بدأ الليل ينجلي شيئا فشيئاً، مودعا النجوم والقمر، ها قد انتهت رحلته اليوم، بزغت خيوط الفجر الأولى، حمامات تهدل بصوتها، وزقزقة العصافير تملأ السماء، الساعة تشير إلى السابعة صباحاً.

جلستْ قرب المدفئة داخل منزلها، الصمت يمكث على جدرانه، عدا صوتها تهمهم مع نفسها، ها هو يوم جديد حل ولم يأت أحد منهم، تسقط دمعة وتليها أخرى، غداً يأتون لعلهم مشغولون اليوم، منذ سنوات طويلة، وهي مازالت مستمرة في هذه الأماني اليائسة، تتجه نحو غرفة الأولاد تخرج علبة متوسطة الحجم بزخارف قديمة، تعود قرب المدفئة لتجلس وهي تحاول أن تفتح العلبة الخشبية، أشياء صغيرة، أساور صغيرة، سيارات أطفال، صور تغيرت لونها فأصبحت بلون واحد، تسترجع ذكرياتها الماضية، تشم ملابسهم لعله يرجع النظر إليها، كل شيء يبدو غريبا وحزينا، ثياب صغارها، ذكرياتهم، فمازالت ضحكاتهم تملأ المنزل....

كل هذا اختفى!!!

تسأل هذا وذاك، هل رأيتم أولادي؟ وأقبلت تسرع الى كل من تعرفه من أقارب وأصدقاء تسألهم ما الأمر؟؟؟

وكعاداتهم لم يكترثوا لوجودها ولم يرحموا قلب أم تبحث عن أولادها بل طردوها هم ايضا!....

أمسكتْ بيدي، وقادتني إلى شجرة سدر ملتصقة ببيتها، باقية صامدة منيعة، وقفنا عند الشجرة، تقبّل الشجرة، أولادي كانوا هنا يلعبون..

هذا محمد كان طويل القامة، عريض المنكبين، ولحيته متناسقة، واسع العينين.

وجمال ابني المدلل الولد العنيد، والأصغر هو إبراهيم كان شقيا جدا، الكل يشكو من سوء تصرفاته، لكني أحبهم جميعاً.

نظرتْ إلى السماء وعلت على وجهها ملامح الاشتياق.

"ألطف بهم يا أرحم الراحمين"

عجبت لحالتها.

اعتادت الجلوس قرب المدفئة، سرير خشبي صغير بصعوبة يتحمل جسدها النحيل، ضوء واحد في هذا الدار، فنجان من القهوة، سجادة وقرآن كل ما تملكه هذه المرأة.

تطيل النظر عبر النافذة، ها هي السماء محملة بالأمطار بعد أن سقيت الأرض ورويت أشجارها وقع الندى على الأوراق.

مضطربة البال، قلقة الخاطر، تهز برأسها، "محظوظون أولئك الذين يحتضنون أولادهم في هذه الأوقات" جسدها المتعب، وعينها الذابلة من السهر، في جوفها حكايات حزينة تنهمر عن غياب أولادها، بدأ المرض يتسلل إلى جسدها الهزيل، بعد إصابتها بالسكر، بقيت وحيدة، ترى دربا يمتد بعيدا عنها، تبكى كلما ذكروا أبناءها الثلاثة، تغيرت ملامحها، الشعر الأسود أصبح اليوم لوحة للشيب، شال أسود، ثوب طويل، ثلاثة تجاعيد في وجهها بعدد أولادها، تحكي ملامحها الوقورة على الرغم من كبرها إلا أنها تحمل البراءة، أطلتُ النظر بوجهها وانا اقرأ القصص والصفعات التي مازالت محفورة في وجهها، دمعتي تسقط من عيني، لمحت دموعي، ولكنها سرعان ما أخذت تمسحها بذيل ثوبها، عادت تبحث عن أولادها، تبحث في منزلها عن اشارة أو ملاحظة صغيرة، أخذت تعانق الجدران.

مكان موحش تسكنه عجوز بلا عائل ولا قريب، في ظروف إنسانية بائسة، في الثمانين من عمرها، تصارع قسوة الحياة، وجفاء الأولاد وعقوقهم، لم تتوقع أن ترى حالها بائسة ليس لها أحد، حتى جاء عمرها مسرعاً وخذلها كما خذلها أبناؤها، تذرف الدموع، تمسك بيدي قائلة: ابنتي هل أمك مازالت على قيد الحياة؟

قلت: نعم الحمد لله.

قالت حافظي عليها جيداً فشعور فقدان الأبناء مؤلم جداً، صوتها يختنق بين العبرات..

بحثتُ عن سيرة حياة هذه المرأة الطاعنة في العمر، محدودبة الظهر ترتجف أصابعها، أجابت السيدة مريم، أن هذه المرأة لديها ثلاثة أبناء، محمد وجمال وإبراهيم، من عائلة معروفة بالمال والجاه، وجدناها على باب الدار في صباح يوم السبت بتاريخ 1-7 2010 معها حقيبة تحتوي على ملابسها وأشيائها الخاصة، قالوا لها أن هذه الدار لأخيها المسافر إلى كندا وتستقر في هذا المكان وسيأتون بممرضة خاصة تساعدها.

