في ذكرى ولادته المباركة، لا نقف عند التاريخ، بل أمام سؤال حاضر: هل نحتاج اليوم إلى سيوف جديدة، أم إلى صحائف جديدة تعيد ترتيب علاقتنا بالله والإنسان والحياة؟ إن سيرة الإمام زين العابدين (عليه السلام) تقول لنا بوضوح: حين ينهك الجسد، يبدأ دور الروح، وحين تسقط الأصوات، يولد الوعي...
كيف يمكن لإمامٍ خرج من قلب المأساة أن يعيد للأمة قدرتها على الوقوف من جديد؟ سؤال لا يخص التاريخ وحده، بل يمتد إلى حاضرنا المثقل بالأزمات، ويقودنا مباشرة إلى سيرة الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام)، الإمام الذي لم يبدأ مشروعه من ساحة انتصار، بل من ركام كربلاء.
ولد الإمام زين العابدين (عليه السلام) في الخامس من شعبان سنة 38 هـ، في بيتٍ اختلط فيه النسب النبوي بالطهر الإمامي، لكنه لم يولد في زمن هادئ، بل في مرحلة كانت الأمة تهيأ فيها لأقسى اختبار أخلاقي وعقائدي في تاريخها. ولادته لم تكن حدثاً عادياً، بل كانت إعلاناً مبكراً عن قدوم دورٍ مختلف من أدوار الإمامة؛ دور البناء بعد الانكسار.
ثمرة حكمة إلهية
فحين وقعت فاجعة كربلاء، ظن البعض أن المرض الذي أصابه يوم عاشوراء كان علامة عجز، بينما كانت الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. لقد كان هذا المرض باب النجاة الذي حفظ خط الإمامة، لأن المرحلة القادمة لم تكن بحاجة إلى سيف، بل إلى عقل، وصبر، ونفس طويل.
النجاة
فالإمام الذي نجا من القتل، حمل مسؤولية أعظم: أن يحمل دم الشهداء حياً في ضمير الأمة، من دون أن يراق دم جديد. ومن هنا تبدأ فرادة الإمام زين العابدين (عليه السلام)؛ فقد انتقل بالمعركة من ساحة السلاح إلى ساحة الوعي.
أبواب السماء
لم تكن الصحيفة السجادية مجرد أدعية تقرأ، بل مشروعاً تربوياً متكاملاً لإعادة بناء الإنسان. في كل دعاء، كان الإمام يعلم الناس كيف يفكرون، وكيف يربطون الإيمان بالسلوك، والعبادة بالمسؤولية الاجتماعية. لقد حول الدعاء إلى أداة مقاومة ناعمة، تحرك الضمير وتوقظ العقل من دون أن تمنح الطغاة ذريعة للبطش.
الصمت
ففي زمن القمع الأموي، كانت الكلمة الصاخبة تقتل قبل أن تصل، بينما الكلمة الهادئة المتغلغلة في الوجدان كانت تعيش وتثمر. لذلك ركز الإمام على بناء “الإنسان الصامت”، الإنسان الذي يحمل قناع الهدوء، لكنه يمتلك وعياً راسخاً لا يشترى ولا يكسر.
رسالة الحقوق
وثيقة سبقت عصرها، لم تتحدث عن حق الحاكم فقط، ولا عن حق الفرد بمعزل عن المجتمع، بل رسمت منظومة متكاملة للحقوق تبدأ من علاقة الإنسان بربه، وتنتهي بعلاقته بالناس وحتى بأدواته وجوارحه. إنها رؤية أخلاقية للدولة والمجتمع، لو طبقت اليوم لغيرت الكثير من مفاهيم السلطة والعدالة.
إمام ما بعد الصدمة
فالمجتمع بعد كربلاء كان مجتمعاً مكسوراً، خائفاً، يجّ أذيال الهزيمة النفسية. ولم يكن العلاج بالسيوف ولا بالثورات العجولة، بل بإعادة الثقة بالله، وبإحياء معنى الكرامة الإنسانية من الداخل. لهذا كان بكاء الإمام عبادة، ودعاؤه ثورة، وصبره موقفاً سياسياً بامتياز.
ولادته بداية منهج
منهج يقول إن الإصلاح لا يكون دائماً بالصوت العالي، وإن حفظ القيم قد يتطلب أحياناً أن نغير أدوات المواجهة لا أهدافها. لقد أثبت الإمام زين العابدين (عليه السلام) أن بقاء الرسالة أهم من لحظة الانتصار، وأن بناء الإنسان هو الطريق الأطول… لكنه الأضمن.
وفي ذكرى ولادته المباركة، لا نقف عند التاريخ، بل أمام سؤال حاضر:
هل نحتاج اليوم إلى سيوف جديدة، أم إلى صحائف جديدة تعيد ترتيب علاقتنا بالله والإنسان والحياة؟ إن سيرة الإمام زين العابدين (عليه السلام) تقول لنا بوضوح: حين ينهك الجسد، يبدأ دور الروح، وحين تسقط الأصوات، يولد الوعي.



اضف تعليق