السؤال الذي تطرحه هذه النسخة ليس من سيفوز بالكأس فقط، بل من يستطيع أصلاً الوصول إلى الكأس، ومن يملك القدرة على حضورها، ومن يشعر بالأمان والكرامة داخل فضائها. فإذا لم تجد المؤسسات المنظمة والحكومات المضيفة توازناً بين الربح والحضور الشعبي، وبين الأمن وحرية الحركة، وبين السياسة وروح الرياضة...
لم تعد كأس العالم مجرد بطولة لكرة القدم، ولا مناسبة رياضية عابرة ينتظرها عشاق الساحرة المستديرة كل أربع سنوات، بل أصبحت مرآة مكثفة للتحولات السياسية والاقتصادية والأمنية في العالم. وفي النسخة التي تستضيفها الولايات المتحدة بالاشتراك مع كندا والمكسيك، يبدو أن الحدث الكروي الأضخم في العالم يدخل اختباراً غير تقليدي، لا يتعلق فقط بقوة المنتخبات أو جاهزية الملاعب أو توقعات المنافسة، بل بقدرة البطولة نفسها على الحفاظ على روحها الشعبية في ظل ارتفاع جنوني في التكاليف، وتشدد أمني غير مسبوق، ومناخ سياسي مشحون، ومخاوف من أن تتحول مدرجات كرة القدم إلى مساحات مراقبة واحتجاج وصراع دبلوماسي.
فبينما كان يفترض أن تشكل البطولة فرصة اقتصادية هائلة لقطاع السفر والسياحة والفنادق في الولايات المتحدة، جاءت المؤشرات الأولى مخيبة للتوقعات. لم تصل الحشود المنتظرة من المشجعين كما كان متوقعاً، وتراجعت حجوزات الطيران، وخفضت الفنادق أسعارها بعد أن كانت تراهن على موجة طلب كبيرة. وفي الوقت نفسه، اشتكى مشجعون من ارتفاع أسعار التذاكر، وتكاليف السفر والإقامة، وصعوبة الحصول على التأشيرات، وتعقيدات التنقل بين ست عشرة مدينة مضيفة موزعة على ثلاث دول.
على الجانب الآخر، تبدو البطولة وكأنها واحدة من أكبر العمليات الأمنية في تاريخ الولايات المتحدة. فمكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الأمن الداخلي يواجهان حدثاً يضم ثمانية وأربعين منتخباً، وملايين الزوار، ورؤساء دول، وملاعب ومعسكرات تدريب، وتهديدات تتراوح بين الطائرات المسيّرة والإرهاب والجريمة المنظمة والهجمات الإلكترونية والاحتجاجات السياسية. وبين غلاء ينفر المشجعين، وأمن مفرط يثير القلق، تقف كأس العالم أمام سؤال مركزي: هل ما زالت البطولة قادرة على أن تكون مهرجاناً شعبياً عالمياً، أم أنها أصبحت حدثاً باهظاً ومحاصراً بإجراءات سياسية وأمنية تفقده كثيراً من روحه؟
خيبة الرهان السياحي
لعدة سنوات، ساد اعتقاد بأن كأس العالم ستمنح قطاع السفر والسياحة الأمريكي دفعة كبيرة. فالولايات المتحدة تستقبل بطولة عالمية بحجم غير مسبوق، والجمهور العالمي لكرة القدم معروف باستعداده للسفر لمسافات طويلة وإنفاق مبالغ كبيرة لدعم منتخبات بلاده. غير أن الواقع الأولي بدا مختلفاً. فالحشود التي كانت الفنادق وشركات الطيران ومرافق السياحة تنتظرها لم تصل بالحجم المتوقع.
فالحجوزات القادمة من أوروبا إلى معظم المدن المضيفة في شهري يونيو ويوليو تراجعت بنسبة 3.8 بالمئة في المتوسط على أساس سنوي، رغم أن السفر الأوروبي إلى الولايات المتحدة كان قد شهد انخفاضاً في العام السابق أيضاً. أما نيويورك، التي تستضيف نهائي كأس العالم في 19 يوليو، فقد سجلت تراجعاً أكبر في الحجوزات الأوروبية بلغ 15.8 بالمئة.
