاحتلال ينتمي لعرق مختلف، او وجدت فيها اقلية من السكان الأصليين للبلد، فكان لايديولوجيا العرق أيضا دور حاسم في بناء وتطبيع شكل غير متكافئ من العلاقات بين الثقافات. لقد كان مفهوم العرق ذاته في اغلب الأحيان، بما صاحبه من عنصرية وتحيز عرقي، منتجا لنفس فترة ما بعد عصر النهضة الاوربية، وكان تبريرا يساق لمعاملة المستعبَدين بعد نمو تجارة الرقيق عبر الأطلسي من أواخر القرن السادس عشر الميلادي وما بعده.

في مثل هذه المواقف، أصبحت فكرة العالم الكولونيالي تتمحور حول شعب أدني منزلة بجبلّته، ولا يقف خارج دائرة التاريخ والحضارة وحسب، وانما قدر له سلفا في اصل تكوينه الجيني ان يكون ادنى منزلة. وهكذا فان استعبادهم لم يكن مجرد مسالة جلب منفعة مادية او للخدمة الشخصية وانما أمكن أيضا صوغ هذا الاستعباد بوصفه حالة فطرية. وقد تلازمت فكرة "تطور الجنس البشري" و"البقاء للعرق" الاصلح في التطبيق الفج للداروينية الاجتماعية، مع مذاهب الامبريالية التي برزت في نهاية القرن التاسع عشر.

وقد أظهرت الحصرية الجنسية لهذه الخطابات (الرجل، والجنس البشري) تحالفها الايديولوجي مع الممارسات الابوية كما أشار الى ذلك العديد من المعلقين. وكنتيجة لهذه الصيغ الجديدة أمكن للاستعمار ان يمثَّل ويعاد تقديمه بوصفه مهمة تمدينية فاضلة وحتمية تنطوي على التعليم والتنشئة الابوية. والمثال على ذلك النصيحة الشهيرة التي اوعز بها الروائي والشاعر الإنكليزي روديارد كيبلنج الى أمريكا في العام 1899 كي "تتجشم الثقل الملقى على كاهل الرجل الأبيض" بعد حرب أمريكا ضد اسبانيا في الفلبين بدلا من اتباع نهجهم المناهض للكولونيالية ومنحهم الفلبيين الاستقلال والسيادة القومية.

ففي هذه الفترة ولهذه الأسباب طورت الكولونيالية أيديولوجيا مترسخة في تبرير مبهم، واصبح من الصعب بصورة متزايدة ادراك ممارساتها القاسية والظالمة في جوهرها التي تتوارى خلف غيمة ليبرالية لـ"مهمة تمدينية" و"تنمية" و"مساعدات" ابوية. وقد كان لابتداع التسميات الإقليمية مثل "حكومة الحماية" و"إقليم تحت الوصاية" و"السيادة المشتركة" وظيفة وهي تبرير العملية المستمرة للممارسات الكولونيالية وكذلك مواراة حقيقة ان هذه الأقاليم كانت المواقع البديلة للصراعات التي كانت تزداد شراسة من اجل الأسواق والمواد الخام بين لدول الصناعية في الغرب.

في العام 1965 صاغ الرئيس الأول لغانا المستقلة وابرز داعية للوحدة الافريقية "كوامي نكروما" مصطلح الكولونيالية الجديدة في كتابه "الكولونيالية الجديدة: المرحلة الأخيرة للامبريالية" وأشار في كتابه الى انه على الرغم من تحقيق دول مثل غانا الاستقلال النظري، فان يقابا القوى الكولونيالية السابقة والقوى العظمى الجديدة الصاعدة على المشهد العالمي مثل الولايات المتحدة الامريكية ظلت تلعب دورا حاسما في مصائر هذه الدول عن طريق تثبيت الأسعار في الاسواق العالمية، والشركات متعددة الجنسيات، والاتحادات الاحتكارية، إضافة الى تنويعة من المؤسسات التعليمية والثقافية. والواقع ان نكروما قال بان الكولونيالية الجديدة كانت أكثر دهاء وابرع تخفيا وأصعب في الكشف عنها وتحديد معالمها ومقاومتها من الكولونيالية الصريحة، الاقدم.

ومنذ ذلك الحين، شاع هذا المصطلح على نطاق واسع، إشارة الى كل شكل من اشكال السيطرة التي تمارس على المستعمرات السابقة. ولذلك فقد حاجج البعض على سبيل المثال، بان النخب الجديدة التي تقلدت الحكم بعد الاستقلال، والتي ترعرعت وتلقت تعليمها في كنف القوى الكولونيالية، لا تمثل الشعب، بل والادهى انها كانت تتحرك بوصف أعضائها وكلاء "طبقة الوكلاء" جهلاء بل ومنقادين للحكام الكولونياليين السابقين. وفي سياق أكثر شمولا، تطور هذا المصطلح وصار يشير الى عجز اقتصاديات ما يسمى بالعالم الثالث عن صياغة هوية اقتصادية وسياسية مستقلة لها، تحت ضغوط العولمة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0