هل فقد الحكام الاتراك عقلهم؟، مثلما قال الرئيس الروسي "بوتين" خلال تأبين الجندي الذي قتل بعدما اسقطت تركيا طائرته الحربية على مقربة من الحدود بينها وبين سوريا.

ام ان ما تقوم به من تحركات عسكرية وسياسية "استفزازية"، هي جزء من تصرفات مركزة ومدروسة بعناية تامة؟

لكن إذا كان أحد الاحتمالين "ذهاب العقل" او "الاستفزاز" هو الأقرب لحقيقة وصف ما تقوم به تركيا حاليا... قد يأتي السؤال الأهم لتلخيص هذه الفوضى وهو لماذا تقوم تركيا بذلك؟

فبعد ان اسقطت الطائرة الروسية في سوريا، تحركت مجددا للتدخل في الشأن العراقي الداخلي، بالتعاون مع (بارزاني) رئيس إقليم كردستان العراق و(اثيل النجيفي) محافظ الموصل السابق، حيث أرسلت جنودا وعربات ومدرعات ودبابات تركية الى معسكر قريب من مدينة الموصل شمال العراق، لتدريب المزيد من المتطوعين (ربما يقدر عددهم 2000 عنصر) التي تدار تحركاتهم خارج نطاق سيطرة الحكومة المركزية منذ أكثر من عام، (حتى رواتبهم تدفع من الجانب التركي)، بحجة المساهمة في تحرير مدينة الموصل من سيطرة تنظيم داعش.

في مقال نشرته صحيفة "المانيفستو" الإيطالية ذكرت فيه إن "أكراد العراق الذين انشغلوا في الفترة الماضية بالدفاع عن أنفسهم ضد خطر تنظيم الدولة، يعيشون صراعات داخلية وانقسامات، ولديهم طموحات توسعية، ستظهر أكثر مع انقشاع غبار الحرب على تنظيم الدولة".

وقالت الصحيفة ايضا إن "أساليب البرزاني لمحاربة خصومه أصبحت معروفة، فقد عمد في الفترة الماضية إلى إقصاء حركة (كوران) من الحكومة، بحجج عديدة، من بينها تجنب الفوضى الداخلية في ظل الحرب على تنظيم الدولة، وهو ما تعتبره المعارضة استغلالا خبيثا من بارزاني للحرب الدائرة، لأنه لا يزال يتمسك بالسلطة بعد دورتين رئاسيتين تلاهما أيضا تمديد لفترة حكم في 2013 بسنتين".

وبارزاني لم يفتعل الازمات فقط مع الأحزاب المعارضة لاستمرار سلطته المطلقة داخل الإقليم فحسب، بل استمر في خلق الازمات مع الحكومات المركزية المتعاقبة على حكم العراق منذ العام 2003 وحتى اليوم، وقد تطورت الازمات منذ المطالبة بمحافظة (كركوك) ونسبة (17%) من حصة الموازنة الاتحادية، لتصل الى تصدير النفط والانفصال الكامل عن المركز والتوسع بضم المزيد من الأراضي المجاورة للإقليم والتصرف كسلطة مطلقة لا تلتزم فيها بسيادة العراق فوق أراضيه كما فعل مؤخرا بالتعاون مع تركيا بعد عودة من زيارة السعودية.

تركيا، على الأرجح لم تفقد عقلها، ولا تريد ان تستفز روسيا بدخول العراق، لمجرد انها حرمت من دخول سوريا، لكنها تبحث عن مصالحها حالها في ذلك حال الاخرين، بما فيهم روسيا، والتي تندرج تحت نوعين من المصالح

- مصالح داخلية بعد موجة الغضب الشعبي وانحدار الشعبية التي واجهها حزب العدالة والتنمية أثر الهجمات الإرهابية التي طالت المدنيين الاتراك، إضافة الى ضعف النمو الاقتصادي والتضييق على الحريات العامة، وعودة الصراع مع المعارضة الكردية أثر انهيار اتفاق السلام، ما خلف موجة من العنف راح ضحيتها المئات من القتلى والجرحى... كل هذا وغيره يحث اردوغان للبحث عن تهدئة المصالح الداخلية بافتعال المزيد من الانتصارات للحزب الحاكم... خصوصا وانه قادم على تغييرات دستورية لزيادة صلاحياته الرئاسية لأول مرة في تاريخ تركيا الحديث.

- مصالح خارجية اقتضت تعديل خطط اردوغان في سوريا والاستدارة نحو العراق من جديد، سيما وان الازمة التي فجرتها اسقاط الطائرة التركية اقنعت تركيا بجدية روسيا في الحفاظ على حليفها ومنع المخططات التركية بإقامة "ملاذ امن" او "منطقة حظر للطيران" او "اسقاط الأسد ونظامه"، ولعل تركيا والسعودية وقطر والامارات وغيرها من الدول التي لم تستطع اقناع الولايات المتحدة الامريكية وروسيا وفرنسا واغلب دول الاتحاد الأوربي، بضرورة اسقاط الأسد، كمقدمة لحل سياسي هناك، ربما باتت ترغب بإقامة تحالف خاص بها ينشط في شمال العراق بالتعاون مع بارزاني، كخاصرة ضعيفة لا يغطيها أي تحالف بين روسيا من جهة والولايات المتحدة الامريكية من جهة أخرى.

بارزاني الذي تسبب بالكثير من المشاكل للعراق وحكومته المركزية، يجد اليوم الفرصة مؤاتيه لاستغلال ازمة دولية جديدة وعكسها على الداخل العراقي بلا مبرر سوى لدفع الازمات الداخلية التي يعاني منها هو شخصيا في الحفاظ على سلطته المطلقة الى الابد، من خلال توريثها الى الأبناء او (ال بارزاني)، بعد ان ارتفعت الأصوات المعارضة لاستمراره في السلطة...

الهم المشترك بين (بارزاني) و(اردوغان) هو حب السلطة والاحتفاظ بها أطول فترة ممكنة، عبر اثارة الازمات الداخلية ام الخارجية، فلا فارق بين الاثنين، فالاهم هو البقاء في سدة الحكم، ما دام الامر ممكن.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0