المرحلة المقبلة تتطلب استمرار هذا النمط من الإدارة؛ عقلانية هادئة، لا تُستفزّ بالشائعات ولا تنجرّ إلى المناكفات. فالدولة العراقية، التي أنهكتها الانقسامات، لا تحتمل مزيداً من التجريب. ما تحتاجه الآن هو الاستقرار، لا بمعناه الجامد، بل بمعنى القدرة على إدارة التغيير دون كسر التوازن...

حين تُطوى صناديق الاقتراع وتخفت ضوضاء الحملات، تبدأ المرحلة الأكثر صدقًا في حياة الأمم: مرحلة ما بعد التصويت. فالمسألة ليست فيمن يفوز، بل في الكيفية التي تُدار بها النتائج، وكيف تتحول الإرادة الشعبية إلى فعلٍ مؤسسيٍّ يُعيد للدولة حضورها وهيبتها. هنا يتبدّى الفرق بين الانتخابات بوصفها حدثاً سياسياً، وبينها كعلامةٍ على نضوج الوعي الوطني.

العراق، بعد عقدين من التجارب الديمقراطية المتعاقبة، لم يعد ذلك الكائن المرتبك بين أحلام الحرية وحقائق الفوضى. صار أكثر درايةً بأزماته، وأعمق وعياً بحدود الممكن، وأكثر ميلًا إلى الواقعية التي تبني، لا إلى الرغبات التي تشتت. لهذا، تأتي الانتخابات المقبلة محمّلة بتجربةٍ ناضجة، لم تعد تقيس الديمقراطية بعدد المقاطعين أو المشاركين، بل بقدرة الدولة على الاستمرار والتوازن وسط عواصف المنطقة.

في الأسابيع الأخيرة، راجت الكثير من الشائعات حول تدخلاتٍ خارجية في تشكيل الحكومة المقبلة. بعض تلك الأحاديث زعمت أن عواصم بعينها تسعى لتحديد من يتولى الوزارات السيادية، وأنها تمارس ضغوطاً لإعادة رسم الخريطة السياسية بما يخدم مصالحها. غير أن هذه الروايات، على الرغم من جاذبيتها الإعلامية، تفتقر إلى أدلةٍ ملموسة. فالواقع يشير إلى أن العراق، بخبرته المريرة مع الوصايات، تعلم كيف يوازن بين القوى الكبرى دون أن يتنازل عن قراره الوطني.

لم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى بغداد كملفٍ أمنيٍّ فحسب، بل كدولةٍ لا غنى عنها في استقرار الإقليم. وإيران، من جانبها، باتت تدرك أن عراقاً متماسكاً أكثر فائدةً لها من عراقٍ غارقٍ في الانقسامات. هذا الإدراك المتبادل خلق نوعاً من التوازن الهادئ في الساحة العراقية، سمح للدولة بأن تتحرك بهامشٍ أوسع من القرار المستقل، بعيداً عن الضغوط المباشرة والمساومات الحادة.

في قلب هذا التوازن، تبرز تجربة الحكم الحالية كاستثناءٍ إيجابي في مسارٍ طويل من الاضطراب. فقد استطاعت، رغم الصعوبات المتراكمة، أن تعيد للدولة هيبتها الإدارية، وأن تُشعر المواطن بأن الحكومة عادت لتعمل، لا لتتحدث. مشاريع الإعمار والبنى التحتية بدأت تتنفس من جديد، والمؤسسات الأمنية استعادت شيئاً من انضباطها، فيما تسعى السياسات الاقتصادية إلى ضبط إيقاع السوق وتقليل التبعية.

لم يكن الطريق سهلًا. فالإرث الذي تراكم عبر السنين ثقيل، والمجتمع العراقي مثقلٌ بتحديات البطالة، وضعف الخدمات، وتداخل الولاءات، والضغوط الإقليمية. لكن ما تغيّر هو طريقة إدارة هذا التعقيد: من ردّ الفعل إلى الفعل، ومن الفوضى إلى التخطيط، ومن الخطاب الشعبوي إلى لغة الإنجاز الهادئ.

العراقيون اليوم لا ينتظرون المعجزات. يكفيهم أن يشعروا بأن الدولة تمضي في مسارٍ واضحٍ، وأن القانون بدأ يستعيد مكانه، وأن المسؤول لم يعد محصناً خلف جدران حزبه أو طائفته. هناك وعيٌ جديد يتشكل، قوامه أن الإصلاح لا يُفرض من الأعلى، بل يُبنى من القاعدة، وأن البناء لا يحتاج إلى شعاراتٍ مرتفعة بقدر حاجته إلى عملٍ يوميٍّ صامتٍ ومثابر.

المرحلة المقبلة تتطلب استمرار هذا النمط من الإدارة؛ عقلانية هادئة، لا تُستفزّ بالشائعات ولا تنجرّ إلى المناكفات. فالدولة العراقية، التي أنهكتها الانقسامات، لا تحتمل مزيداً من التجريب. ما تحتاجه الآن هو الاستقرار، لا بمعناه الجامد، بل بمعنى القدرة على إدارة التغيير دون كسر التوازن.

