في الادب العربي وفي الشعر منه تحديدا باب رئيسي من ابواب الشعر هو الهجاء، وهو نوع من الشعر نقيض المديح يُكتب عندما يريد الشاعر أن يعبر عن سخطه واشمئزازه من شخص آخر. ويقوم على ذكر السُخط والاشمئزاز وذكر المثالب.

وعرف بانواع متعددة في الشعر العربي:

الهجاء الفردي: يوجه إلى فرد ينقم عليه الشاعر فيحاول إظهار مثالبه ويدعو إلى احتقاره.

الهجاء الجماعي: يوجه إلى جماعة من الناس قد تكون هذه الجماعة قبيلة أو مجتمعاً أو أمة ويقوم الشاعر بإظهار مثالبهم وسلب فضائلهم.

الهجاء الخَلقي: يتناول العيوب الجسدية والعاهات البارزة كقصر القامة أو العرج أو طول الأنف........إلخ.

الهجاء الخُلقي يتناول العيوب النفسية كالغدر والخيانة والبخل والكذب.

الهجاء الفاحش يتناول إعراض الناس بألفاظ بذيئة بعيدة عن الأخلاق وهذا النوع يجعل القارئ يشمئز منه.

الهجاء الكاريكاتوري يضخم المساوئ بأسلوب فكاهي ويسخر من الشخص المهجو وهذا النوع يحمل القارئ على الضحك.

الهجاء العفيف يتناول العيوب بشكل يثير الإشفاق ولا يخلو من الفكاهة.

الهجاء السياسي يتناول القضايا السياسية في الدولة وهو يمزج ما بين النقد والسخرية في آن واحد.

ولم يقتصر الهجاء وذكر المثالب على طبقة الشعراء، فهذا كاتب مثل ابو حيان التوحيدي له كتاب اخلاق الوزيرين، سجل فيه الكثير من المثالب بحق كل من ابن العميد والصاحب بن عباد. بل يمكن اعتبار الكتاب بأكمله، عبارة عن مجموعة من الشتائم والسباب.

كان الشاعر ولا زال يحسب على طبقة المثقفين مثله مثل الكتاب والادباء الذين يكتبون في فنون الادب المختلفة.

هؤلاء المثقفون كانوا اهتمام دراسة نشرتها مجلة علوم اللغة الامريكية توصلت من خلالها الى خلاصة تثير الاستغراب بعض الشيء، وهي ان الاشخاص الذين يسبون ويلعنون يملكون ثقافة اعلى ومعرفة اوسع من غيرهم.

نتائج الدراسة التي جاءت بعد تجارب عديدة خلص فيها الباحثون الى استنتاج مفاده انه كلما استخدم الانسان مسبات اكبر واكثر تنوعا، كلما كان مثقفا.

وقال المشرفون على هذه الدراسة وهما عالما النفس كرستين وتيموثي جاي لصحيفة اندبندت البريطانية "عادة ما يتم الحكم على الاخرين من خلال كلامهم. وللاسف، هناك محرمات لغوية وهناك فرضيات تقول إن الاشخاص الذين يستخدمون الكثير من كلمات السباب هم اشخاص كسالى وليس لديهم خزين ملائم من اللغة او انهم يفتقدون الى التعليم الكافي، بل انهم يفتقدون حتى الى القدرة على السيطرة على انفسهم".

غير ان هذه التجربة اظهرت العكس كما يبدو لانها اثبتت ان من يحتاج الى السب والشتم يحتاج في الواقع الى خزين لغوي كبير ما يعني ان الاكثر سبابا هو الاكثر علما ومعرفة واطلاعا.

 وللمثقفين ارث طويل مع الشتائم حتى في ثقافات اخرى، ففي فرنسا ومع محاكمة الضابط دريفوس، نال عدد من الادباء والكتاب الفرنسيين نصيبا وافرا من شتائم مثقفين اخرين نتيجة لمواقفهم من تلك المحاكمة، فقد تم وصفهم بهذه الكلمات:

"هؤلاء المتغطرسون الادعياء هم نفايات ضرورية لسعي المجتمع الحثيث الى خلق نخبة، هؤلاء العباقرة المهزوزون، هؤلاء العقول المسكينة المسمومة، يستحقون شفقة تماثل شفقتنا على فئران الاختبار التي يلقحها بالسعار أساتذة مختبر باستور".

هذه الشتائم كانت من نصيب المثقفين الفرنسيين، قبل أن يعرفوا ويتميزوا بهذه الصفة، كان من بينهم كبار الادباء مثل اميل زولا واندريه جيد ومارسيل بروست. أما الذين انهالوا عليهم بالنقد واللوم والتجريح، فمن المثقفين أيضاً، وإن لم ينتموا إليهم، أنفوا من المصطلح، فقد كان جديداً ومرفوضاً، كانوا حسبما وصفوا أنفسهم مفكرين وطنيين، فإذا كان خصومهم انتسبوا إلى الثقافة، فهم انتسبوا إلى الوطن، أنكروا على كتاب ومفكرين مثلهم النزول إلى الساحة العامة، وتبني قضايا الجمهور.

في الشعر العربي المعاصر، ظهر شعر الشتيمة في منتصف القرن العشرين، مع ظهور الدكتاتوريات والانظمة المستبدة، وكان من هؤلاء الرواد في هذا المجال، مظفر النواب وأحمد مطر والجواهري ومحمد الماغوط ونزار قباني وأحمد فؤاد نجم.

وينظر الكثير من المثقفين والمبدعين الى الشتيمة على أنها غرض من أغراض الادب التي تعالج حالة إجتماعية سياسية. ويجب أن تضاف الى الأغراض الأخرى.

ولاتقتصر الشتائم على الشعر بل انها تتعدى ذلك الى طبيعة اللغة التي يستخدمها المثقفون فيما بينهم وهم يدخلون في سجالات ومعارك مع بعضهم البعض للدفاع عن وجهات نظرهم.

عبر صفحات الصحف اليومية، وانتقلت تلك المعارك الشتائمية بين المثقفين الى مواقع التواصل الاجتماعي، مثل الفيس بوك وتويتر، وكل واحد من هؤلاء المثقفين يستعمل قاموسا لغويا له اول وليس له اخر في شتم المتحاورين معه او المتفاعلين مع ماينشره.

اذا كان شعر الهجاء او شعر الشتيمة قد يكون مقبولا وهو يصور حالة الاحتقان الجماهيري ضد السلطات المستبدة، وهو بكلماته يسبب شرخا لصورة الحاكم المستبد، فانها بين المثقفين انفسهم تكشف عن حالة من المرض النفسي والاخلاقي، وعن عجز في التواصل مع الاخرين والتخلي عن دور المثقف في ان يكون قدوة ومثالا في مجتمعه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0