الفوز برضوان الله –تعالى- لا يريده أمير المؤمنين لنفسه فقط، فهو القائل: "لو كُشف لي الغطاء ما ازددت يقينا"، فهو الإيمان كله، واليقين يسير بقدميه على الأرض، إنما يريده لعامة المسلمين ممن يقرأون كتاب الله، ويهتدون بسيرة نبيه، ويتوجهون كل عام على بيته العتيق...

فزتُ و ربّ الكعبة

كلمةٌ أعجزت السيف الغادر في حدتها وحسمها لموقف يقرر المصير. 

أمير المؤمنين يعلن انتصاره في لحظة تعرضه في محراب صلاته، لضربة ابن ملجم، ولكن! أي انتصار هذا؟

هل هو انتصارٌ عسكري بإلحاق الهزيمة بمعاوية وجيشه؟ 

مضى أمير المؤمنين، عليه السلام، وفي حلقه شجى، وفي عينه قذا مما اقترفته الأمة من خذلان وعصيان، حتى استبدلت هذه الأمة التي يفترض ان تكون خير أمة، خير قائد و زعيم، بمن هو أسوء لهم، وأقرب للذلّ والهوان.

إنما فوزه، عليه السلام، بكمال معرفته لله –تعالى- ثم رضوانه الأكبر، هذه المعرفة التي كانت تشكل حجز زاوية للثقافة الاسلامية في المجتمع الاسلامي الأول، فقد عاصر المسلمون النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، وسمعوا منه، و رأوا سيرته و حياته وتصرفاته، ثم طبقوا شيئاً مما بينه لهم من أحكام السماء، فهم عرفوه، ولكنهم عجزوا عن معرفة من أرسله الى الناس نبياً، بل والحكمة من الرسالة ومن الإمامة ايضاً. 

يستعيد دور النبي الأكرم في التذكير

عندما اقرأ بعض كلام أمير المؤمنين، عليه السلام، استشعر أنه يعود بالأمة الى الوراء حيث عهد الرسول الأكرم، ومرحلة التبليغ بالرسالة والتذكير بوجود الله، الواحد الأحد، و كان النبي الاكرم كشف لمن حوله ذات مرة بأن علياً يقاتل على التأويل كما قاتل هو على التنزيل، بينما المشكلة التي حصلت أن الامة انكفأت على نفسها في مسيرة التكامل الحضاري، و جرّت معها شوائب الجاهلية، ونسبة لا بأس بها من الرين والحجب الكثيفة على القلوب؛ بمعنى أنه، عليه السلام، تحمّل مسؤولية مزدوجة؛ فهو يقاتل على تأويل القرآن الكريم وتقديم الصورة الناصعة والمتكاملة للإسلام وفق وصية النبي الأكرم، كما يقاتل على تنزيله عندما التبس على الكثير أمر التوحيد والشرك والنفاق والإيمان.

ففي خطبة له، عليه السلام، في نهج البلاغة تحت عنوان: "في عظمة الله"، يعرّف لنا الله –تعالى-: "أمره قضاءٌ وحكمة، و رضاه أمانٌ ورحمة، يقضي بعلم ويعفو بحلم".

نحن لسنا أمام قضاء الله وقدره، لا علينا سوى الرضوخ له، إنما وراء هذا القضاء ثمة حكمة لابد ان نفتش عنها في طيات الاقدار التي نواجهها في حياتنا، حتى يكون إيماننا بكل حادث نتعرض له، إيماناً قلبياً يبعث فينا السكينة والاطئمنان بأن ثمة مصلحة إلهية لنا من وراء موت عزيز، أو خسارة مال، أو أي مصيبة تعترضنا في حياتنا، والأمر الآخر؛ عدم امتلاكنا للاشياء في الحياة، فهي تأتي وتذهب دون أي قدرة لنا على الاحتفاظ بها الى الأبد، والآية الكريمة صريحة في هذا السياق: {إنا لله وإنا إليه راجعون}. 

ثم يقول، عليه السلام، إن رضاه على عباده يوفر لهم الأمان في الدنيا والآخرة، كما يوفر لهم الرحمة، وهي أعلى درجات العطف، فاذا رضي الله عن عبدٍ فانه لن يكون بحاجة الى شيء بعده أبدا.

ويعلمنا، عليه السلام، الطريق الى معرفة الله بأن "لسنا نعلم كُنه عظمتك، إلا أنّا نعلم أنك حيّ قيوم، لا تأخذك سِنة ولا نوم، لم ينته اليك نظر، ولم يدركك بصر". 