هذا التراجع يكتسب أهمية خاصة لأن نيويورك تعد من أهم المدن المستفيدة المفترضة من البطولة. فقد توقع الاتحاد الدولي لكرة القدم أن يتوافد 1.2 مليون مشجع على المدينة، لكن رابطة فنادق نيويورك تتوقع نصف مليون فقط. وهذا الفارق الكبير بين التوقعات والواقع المحتمل يكشف حجم الفجوة بين الصورة التسويقية للبطولة والحسابات الفعلية للمسافرين.
وقد وصف فيجاي دانداباني، الرئيس التنفيذي لرابطة فنادق مدينة نيويورك، الوضع بأنه “خيبة أمل بكل المقاييس”، مشيراً إلى أن الرابطة خفضت توقعاتها لإيرادات غرف الفنادق المرتبطة بكأس العالم بنسبة 60 بالمئة لتصل إلى نحو 60 مليون دولار. ويعكس هذا التصريح قلقاً واسعاً لدى القطاع الفندقي، الذي كان يعول على البطولة لتعويض سنوات من التذبذب في السياحة الدولية.
حين تصبح كرة القدم رفاهية باهظة
لا يمكن فهم ضعف الإقبال من دون التوقف عند عامل التكلفة. فالغلاء لم يعد تفصيلاً جانبياً، بل بات في قلب الأزمة. أسعار تذاكر المباريات ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة، وأسعار الفنادق والطيران والمواصلات زادت العبء على المشجعين، خصوصاً القادمين من خارج الولايات المتحدة.
حيث أن أرخص تذكرة في مدن مضيفة مثل نيويورك وميامي تقترب من ألف دولار بحسب موقع “تيكت ديتا”. وهذا الرقم وحده كاف لجعل حضور مباراة واحدة عبئاً مالياً كبيراً على كثير من المشجعين، فما بالك بمن يريد متابعة أكثر من مباراة، أو السفر بين عدة مدن، أو اصطحاب عائلته؟
وتزداد المشكلة تعقيداً بسبب نظام تسعير التذاكر الذي اعتمده الفيفا. فقد فرض المنظمون أسعاراً أساسية مرتفعة على نحو غير مسبوق، واعتمدوا لأول مرة نظام تسعير ديناميكي يرفع الأسعار مع اقتراب موعد البطولة. كما سمح الفيفا بإعادة بيع التذاكر من دون سقف سعري، وهو ما أثار استياء المشجعين واستدعى تدقيقاً من الجهات الرقابية.
هذه الممارسات تجعل المشجع يشعر بأن البطولة لم تعد مصممة له، بل لفئة قادرة على دفع مبالغ كبيرة. فالكرة التي طالما بنت شعبيتها على كونها لعبة الفقراء والطبقات الشعبية، تبدو في هذا النموذج وكأنها تنتقل إلى سوق مغلقة تتحكم فيها القدرة الشرائية لا العاطفة الرياضية.
وقد عبّر المشجع الإنجليزي آندي ميلن عن هذا المعنى بوضوح، حين قال إن بعض المشجعين لن يحضروا كأس العالم على الإطلاق، وإن أصدقاء له اختاروا الذهاب إلى إيبيزا لمشاهدة المباريات على التلفزيون بتكلفة أقل بكثير، بينما قرر آخرون الذهاب إلى لاس فيغاس، رغم أنها مكلفة أيضاً، لكنها تبقى أقل من الجمع بين التذاكر والسفر والفنادق والمواصلات إلى الملاعب.
نهاية نموذج السفر التقليدي للمونديال؟
تاريخياً، قامت كأس العالم على نموذج واضح: مشجعون يسافرون من قارات مختلفة، يتحملون التكاليف، يملؤون الشوارع، يخلقون أجواء كرنفالية، وينقلون البطولة من حدث تلفزيوني إلى مهرجان عالمي حي. لكن هذا النموذج بدأ يتآكل.
ففي هذه النسخة، لم تعد الرغبة في متابعة المنتخب كافية لتجاوز العقبات. فالأسعار المرتفعة، وصعوبة التأشيرات، والتعقيدات اللوجستية، والمسافات بين المدن، كلها عوامل تجعل حضور البطولة قراراً مرهقاً لا حماسياً فقط. ولأن البطولة موزعة على ست عشرة مدينة في ثلاث دول، يصبح التنقل بين المباريات تحدياً مالياً وزمنياً وتنظيمياً.
وفي الولايات المتحدة تحديداً، لا تبدو كرة القدم قادرة داخلياً على سد فجوة تراجع الجمهور الدولي. فشعبية اللعبة في السوق الأمريكية لا تزال أقل مما هي عليه في أوروبا وأمريكا الجنوبية وأجزاء واسعة من أفريقيا وآسيا. ولذلك، فإن الاعتماد على السفر الداخلي الأمريكي وحده لا يكفي لإنقاذ العائد السياحي المتوقع.