فتحنا باب الدار، استغربت من وجودنا قائلةً: هذا دار أخي ماذا تفعلون هنا!؟

لم نرد عليها لأننا نسمع من هذه الأقوال كثيرا، طلبت أن تتصل بمنزل أولادها

أخذ الهاتف يرن ويرن حتى فجعها بصوت انتهاء الرنين ما الذي يجري؟؟؟ أين ذهبوا؟؟؟

جاءت إلى هذه الدار بأمر من اولادها، ماذا ستفعل؟ انقضت ثلاث ليال لم تترك أحدا إلا واتصلت به، كانت تأمل عودتهم وحالها كالمجنونة، الى أن وصلت تلك الرسالة التي جعلت منها عاجزة حقا، كانت تحمل توقيع إبنها، قرأتها موظفة دار العجزة أن ابنك هو الذي أتى بك هنا وأنه هو وزوجته وأولاده غادروا الوطن ليبدؤوا حياتهم معا، بعيدا عنك..

ولكن كان أتعس ما في الأمر أن اولادها قد اتفقوا عليها.

قررت أن تطلب من مسؤولة الدار أن ترجعها لدارها الكائن في الحي الفلاني..

حاولت أن تحل المشكلة مع اولادها ولكن لم تجد سببا مقنعا.. فأخبرتها بأن أولادها الثلاث قد تنازلوا عن أمهم، وأخيرا أفشت لها الموظفة بالسر.. إن أولادها قد رموها في دار العجزة!!!...

فاغرورقت عيناها بالدموع

وحزنا على حالتها.. وإلى يومنا هذا لم يأت أحد منهم ويسأل عنها ويتفقد أحوالها، وهي على الرغم مما فعلوه بها، تذكرهم في الأكل والشرب، حتى في أعياد ميلادهم تطلب منا أن نأتي لها بالكيك وتزيّن الدار احتفالا بعيد ميلاد ابنها، كل يوم تقول لي هل اتصل جمال؟ هل اتصل إبراهيم؟ عندما اقول لها: لا. ترد وهي تخفي دموعها، جهاز هاتفكم يحتاج الى صيانة.. اولادي يتصلون بي حتما ولكن الخلل في هاتفكم.

ترفض أي أحد يتكلم عن أولادها بسوء، وتختلق لهم الأعذار حتى لا تغضب منهم، عندما يسألونها اين هم اولادك؟؟ تقول لهم: اولادي في قلبي ما دام قلبي ينبض فهم موجودون. الاكثر ايلاما ان يدها مشدودة من اثر رمية ابنها لها عند عتبة الدار.

تلصق صورهم عند سريرها وتقبلهم في الصباح وقبل النوم، تناغي لهم بأسمائهم، عندما يجن الظلام كل من في الدار يسمع مناغاتها،، (دللول يلولد يبني دللول.. أمك بعيدة ونام مرتاح.. دللول يلولد يا نور العيون.. سهرت برباك من تعب حيلي.. ردتك ذخر لايام شيبي.. تشيل من العمر مره.. دللول يا لولد انام شلون وانت بعيد عني)..

آه يا زمن ما أقسى قلوب بعض البشر.. ما هذه الجرأة أن يجلب الإبن والدته في وضح النهار ويسلمها لدار المسنين.. لتعيش ايامها الاخيرة، ام محمد التي لاقت الويل والمعاناة في سبيل تربية ابنائها بعد وفاة والدهم يتركونها في دار المسنين لتواجه الجدران الأربعة، كيف لابن ان ينام وامه بعيدة عنه؟، ورضا الله من رضا الوالدين.. اين رضاهم؟؟ تحملت معاناة الحمل وألم الولادة، وسهر الليالي، مكافأتها كانت رميها بدار العجزة، اين حق الام؟! هل ترضون ان يفعل بكم ابناؤكم هكذا؟، قريبا هو ذاك اليوم الذي يرمون بكم في دار العجزة، تذكروا يوما لكم ويوما عليكم..

مسنون خدموا أبناءهم طول العمر وكانت دور العجزة هدية نهاية الخدمة!!

كابدت الحزن في صمت عميق، وأقفلت نوافذ غرفتها في وجه كل ريح عاصفة، حاملة بذكريات أولادها، وتعود إلى سريرها، المكان الذي قبرت فيه ابتسامتها البائسة، هناك كانت آخر وقفة على حافة الماضي، قبل أن يأخذها الغياب إلى آخر العمر..

"وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين احسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما».

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق
الاديب علي حمزة الكربلائي
كربلاء المقدسة
الله الله روعة تسلم ايدك قصة جميلة جدا والاجمل هو السرد وصف حال الام.بالتوفيق استاذة مروة2015-12-11
الكاتب ايمن البغدادي
العراق
لهذه الكاتبة مستقبل في عالم القصة اسلوبها مؤثر وطرحها انساني مما يجعلها مميزه في السرد اتمنى لها مستقبل زاهر ونحن في انتظار جديدها2015-12-10
امل النصراوي
العراق
قصه من واقعنا اني مره زرت دار العجزه في كربلاء والحقيقه بكيت عليهم واحدى النساء الكبيرات لا اعرفها مسكت يدي واجلستني بقربها وكانت تتمنى ان تتحدث مع اي شخص وحكت لي قصه اولادها وهم من الشمال يعني اكراد وقالت لي ثلاث اولاد زوجاتهم رفضوا ان اجلس معهم وكانت تبكي وتقول حقهم وتدعو لهم ولاولادهم فابكتني كثيرا
احسنتي حقيقة قصتك رائعة .2015-12-10
رحيم الربيعي
احسنتي مااقسى قلوب البشر لاحول ولاقوة الا بالله العلي العظيم2015-12-10

مواضيع ذات صلة

2