لماذا لم تتشكل الحكومة بعد خمسة أشهر؟

أزمة الكتلة الأكبر في النظام السياسي العراقي

ان اعتبار الكتلة الأكبر هي تلك التي تحصل على أغلبية مطلقة يغير طبيعة العملية السياسية من أساسها، لأنه ينقلها من منطق التوافق إلى منطق الحسم الديمقراطي. وان التحول يتطلب تعديلا دستوريا صريحا يحدد معنى الكتلة الأكبر بوصفها أغلبية مطلقة داخل البرلمان، لا مجرد أكبر عدد نسبي أو تحالف لاحق، لربط الانتخابات بالحكم...

مرّ أكثر من خمسة أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية في 11 تشرين الثاني 2025، وما زال العراق يعيش تحت إدارة حكومة تصريف أعمال، في مشهد يتكرر بعد كل انتخابات لكنه يزداد وضوحًا من حيث دلالاته السياسية. السؤال لم يعد: متى تتشكل الحكومة؟ بل: لماذا يعجز النظام السياسي عن إنتاج حكومة في وقت معقول رغم وجود نتائج انتخابية واضحة؟

الجواب السهل يُحمِّل المسؤولية للخلافات داخل الكتل، أو للصراع على المناصب، أو للتدخلات الخارجية. غير أن هذه العوامل، على أهميتها، لا تفسر الظاهرة بعمق، لأنها تتكرر في كل دورة انتخابية، ما يعني أن المشكلة أعمق من كونها خلافًا عابرًا، وأنها ترتبط ببنية النظام السياسي نفسه.

جوهر الأزمة يكمن في مفهوم “الكتلة النيابية الأكثر عددًا” الذي يُفترض دستوريًا أنه الأساس في تكليف رئيس الوزراء. هذا المفهوم، كما يُطبَّق في الواقع، لم يعد أداة لحسم السلطة، بل تحوّل إلى أداة تفاوض مفتوحة، حيث يمكن تشكيل “الكتلة الأكبر” بعد الانتخابات عبر التحالفات، لا عبر نتائج الاقتراع المباشرة. وبهذا يتحول الفوز الانتخابي من تفويض بالحكم إلى مجرد ورقة ضمن سوق المساومات.

في مثل هذا الإطار، لا توجد كتلة قادرة فعليًا على الحكم بمفردها، ولا توجد آلية واضحة لفرض قرار داخل التحالفات، لأن هذه التحالفات نفسها قائمة على التوازن لا على القيادة. ولهذا تتكرر ظاهرة الاجتماعات التي لا تنتج قرارًا، والنقاشات التي تدور حول “آليات الاختيار” بدل حسم الاختيار نفسه، لأن المشكلة ليست في الآلية بل في غياب جهة تمتلك حق الحسم.

ما يحدث اليوم هو نتيجة منطقية لنظام سياسي يقوم على التوافق القسري بين قوى متنافسة، حيث لا يستطيع أي طرف أن يحكم منفردًا، ولا يستطيع أي تحالف أن يحسم قراره الداخلي بسهولة. وهكذا يصبح تشكيل الحكومة عملية طويلة من التفاوض، لا مسارًا دستوريًا محددًا بزمن واضح.

دلالة هذا الوضع تتجاوز التأخير الزمني. فهي تكشف أن النظام السياسي في صيغته الحالية عاجز عن تحويل نتائج الانتخابات إلى سلطة تنفيذية مستقرة. كما تعني أن مفهوم الأغلبية في البرلمان لا يترجم إلى أغلبية حاكمة، بل يبقى محاصرًا بمنطق الشراكة الإجبارية. وفي ظل هذا الخلل، تتكرر النتائج نفسها: حكومات ضعيفة، قرارات بطيئة، ومسؤولية موزعة إلى درجة التلاشي.

أما الحل، فلا يكمن في تحسين “إدارة الخلاف”، بل في إعادة تعريف أساس تشكيل السلطة. فالمشكلة تبدأ من تعريف الكتلة الأكبر، والحل يبدأ من تصحيحه. إن اعتبار الكتلة الأكبر هي تلك التي تحصل على أغلبية مطلقة (50% + 1) يغيّر طبيعة العملية السياسية من أساسها، لأنه ينقلها من منطق التوافق إلى منطق الحسم الديمقراطي.

في هذا التصور، تصبح الانتخابات وسيلة حقيقية لإنتاج سلطة، لا مجرد خطوة أولى في مسار تفاوضي طويل. كما يفرض على القوى السياسية أن تتجه إلى بناء تحالفات انتخابية واضحة قبل الاقتراع، بدل تشكيلها بعده، ويمنح الناخب قدرة فعلية على التأثير في شكل الحكومة القادمة.

غير أن هذا التحول يتطلب تعديلًا دستوريًا صريحًا يحدد معنى “الكتلة الأكبر” بوصفها أغلبية مطلقة داخل البرلمان، لا مجرد أكبر عدد نسبي أو تحالف لاحق. وهذا التعديل، رغم صعوبته السياسية، يمثل شرطًا ضروريًا للانتقال من نظام ينتج الأزمات إلى نظام قادر على إنتاج حكومات مستقرة.

إن استمرار الوضع الحالي يعني استمرار الدورات نفسها من الفراغ والتعطيل، حيث تبدأ كل انتخابات بأمل الإصلاح وتنتهي بمفاوضات مفتوحة. أما إعادة تعريف الكتلة الأكبر على أساس الأغلبية المطلقة، فهي خطوة باتجاه إعادة ربط الانتخابات بالحكم، وربط الإرادة الشعبية بالقرار السياسي.

وبغير ذلك، سيبقى السؤال يتكرر بعد كل انتخابات: لماذا لم تتشكل الحكومة؟ بينما يكون الجواب معروفًا سلفًا: لأن النظام، بصيغته الحالية، لا يسمح بذلك.

اضف تعليق