إن الدعوة إلى حكومة الأغلبية المطلقة ليست دعوة نظرية، بل استجابة واقعية لفشل نموذج قائم، ومحاولة لتأسيس نموذج بديل يعيد للديمقراطية معناها، وللدولة قدرتها على الفعل، وللمواطن ثقته بالعملية السياسية. إنها دعوة إلى الانتقال من مرحلة إدارة التوازنات إلى مرحلة بناء الدولة، ومن منطق التوافق القسري إلى منطق التفويض الشعبي الواضح...

بعد أكثر من عقدين على تأسيس النظام السياسي العراقي عقب غزو العراق 2003، تكشّف تدريجيًا أن الصيغة التي اعتمدت لإدارة الحكم، والقائمة على التوافق والمحاصصة، لم تنتج دولة مستقرة ولا سلطة فاعلة، بل أفرزت نظامًا هجينًا تتوزع فيه المسؤوليات وتضيع فيه المحاسبة، وتتقدّم فيه التسويات على حساب الإرادة الشعبية. ومن هنا تبرز الدعوة إلى حكومة الأغلبية المطلقة بوصفها ضرورة إصلاحية بنيوية، لا خيارًا سياسيًا عابرًا.

إن هذه الدعوة لا تنطلق من رغبة في الإقصاء أو التفرد، بل من الحاجة إلى إعادة تعريف جوهر العملية الديمقراطية نفسها، بحيث تصبح السلطة تعبيرًا مباشرًا عن نتائج الانتخابات، لا نتاجًا لمساومات ما بعد الانتخابات. وفيما يلي بيان الأسباب الموجبة لهذه الدعوة:

أولًا: لأن النظام التوافقي عطّل مبدأ المسؤولية السياسية، إذ لم يعد بالإمكان تحديد من يحكم فعليًا ومن يُحاسَب، فالجميع في السلطة شكليًا، ولا أحد يتحمل المسؤولية فعليًا، الأمر الذي أضعف الرقابة البرلمانية وأفرغ الانتخابات من مضمونها الحقيقي.

ثانيًا: لأن حكومة الأغلبية المطلقة تعيد الربط بين السلطة والإرادة الانتخابية، بحيث تكون الحكومة منبثقة مباشرة من الكتلة التي حصلت على (50% + 1) من أصوات الناخبين، وهو ما يمنحها شرعية واضحة ويجعلها خاضعة للمساءلة أمام جمهور محدد، بدل أن تختبئ خلف تحالفات ضبابية.

ثالثًا: لأن التوافق السياسي بصيغته الحالية أنتج شللًا في القرار التنفيذي، حيث تُعطّل القرارات أو تُفرّغ من محتواها بفعل تضارب المصالح داخل الحكومة نفسها، بينما تتيح حكومة الأغلبية اتخاذ قرارات حاسمة ضمن برنامج واضح يمكن تقييمه ومحاسبته.

رابعًا: لأن غياب المعارضة الحقيقية كان من أخطر نتائج نظام المحاصصة، إذ تحوّلت القوى السياسية كلها إلى شركاء في السلطة، ما أفقد النظام توازنه الطبيعي القائم على ثنائية الحكم والمعارضة، بينما تؤسس حكومة الأغلبية لوجود معارضة برلمانية واضحة وقوية تمارس دورها في الرقابة والتقويم.

خامسًا: لأن النموذج الحالي شجّع على صعود شخصيات لا تمتلك وزنًا انتخابيًا حقيقيًا إلى مواقع القرار، نتيجة صفقات سياسية مغلقة، في حين أن منطق الأغلبية يفرض أن يتصدر المشهد من يمتلك تفويضًا شعبيًا واضحًا، لا من يتم التوافق عليه داخل الغرف المغلقة.

سادسًا: لأن الانتقال إلى حكومة الأغلبية المطلقة يمثل خطوة أساسية نحو بناء “الدولة الحضارية الحديثة”، بوصفها دولة تقوم على وضوح السلطة، وتماسك القرار، وخضوع الحاكم للمساءلة، وهي شروط لا يمكن تحقيقها في ظل نظام يقوم على تقاسم السلطة لا على ممارستها.

سابعًا: لأن الأزمات المتراكمة في الدولة العراقية لم تعد تحتمل حلولًا جزئية أو ترقيعية، بل تتطلب تغييرًا في منطق إدارة الحكم نفسه، والانتقال من “نظام توزيع المناصب” إلى “نظام إنتاج السياسات”، وهذا لا يتحقق إلا بوجود حكومة تمتلك أغلبية حقيقية وبرنامجًا واضحًا.

إن الدعوة إلى حكومة الأغلبية المطلقة ليست دعوة نظرية، بل استجابة واقعية لفشل نموذج قائم، ومحاولة لتأسيس نموذج بديل يعيد للديمقراطية معناها، وللدولة قدرتها على الفعل، وللمواطن ثقته بالعملية السياسية. إنها دعوة إلى الانتقال من مرحلة إدارة التوازنات إلى مرحلة بناء الدولة، ومن منطق التوافق القسري إلى منطق التفويض الشعبي الواضح، وهو انتقال لا مفر منه إذا أُريد للعراق أن يخرج من دائرة التعطيل المزمن إلى أفق الاستقرار والإنتاج السياسي الحقيقي.

اضف تعليق