هذا التحول يحمل دلالة أوسع: إذا صار حضور كأس العالم مكلفاً إلى هذا الحد، فإن البطولة تفقد جزءاً من جمهورها العابر للحدود. وإذا تراجع حضور المشجعين الحقيقيين، يصبح الحدث أكثر نخبوية وأقل شعبية، مهما بقيت نسب المشاهدة التلفزيونية عالية.
التأشيرات وحدود الخوف
إلى جانب الغلاء، تبرز التأشيرات بوصفها حاجزاً نفسياً وعملياً. فالمشجعون من أكثر من نصف الدول المؤهلة يحتاجون إلى تأشيرات لدخول الولايات المتحدة. وهذا وحده يضيف تكلفة ووقتاً وضبابية، خصوصاً في ظل سياسات الهجرة الصارمة والمخاوف من تشديد إجراءات الدخول عند الحدود.
وتظهر الأزمة بوضوح في قصة المشجعين الأرجنتينيين الذين رفضت طلبات تأشيراتهم لحضور البطولة. وقد تحولت القصة إلى مبادرة دعائية ذات طابع ساخر، حين وعدت مجموعة أرجنتينية بتقديم أجهزة تلفزيون مجانية لأول مئة شخص يثبتون رفض تأشيراتهم لمشاهدة المباريات من المنزل. وعلى الرغم من الطابع الطريف للمبادرة، فإنها تكشف جانباً مؤلماً: هناك مشجعون كانوا مستعدين للسفر ودفع المال، لكنهم اصطدموا بقرار إداري منعهم من تحقيق حلمهم.
وتأخذ المسألة بعداً أكبر حين يتعلق الأمر بشخصيات رسمية داخل البطولة، مثل الحكم الصومالي عمر عبد القادر عرتن، الذي مُنع من دخول الولايات المتحدة رغم أنه كان مقرراً أن يصبح أول صومالي يدير مباريات في كأس العالم. فقد قالت الإدارة الأمريكية إنه مُنع بسبب معلومات تتعلق بصلات مع أفراد يشتبه بانتمائهم إلى منظمات إرهابية، بينما قالت الحكومة الصومالية والاتحاد الصومالي لكرة القدم إنهما لم يتلقيا تفسيراً رسمياً كافياً.
القضية هنا ليست رياضية فقط. فمنع حكم دولي من دخول بلد مضيف، رغم اختياره من قبل الجهات الرياضية المختصة، يرسل رسالة مقلقة عن حدود استقلال البطولة عن سياسات الهجرة والأمن القومي. كما يضع الفيفا في موقف حرج، إذ أعلن أنه لا يتدخل في إجراءات الهجرة الخاصة بالبلد المضيف.
الأمن بوصفه البطولة الموازية
في مقابل تراجع الإقبال السياحي، ترتفع كثافة الاستعداد الأمني. فالبطولة، بحسب وصف مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل، “مهمة ضخمة، وربما تكون الأكبر في تاريخ إف.بي.آي، بل وفي تاريخ الولايات المتحدة”. ويبدو أن هذا الوصف ليس مبالغة إذا أخذنا في الاعتبار حجم الحدث: 48 منتخباً، 36 معسكراً، 11 ملعباً في الولايات المتحدة، ملايين الزوار، رؤساء دول، تهديدات إرهابية، طائرات مسيّرة، جواسيس، عصابات، مشجعون ثملون، وألعاب نارية.
ويتولى مكتب التحقيقات الفيدرالي دور الجهاز الاستخباري الداخلي الرئيسي المسؤول عن البطولة في الولايات المتحدة، لكنه يعتمد أيضاً على أجهزة إنفاذ القانون في الولايات والمدن والبلدات. كما يتولى المكتب فحص خلفيات وسجلات نحو 300 ألف شخص، بينهم لاعبون ومدربون وعاملون في جهات مختلفة.
هذا الرقم وحده يكشف حجم “البطولة الأمنية” التي تجري خلف البطولة الرياضية. فكل لاعب أو عامل أو مدرب أو مسؤول يدخل ضمن شبكة تدقيق واسعة، وكل مدينة مضيفة تصبح جزءاً من مسرح أمني متعدد الطبقات. وفي مثل هذه الأجواء، يتراجع الإحساس بالحدث الرياضي المفتوح، ويحل محله منطق الوقاية والسيطرة وإدارة المخاطر.