لقد أثبتت التجربة أن القوة الحقيقية للحكم لا تُقاس بعلو الصوت، بل بقدرة الدولة على الإنصات. وأن السياسة ليست ساحةً للصراع فقط، بل مساحةً للتدبير وحماية الناس من آثار الصراعات. من هنا تأتي أهمية المرحلة الحالية: فالإدارة الهادئة، التي تمضي بخطواتٍ محسوبة، تعيد تعريف علاقة المواطن بالحكومة، وتعيد الثقة المفقودة بين الدولة ومجتمعها.

أما الحديث عن الخارج، فقد كثيراً من تأثيره في المزاج العام. فالمواطن العراقي لم يعد منشغلًا بتقاطع المصالح الإقليمية والدولية بقدر انشغاله بالكهرباء التي لا تنقطع، والوظيفة التي تُمنح بالكفاءة، والعدالة التي تطال الجميع. هذه البساطة في المطالب هي التي تمنح الشرعية الحقيقية لأي سلطة، وتجعل الإنجاز الملموس أبلغ من أي خطابٍ سياسي.

ولأن الدول تُقاس بقدرتها على تحويل الأزمات إلى فرص، فإن العراق اليوم يقف أمام اختبارٍ جديد: كيف يحافظ على التوازن بين الإصلاح والواقع، بين الطموح والإمكان، بين الدولة ككيانٍ إداريٍّ والسياسة كفنٍّ للممكن؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة أيضاً. فالمؤشرات الأولى تقول إن الدولة بدأت تتعلم، وأن الإدارة الراهنة تنظر إلى المشكلات بعينٍ أهدأ وأطول نفسًا، لا بعينٍ غاضبة أو متعجلة.

ما يهمّ الآن ليس من سيحكم، بل كيف يُدار الحكم. فالوجوه قد تتبدل، لكن الفلسفة التي تُدير الدولة هي التي تصنع الفرق. وفي السنوات الأخيرة، بدأ العراقيون يلمسون ملامح هذه الفلسفة: تقديس العمل، محاربة الفساد دون ضجيج، ترسيخ مبدأ الخدمة بدل السلطة، وإعادة الاعتبار للمواطنة كمصدرٍ وحيدٍ للشرعية.

إن ما بعد الانتخابات ينبغي أن يكون مرحلة تثبيتٍ لا تبديل، واستمرارٍ لا انقطاع. لأن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى وقتٍ يترسخ فيه المنجز، وتنتقل فيه الأفكار من الخطط إلى الواقع. التجارب السابقة أثبتت أن تبديل المسار كل دورةٍ انتخابية يبدد الجهد ويعيد الدولة إلى نقطة الصفر. أما الاستقرار، حتى لو كان بطيئاً، فهو وحده الذي يمنح الثقة ويصنع التحول.

قد يختلف الناس حول التفاصيل، لكنهم يتفقون اليوم على جوهرٍ واحد: أن العراق بحاجةٍ إلى إدارةٍ هادئةٍ، عقلانيةٍ، تعرف كيف تتعامل مع الداخل بحزمٍ ورحمة، ومع الخارج بندّيةٍ ولباقة. وأن هذه الروح التي بدأت تتجذر، تستحق أن تستمر كي تؤسس لجيلٍ جديد من السياسة، جيلٍ يتقن فن البناء لا فن الجدال.

ما بعد الانتخابات، إذن، ليس انتظاراً لنتائجٍ رقمية، بل انتظارٌ لمرحلةٍ تنضج فيها التجربة الديمقراطية وتتحول من أداةٍ للصراع إلى وسيلةٍ للبناء. فالمواطن لم يعد يلهث وراء الشعارات، بل صار يميز بين من يتحدث ومن يعمل، بين من يَعِد ومن يُنجز. وهذا الوعي الشعبي هو الرصيد الأكبر لأي حكمٍ يسعى لترسيخ الدولة لا ترسيخ نفسه.

العراق اليوم على عتبة هدوءٍ نادر. ليس هدوء الضعف، بل هدوء الدولة التي تعرف ما تريد، وتمضي نحوه بخطواتٍ محسوبة. هذا الهدوء يجب أن يُصان، لأن خلفه تتشكل ملامح مستقبلٍ مختلف، دولةٍ لا تُدار بالصدفة ولا تُساق بالعاطفة، بل تُبنى بعقلٍ مسؤولٍ وإرادةٍ واقعية.

وحين ينظر المؤرخ بعد أعوامٍ إلى هذه المرحلة، قد لا يجد فيها خطاباتٍ مدوية، لكنه سيجد شيئاً أهم: بداية تشكّل الدولة العراقية الحديثة، التي خرجت من دوامة التجريب إلى طريق الاستقرار، ومن ضجيج السياسة إلى هدوء الإدارة. تلك هي البداية التي يستحقها هذا البلد بعد قرنٍ من التعب، وتلك هي الإجابة الأهدأ والأصدق على سؤالٍ يتكرر منذ سنوات: ماذا بعد الانتخابات؟

اضف تعليق