آراء وافكار - مقالات الكتاب

تاجر في البندقية... أم تاجر البندقية؟!

في زمن قطع الرواتب والإدخار الجبري وتصفية الأوطان

فإن غابت الحقيقة اليوم فسيأتي فجرها... وإن تاجرتم بكل شيء فسيأتي من لا يقبل أن يُباع الوطن في مزاد الذل! فقد سبقهم طغاة وسبقهم تجار وسبقهم خونة، ولكنهم جميعًا كانوا وقودًا لتاريخٍ لا يرحم ولشعوبٍ ما ماتت وإنْ جُرّدت من كل شيء إلا صوتها وهذا الصوت هو ما يربكهم ويهزمهم ويعيد للوطن وجهه الكريم...
بقلم: د. أنور أبوبكر كريم الجاف إقليم كردستان - العراق

لبيان الحقائق والوقائع في قضايا العدالة الاجتماعية، وسوح الفساد السياسي، والانتهازية الاقتصادية، وفي أسواق الوطن المرهون، أستلهم من بلاغة طه حسين عمق تحليله وزوايا فلسفته، ومن الرافعي متانة اللغة ورجاحة الضمير، ومن المنفلوطي رقة الشعور الإنساني ونُبل الكلمة، ومن سلامة موسى جرأة المساءلة ووضوح المواجهة ، وإن كنتُ لستُ من فرسان تلكم المسالك، فأنا من السائرين على جمرِ حرٍّ وفَهم، ألتَمس منهم وهجًا لأقول به، فأقول:

قولوا له... فليقل له العالم، ولتقل له الدنيا... فقولوا لـ:(كاكە سور) الذي يمثل المنهجية الرأسمالية المتوحشة التي لا تعبأ إلا بالمصالح ولو على حساب العدالة والإنسانية، ذلك الرجل الأحمر القادم من وراء المحيط من عالم يقتات على خراب العوالم الأخرى، ويثري على أنقاض المدن المحترقة ويبيع الشعارات للعالم الثالث كما يبيع البضائع الفاسدة... قولوا له: لسنا غرينلاند ولا كندا ولا أوكرانيا، نحن بلاد صُنعت من الصبر وشعوب خُلقت من نار التجارب، ولن تكون بعد اليوم صفقةً على موائد الكبار مهما تاجر بنا صغار السياسة ومراهقو المصالح .

قولوا له إننا فهمنا اللعبة متأخرين لكن وعيُنا بها جاء صاعقًا وإنْ جرح الصحوة أنكى من غفلة طويلة .

يا كاكە سور: حين أتيت على غرّةٍ إلى بلاد العرب من بوابة السعودية فجعلتها منصةً لعرض بضاعتك السياسية، وأنت لا تأتي إلى أرض إلاّ لتستحلبها تحت يافطات الطاقة، والأمن والاصطفاف مع هذا القطب أو ذاك ووضعت يدك على أعناقهم بيدٍ تمنح وأخرى تسلب، لم تكن زيارتك إلاّ حجرًا في رقعة شطرنج عالمية تستعرض فيها العصا مرة وتعرض فيها الجزرة مرات، ثم أعلنت أنك ستعود، لأنَّ الصفقة لم تكتمل، ولأنك لا ترحل عن أرض إلاّ وقد أخذت منها حتى الهواء، نعم هذه هي صفعة القرن .

أيّها القادم من خلف المحيطات أما علمت أن هنا على مرمى النظر، طاقة تكفيك ومعادن تُغنيك ، فلا حاجة لك إلى غزو غرينلاند ولا إلى صفقات أوكرانيا التي لا تعرف الاستقرار؟! . يا كاكه‌ سور، إنْ كنت صادقًا في دعواك أنك تبني السلام وتتطلع إلى جائزة نوبل فارجع خطوة إلى الوراء وأنقذ هؤلاء الخمسة والأربعين مليونًا من عبودية الفساد بدل أن تتباهى ببعدك عن السعودية!، فالفساد أقرب إليك مما تظن وأنت لست ببعيدٍ عن تجار الدم والخراب حين تنزل بهذا البلد.!.

فليعلم الجميع: نحن لسنا تجارفي البندقية الذين كتب عنهم شكسبير، ولا فيكتور بوت المتهم بتجارة السلاح ولا تجار الموت الذين يغذّون الحروب بأشلاء الأبرياء، بل نحن قومٌ ابتلينا بتجارٍ البندقية، يتحكمون بنا كما تشتهي شهواتهم وأهواؤهم.

فالعراق وإقليم كردستان أصبحا مناجم مفتوحة ينهبها منْ يدّعون أنهم أبناؤها قبل أن تمتد إليهم يدك الطويلة!، حقًا إنَّ هذا الإقليم ما زال حتى الساعة تحت وطأة دَينٍ مضاعف لم يفك قيده بعد...!. وإذا كانت المسألة احتلالاً واستعبادًا فوالله لا فرق بين علي حسن المجيد وبين غيره وأيٍّ كان ممن يتسلطون اليوم علينا!.

أولئك الذين باعوا النفط مرتين كما باعوا كردستان مرارًا ولا يزالون يعرضون ما تبَقى من شرف الناس وكرامتهم للبيع.

نعم إنك تزور الخليج والسعودية تارة بصيغة الزائر الحريص وتارة بصيغة التاجر الجشع، لكنك في الحالتين تمارس نفس الدور الذي مارسته مع دولة الكونغو، حين شنفت آذاننا رسالتها إليك تطلب منك شراء معادنها مقابل طرد الإرهابيين الذين هم في الحقيقة صنيعة بني جلدتهم!. 