الطائرات المسيّرة والهجمات منخفضة الكلفة
يرى باتيل أن الطائرات المسيّرة تمثل أحد أكبر التهديدات للبطولة والمدن المضيفة. والسبب واضح: هذه الأدوات منخفضة الكلفة، يمكن تشغيلها من مسافة بعيدة، ولا تحتاج إلى تخطيط معقد مقارنة بأشكال الهجوم التقليدية. ولذلك أطلق مكتب التحقيقات الفيدرالي برنامجاً تدريبياً لمكافحة الطائرات المسيّرة في أكتوبر 2025، تخرج منه حتى الآن 70 من أفراد الشرطة المحلية في المدن الأمريكية المضيفة.
تعكس هذه الإجراءات طبيعة التهديدات الجديدة في الفعاليات الرياضية الكبرى. فلم تعد المخاطر محصورة في تفجير أو هجوم مباشر أو اقتحام جماهيري، بل أصبحت تشمل وسائل صغيرة ورخيصة ومرنة قادرة على إرباك حدث عالمي. وهذا ما يجعل التأمين أكثر صعوبة، لأن الخطر قد يأتي من السماء، ومن مسافة بعيدة، ومن فاعل فردي أو جماعة صغيرة.
كما أن مكتب التحقيقات الفيدرالي أنشأ مركز عمليات مشتركاً يضم أفراد شرطة من 46 دولة من أصل 48 دولة مشاركة، باستثناء إيران وهايتي، لتقديم معلومات عن التهديدات في الوقت الفعلي من بلدانهم الأصلية. وهذه الخطوة تؤكد أن أمن البطولة لم يعد شأناً أمريكياً خالصاً، بل شبكة تعاون دولية تنقل التهديدات المحلية إلى غرفة عمليات عابرة للحدود.
كرة القدم في ظل الصراعات الدولية
لا تنفصل كأس العالم هذه المرة عن التوترات الجيوسياسية، خصوصاً الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران وما رافقها من تداعيات. فالنزاعات الأخيرة في الشرق الأوسط قد تجد صدى لدى بعض المتطرفين العنيفين داخل الولايات المتحدة وبعض مرتكبي جرائم الكراهية، وقد تؤدي إلى تفاقم مشاعر معادية للولايات المتحدة أو إسرائيل أو لليهود أو المسلمين.
وتبرز مباريات إيران بوصفها نقطة حساسة أمنياً وسياسياً. فقد أشار تقييم التهديدات المشترك بين مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الأمن الداخلي إلى مخاوف بشأن مباراتي إيران في دور المجموعات في ملعب سوفي قرب لوس أنجليس، بما في ذلك احتمال حدوث احتجاجات عنيفة من مشجعي الفريق أو معارضي الحكومة الإيرانية.
وتتضاعف الحساسية لأن الولايات المتحدة أعلنت أنها لن تسمح بدخول أشخاص على صلة بالحرس الثوري ضمن وفد إيران في كأس العالم. وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن واشنطن لا تمانع دخول المنتخب الإيراني وفريق الدعم الرياضي، لكنها لن تسمح بإدراج أشخاص لا علاقة لهم بالرياضة ولديهم صلات بالحرس الثوري.
بهذا المعنى، تصبح قائمة الوفد الرياضي نفسها موضوعاً أمنياً وسياسياً، لا إجراءً تنظيمياً فقط. وتتحول البطولة إلى فضاء تتقاطع فيه الرياضة مع العقوبات والتصنيفات الأمنية والصراعات الإقليمية.
الجماهير الإيرانية بين الفخر والمقاطعة
تكتسب مشاركة إيران في البطولة بعداً وجدانياً معقداً لدى الإيرانيين الأمريكيين، خصوصاً في لوس أنجليس، التي تضم واحدة من أكبر الجاليات الإيرانية في العالم وتعرف أحياناً باسم “طهرانجليس”. فبالنسبة إلى بعض المشجعين، يشكل المنتخب رابطاً عاطفياً مع الوطن الأصلي، وفرصة نادرة لرؤية الفريق الوطني في وطنهم الثاني. لكن بالنسبة إلى آخرين، يمثل الفريق امتداداً رمزياً لنظام سياسي يرفضونه.
