الجانب الآخر يتمثل بتغييب للقوى الوطنية العابرة للمناطقية والطائفية، وبالتالي غياب البرامج الوطنية الحقيقية من جهة، ومن جهة ثانية ترسيخ هذا التقاسم للسلطة باعتباره مناسباً لهذه الأحزاب والقوى السياسية. هنا نجد إننا بحاجة ماسة لتحديث الأفكار السياسية وولادة جيل سياسي جديد من شأنها تصحيح أخطاء التأسيس وصولا لبناء دولة المواطنة...
مرت الدولة العراقية الحديثة بعدة مراحل أولها النظام الملكي الدستوري من عام 1921- 1958 واتسمت هذه المرحلة بهيمنة بريطانية على القرار العراقي من جهة، ومن جهة أخرى قمع للقوى الوطنية التي حاولت إبعاد العراق عن هذه الهيمنة واستقلالية القرار العراقي.
المرحلة الثانية مرحلة الجمهورية الأولى من 1958- 1963 والتي تأسست بعد سقوط الملكية وقيام النظام الجمهوري بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم واتسمت هذه المرحلة بصفتين مهمتين الأولى زيادة محاولات الانقلاب على هذا النظام، والثانية طفرة كبيرة في التنمية والبنى التحتية وتحرير القرار السياسي العراقي وبالتالي تحرير الاقتصاد العراقي عبر فك الارتباط بالجنيه الإسترليني مما عزز من فرص تقديم الخدمات على جميع المستويات للشعب العراقي.
المرحلة الثالثة مرحلة الأخوين عارف من 1963-1968 وهي مرحلة هادئة جدا في تاريخ العراق سارت فيها أمور الدولة بشكل طبيعي حتى بدأت المرحلة الرابعة من 1968- 2003 مرحلة حكم حزب البعث المنحل عبر البكر- صدام والتي شهدت عدة منعطفات بدأت بحكومة الحزب القائد وصولا للحزب الواحد ثم حكم القرية وأخيرا حكم الفرد الواحد مما جعل العراق يخوض عدة حروب ومغامرات لا جدوى منها أدت في النهاية إلى السقوط المدوي لهذا النظام في التاسع من نيسان 2003 عبر احتلال العراق من قبل القوات الأمريكية.
المرحلة الخامسة بدأت عام 2003 هي مرحلة بناء الدولة الديمقراطية التعددية وفق النظام البرلماني الفدرالي وهو يعني لأول مرة إشراك الشعب في انتخاب ممثليه في البرلمان مع مشاركة فعالة للأحزاب والقوى السياسية العراقية.
لكننا لو نظرنا إلى عملية تأسيس الدولة العراقية وبناءها عام 2003 نجد إن أمريكا نظرت للعراق وشعبه على إنه دولة مكونات وتعاملت وفق هذا الرأي في تأسيس مجلس الحكم وفق نظرية حصص لكل مكون ( شيعي – سني – كردي)، وهو ما انعكس لاحقا على كل الحكومات التي تشكلت وقبل ذلك على الدستور العراقي الذي كرس بطريقة أو بأخرى هذه الصيغة في الحكم وإدارة الدولة وهو بالتالي تأسيس خاطئ كان ينبغي تجاوزه وعدم التمسك به والعبور صوب الدولة الوطنية بعيدا عن التقسيمات، التي طرحتها أمريكا عام 2003 عند تشكيل مجلس الحكم آنذاك.
هذه الحالة المرفوضة شعبياً والتي شكلت أحد أسباب تراجع الخدمات ووحدة القرار وتباين الرؤى في الكثير من القضايا المهمة مما يعني أن أمريكا تمكنت من زراعة عدم الثقة بين مكونات الشعب العراقي وهذا تجلى بوضوح في رفض البعض تسليح الجيش العراقي في السنوات الماضية، مضافا الانقسام الحاد إزاء القضايا المصيرية مثل انسحاب القوات الأمريكية وبسط سلطة القانون على الجميع.
هذه الحالة كانت من نتائجها إن القوى السياسي العراقية سواء العريقة تاريخياً والتي قاومت نظام البعث القمعي أو القوى والأحزاب التي تشكلت ما بعد 2003 أصبحت أحزاب مكونات عرقية ودينية كل منها يعرف حدوده الجغرافية ومناطق ناخبيه ولا يتجاوز إلى المناطق الانتخابية للمكونات ألأخرى وهو ما يعني ضمناً ألقبول بمبدأ المحاصصة أو الشراكة أو غيرها من المسميات التي تجعل جميع هؤلاء في السلطة التشريعية والتنفيذية. الجانب الآخر يتمثل بتغييب للقوى الوطنية العابرة للمناطقية والطائفية، وبالتالي غياب البرامج الوطنية الحقيقية من جهة، ومن جهة ثانية ترسيخ هذا التقاسم للسلطة باعتباره مناسباً لهذه الأحزاب والقوى السياسية. هنا نجد إننا بحاجة ماسة لتحديث الأفكار السياسية وولادة جيل سياسي جديد من شأنها تصحيح أخطاء التأسيس وصولا لبناء دولة المواطنة.
اضف تعليق