ويجري الإمام في هذه الخطبة عملية تقييم سريعة لثقافة الناس الدينية لنعرف في أي مستوى نحن، ويأتي بمثال على مسألة الرجاء؛ "يدّعي بزعمه أنه يرجو الله، كذب والعظيم! ما باله لا يتبيّن رجاؤه في عمله، فكلّ من رجا عُرف رجاؤه في عمله، يرجو الله في الكبير، ويرجو العباد في الصغير، فيعطي العبد ما لا يعطي الرب! فما بال الله جلّ ثناؤه يُقصّر به عمّا يُصنع به لعباده"؟!

هذا هو حال كثير من الناس؛ دعاة الإيمان بالله، والتوسّل اليه لقضاء الحوائج، وحل المعضلات، يخفقون في الوصول الى مرتبة الخوف والرجاء في العلاقة مع الله –تعالى-، فالموجود على الأرض حالياً؛ الرجاء فقط، ولقضايا كبرى، ولكنه منفصلاً عن السلوك والتصرفات وحتى نمط التفكير، وما اذا كان متطابقاً مع أحكام الدين، وسنّة الله و رسوله، وقيم السماء، بينما نرى الرجاء لبعض الامور البسيطة في حياتنا من موظف في الدولة، فاننا نعد له كل العدة والعدد لنكون عند حسن ظنه مقابل تمشية معاملة! أليس كذلك؟ ثم البعض هذه الأيام يروج لهذه المعادلة غير المنصفة بأن "لا شيء يأتي بالمجان... عليك أن تدفع"! 

رسالة الإيمان الى الأجيال المتعاقبة

إن الفوز برضوان الله –تعالى- لا يريده أمير المؤمنين لنفسه فقط، فهو القائل: "لو كُشف لي الغطاء ما ازددت يقينا"، فهو الإيمان كله، واليقين يسير بقدميه على الأرض، إنما يريده لعامة المسلمين ممن يقرأون كتاب الله، ويهتدون بسيرة نبيه، ويتوجهون كل عام على بيته العتيق. 

في أتون معركة صفين التي أزهقت فيها أرواح آلاف المسلمين بسبب تمرد شخص مثل معاوية، أخذ الإمام، عليه السلام، مكاناً بعيداً لأداء صلاة الليل، وهي مستحبة، فقال عبد الله ابن عباس: وهل هذه ساعة صلاة يا أمير المؤمنين؟! فقال: "على ما نقاتلهم؟ إنما نقاتلهم على الصلاة"، بينما المعطيات السياسية على الأرض تفيد أن الاهداف التكتيكية والاستراتيجية لتلك الحرب إنما لتحقيق النصر وأن يكون أحد الخصمين هو الحاكم الأوحد! 

وهذا تحديداً ما كان يخاف منه أمير المؤمنين على المسلمين في عهده، وقد انتخبوه حاكماً لهم، فالايمان غير الراسخ في النفوس معرضٌ على طول الخط للاهتزاز اوالاضمحلال مهما بلغ صاحبه من العلم والمعرفة، وأبرز شاهد يقدمه لنا أمير المؤمنين من تجربة الخوارج، أولئك النفر المغترّ بتديّنه، الغافل عن إيمانه ومعرفته بالله –تعالى-، ففي كلام له، عليه السلام، في نهج البلاغة تحت عنوان: "كلّم به الخوارج" يقول: "أصابكم حاصبٌ، ولا بقي منكم آبر"، يبين المفسرين كلمة حاصب، أنها الريح الشديدة التي تثير صغار الحصى، أما "الآبر" فانها كناية عن النمّام الذي يفسد ذات البين، او من يبغي الفتنة. 

في هذه الايام الأليمة التي نستذكر فيها استشهاد سيد الأوصياء والمتقين، أمير المؤمنين، عليه السلام، نستلهم عبرة واحدة من عِبر لا تعد من حياة هذه الشخصية العظيمة، وهي أن نعرف من نعبد، ومن ندعي الإيمان به، ولا نكون مثل عابد بني اسرائيل الذي أعجب نبي الله موسى بعبادته، فأوحى الله اليه أن جالسه لترى حقيقة إيمانه وعبادته، فقال له العابد: أرجو ان يبعث الله حماراً له ليأكل من هذه الاعشاب الوفيرة على الأرض! 

وأحياناً تكون السطحية والشكلية في الإيمان لها نتائج وآثار كارثية على حياتنا، وعلى مصائرنا وعواقب أمورنا، لذا يجدر بنا الحذر على طول الخط بأن نكون ممن يطمئن على فوزه برضوان الله في كل لحظة يكون فيها أجله.

اضف تعليق