تقدم مقابلات المشجعين الإيرانيين الأمريكيين صورة عن هذا الانقسام. فإحسان شافي، رجل الأعمال الأمريكي من أصل إيراني، يرى في حضور مباريات إيران فرصة رياضية وعاطفية، رغم اعترافه بتعقيد الوضع بسبب الحرب والقصف. أما شون رضائي، وهو مشجع حضر بطولات كأس عالم سابقة في ألمانيا والبرازيل وروسيا وقطر، فقد قرر مقاطعة البطولة هذه المرة، معتبراً أن الفريق لا يمثل الأمة بل يُستخدم أداة دعائية للنظام.
هذا الانقسام لا يعكس خلافاً رياضياً، بل صراعاً على معنى الهوية. هل يشجع المرء منتخب بلاده رغم رفضه لحكومتها؟ وهل يمكن فصل الرياضة عن السياسة حين تكون الحرب والقمع والاحتجاجات جزءاً من المشهد؟ وهل يصبح حضور المباراة موقفاً سياسياً بحد ذاته؟
الفيفا بين التنظيم والحياد الصعب
في أكثر من موضع، يظهر الاتحاد الدولي لكرة القدم في موقع حرج. فمن جهة، هو منظم البطولة وصاحب السلطة الرياضية العليا. ومن جهة أخرى، لا يستطيع التدخل في سياسات الهجرة الخاصة بالدول المضيفة، كما في حالة الحكم الصومالي عرتن. كما أنه يواجه انتقادات بشأن نظام تسعير التذاكر وإعادة بيعها، ومطالب تتعلق بمنع أنشطة أو شعارات معينة داخل الملاعب، كما في الجدل المرتبط بمباراة مصر وإيران في سياتل.
وقد هددت إيران بوقف مبارياتها إذا ظهرت أعلام غير مصرح بها أو رُددت هتافات ضد المنتخب في الملاعب. كما سبق أن حث الاتحادان الإيراني والمصري الفيفا على منع أنشطة مرتبطة بفخر مجتمع الميم خلال مباراة منتخبي البلدين، بعد أن أطلق المنظمون المحليون على المباراة اسم “مباراة الفخر”.
هذه الوقائع تكشف أن الفيفا لم يعد يدير مباريات فقط، بل يتعامل مع منظومة معقدة من القيم المتعارضة: حرية التعبير، سيادة الدولة المضيفة، مطالب المنتخبات، حساسيات الجماهير، الحقوق المدنية، والخشية من تحول المدرجات إلى ساحات احتجاج.
الأمن المفرط وصورة التمييز
لا تقتصر مخاوف الأمن على الدخول إلى الولايات المتحدة أو مراقبة الوفود، بل تشمل أيضاً الطريقة التي تُدار بها الإجراءات اليومية. وقد أثارت مقاطع فيديو للاعبي السنغال وهم يخضعون لتفتيش أمني على مدرج المطار جدلاً واسعاً، إذ اعتبر البعض المشهد مهيناً أو تمييزياً. ورد الاتحاد السنغالي بأن ما جرى كان جزءاً من ترتيبات لوجستية لتسريع السفر، وأن اللاعبين والجهاز الفني خضعوا للفحوصات الأمنية عند سلم الطائرة بدلاً من المرور عبر صالات المطار.
حتى إذا كان الإجراء مبرراً تنظيمياً، فإن الجدل يكشف حساسية الأجواء. ففي بطولة محكومة بالمراقبة والتدقيق والتأشيرات، يمكن لأي صورة أو مقطع أن يقرأ بوصفه دليلاً على التمييز أو الإفراط الأمني. وهنا تصبح إدارة الانطباع العام جزءاً من إدارة الحدث نفسه.
انتهاء أداة تجسس ومخاوف أمنية إضافية
يزيد المشهد تعقيداً انتهاء صلاحية المادة 702 من قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية، وهي أداة كانت تتيح لأجهزة الاستخبارات الأمريكية جمع اتصالات أهداف أجنبية في الخارج من دون أمر قضائي، بما في ذلك حين تتواصل هذه الأهداف مع أشخاص داخل الولايات المتحدة. ويصف المسؤولون هذه الأداة بأنها محورية في مكافحة الإرهاب والتجسس، بينما ينتقدها المدافعون عن الخصوصية بسبب احتمال مساسها باتصالات أمريكيين من دون ضمانات كافية.
انتهاء صلاحية هذه الأداة مع انطلاق كأس العالم أثار مخاوف أمنية، خصوصاً في ظل غياب مسار واضح في الكونغرس لإعادة تفعيلها بسرعة. ورغم أن بعض عمليات المراقبة القائمة قد تستمر قانونياً حتى مارس 2027، يحذر مشرعون وخبراء من أن شركات الاتصالات والتكنولوجيا قد تتردد في التعاون إذا لم تكن تتمتع بحصانة قانونية واضحة.
وهنا تظهر مفارقة أخرى: فبينما يشكو البعض من الأمن المفرط والمراقبة، يحذر آخرون من فقدان أدوات المراقبة في توقيت حساس. وبين الخصوصية والأمن، تتحول كأس العالم إلى اختبار سياسي داخلي في الولايات المتحدة بقدر ما هي بطولة رياضية عالمية.
مونديال تحت ضغط السياسة والاقتصاد والأمن
تبدو كأس العالم في هذه النسخة محاصرة بثلاث دوائر ضغط كبرى. الدائرة الأولى اقتصادية، عنوانها الغلاء الفاحش، من أسعار التذاكر إلى الفنادق والطيران. الدائرة الثانية أمنية، عنوانها التدقيق والتهديدات والطائرات المسيّرة والمراقبة والتأشيرات. أما الدائرة الثالثة فهي سياسية، عنوانها إيران، الهجرة، الاحتجاجات، الجاليات، الحرس الثوري، وحرية التعبير داخل الملاعب.
هذه الدوائر لا تعمل منفصلة. فالغلاء يقلل حضور الجمهور، والتأشيرات تضيف خوفاً وتكلفة، والأمن المفرط يخلق شعوراً بالتوتر، والسياسة تجعل بعض المباريات أكثر حساسية من غيرها. والنتيجة أن البطولة التي كان ينتظر أن تكون احتفالاً عالمياً مفتوحاً تبدو محكومة بدرجة عالية من الحذر والضبط والتوجس.
قد تنجح المباريات على أرض الملعب، وقد تمتلئ بعض المدرجات في الأدوار المتقدمة، وقد تعود حجوزات اللحظة الأخيرة لتعوض جزءاً من الضعف الأولي. لكن المؤشرات تكشف أن كأس العالم تواجه تحولاً عميقاً: لم تعد مجرد حدث رياضي يجذب الناس تلقائياً، بل منتج عالمي مكلف يحتاج إلى قدرة مالية، وإلى تأشيرة، وإلى استعداد لتحمل إجراءات أمنية مشددة.
هل تفقد كأس العالم جمهورها الحقيقي؟
الخطر الأكبر الذي يواجه كأس العالم ليس أمنياً فقط، ولا اقتصادياً فقط، بل يتعلق بجوهر البطولة. فإذا أصبح حضور المباريات حكراً على القادرين مالياً، وإذا تحولت الحدود إلى عائق أمام المشجعين والحكام والوفود، وإذا غلبت الإجراءات الأمنية على التجربة الإنسانية للحدث، فإن البطولة قد تفقد تدريجياً جمهورها الحقيقي: أولئك الذين يصنعون الأغاني في المدرجات، ويرفعون الأعلام، ويسافرون بدافع الشغف لا بدافع الرفاهية.
لقد صنعت كرة القدم مجدها لأنها لعبة بسيطة ومفتوحة وشعبية. أما حين تصبح كأس العالم باهظة ومحاصرة بالخوف والاشتباه والتدقيق، فإنها تخاطر بالتحول من مهرجان جماهيري إلى حدث نخبوي مؤمّن بشدة. وبين الفنادق التي تخفض أسعارها بعد غياب الحشود، والمشجعين الذين يفضلون مشاهدة المباريات في إيبيزا أو منازلهم، والحكام الذين تمنعهم الحدود، والمنتخبات التي تتحرك تحت عين الأمن، تبدو البطولة أمام لحظة مراجعة كبرى.
إن السؤال الذي تطرحه هذه النسخة ليس من سيفوز بالكأس فقط، بل من يستطيع أصلاً الوصول إلى الكأس، ومن يملك القدرة على حضورها، ومن يشعر بالأمان والكرامة داخل فضائها. فإذا لم تجد المؤسسات المنظمة والحكومات المضيفة توازناً بين الربح والحضور الشعبي، وبين الأمن وحرية الحركة، وبين السياسة وروح الرياضة، فقد تكون كأس العالم مهددة لا في تنظيمها الفني، بل في معناها العالمي الأعمق.



اضف تعليق