أي مأساة تلك؟ وأي سوق هذا؟!. وأي زمن هذا الذي تتحول فيه الدول إلى عبيد لمزادك العلني ويصبح الأمن سلعة والسيادة بضاعة والثروات مهرًا لصفقة مهينة في سوق الرقيق السياسي! .

لقد رأيناك تهرول بين الشرق والغرب تضع يدًا في يد الروس وأخرى في يد الأوروبيين وكأنك السلطان المتوج على عرش العالم لا يعرف إلا العصا ولا يوزع إلاّ الجزرات لمن قبل بها ذليلاً ، وأما نحن فإنك لا تجد عندنا إلا صبرًا ثقيلا وشعبًا لم يبع كرامته بعد وإنْ بيعت أرضه ونُهبت ثروته!

هنا في كردستان منذ عام 1991 بدأت القصة باعونا حين توهموا أننا لا نزال أسرى العبودية وفي 2003 باعوا العراق كله دفعةً واحدة، ومنذ ذلك الحين لم تغلق سوقهم ولم تنتهِ صفقاتهم، باعوا كل شيء من الجبل إلى الوادي ومن النهر إلى الحقل ومن النفط إلى الحرف ومن الحرف إلى الروح، ثم قالوا: "هذا إصلاح وهذه تنمية وهذا تحرير!". 

فقد أصبحنا ضحايا منظومة فساد عميقة الجذور يتحكم فيها منْ سرقوا النفط و الكهرباء والغاز والكاز والرواتب، وصادروا موارد الشعب لحسابهم الخاص فيما يئن هذا الشعب تحت وطأة الفقر والديون.

ويا لها من شعاراتٍ امتهنت الكذب حتى صار الصدقُ لا يعرف طريقه إلى أفواههم! باعوا حتى الهواء ثم قالوا للناس: "هذا الهواء من فضلنا عليكم فلو شئنا ما جعلناكم تتنفسون إلا بإذننا!" بل لو شاءوا لجعلوا تنفس الفقراء جريمة وحياتهم مخالفة دستورية!. باعوا الجسد كله وسلخوا العظم ثم قالوا للناس: "اشكرونا على النعمة!".

وها نحن اليوم نرسل نفطنا الخام إلى بغداد ليعود إلينا وقودًا ملوثًا وبنزينًا أغلى من الذهب، وكأننا نبيع ذهبًا ونشتري ترابًا أو كأننا نبيع روحًا ونشتري ظلاّ لا يسمن ولا يغني من جوع!. ثم جاءتهم فكرة الإدخار الجبري، تلك البدعة الحديثة الخبيثة (650) ألف موظف في كردستان وحدها يقتطع من رواتبهم 35%، منذ عام 2015 ثم يقولون: "هذا لمصلحتكم!" ولو شاءوا لجعلوها صدقة جارية باسم الزعماء أو سموها "زكاة العبد للمالك"!. فالستة مئة وخمسون ألف موظف يعيشون على فتاتٍ لا يتجاوز عشرين بالمئة مما يستحقون، بعدما اقتطع هؤلاء الجشعون أكثر من خمسة وثلاثين بالمئة من رواتبهم السنوية منذ عقد كامل ولا يعلم أحد هل تبقى لهم لقمة تُشترى بها كرامة أو يستر بها عوز.؟!.

فلماذا لا يأتي كاكە سور ويأخذ منا20% فقط، لعلّنا نجد عنده بعض الرحمة ، إذْ هو الذي لم يعرف في حياته إلاّ التجارة والصفقات؟ بل قد يستحق جائزة نوبل للإنسانية مقارنةً بمن سبقوه إلى سرقة قوت أطفالنا!.

أما الكهرباء فقد صعدوا سعر وحدة (أمبير) واحدة أكثر من خمس وعشرين مرة، ومع هذا لا تصل إلى بيوت الناس إلاّ سويعات معدودة، ثم يُسلمون أعناق الفقراء إلى المولدات الأهلية، تلك التي هي شركاؤهم فيها يربحون منها مئات المليارات من الدناير ببيعهم الگاز الذي سيطروا عليه ويحتكرونه حتى صار المواطن يدفع ثمن الضوء مرتين، ولا يحصل عليه إلا قليلا ويعيش تحت رحمة تجار الليل الذين لا يعرفون إلاّ لغة الفواتير والربح! .

فأيها التاجر الأحمر، (يا كاكە سور) إنَّ لم يقُل لك العالم، أو ما تنطق به الدنيا، فدعني أنا أخبرك: إنَّ لا حاجة لك إلى كندا وغرينلاند وخليج المكسيك، فهنا عندنا الخليج وعندنا الجبال، وعندنا المعادن والذهب الأسود سبقك إليها مراهقو السياسة فباعوا كل شيء ثم تزينوا بربطات العنق وزعموا أنهم حماة الوطن! .

بل باعوا حتى الذكرى وجعلوا من تاريخنا نكتة في مجالسهم وأمسوا يتفاخرون في قنواتهم بصفقاتٍ تجعل من الشيطان تلميذًا على موائدهم! لا تصدقوا تاجر البندقية إذا تزيّا بزيّ الحرص ولا ترفعوا أعينكم إلى (كاكە سور) إنْ زعم أنه حامي الشعوب والعالم الحر، فكل شيء للبيع وكل شيء قد بيع بالفعل ، وما يسمونه إدخارًا جبريًا هو استقطاع قسري من دم ودمع وعرق الناس، ووطن لم يعد وطنًا بل صار سجلا في دفاتر السماسرة وبندًا في صفقات التجار وقيدًا في حساب الإدخار الجبري! 

لكن... هيهات هيهات ... سيأتي يومٌ تُطوى فيه دفاتر البيع ويُسترد فيه النفط ويستحصل الكهرباء والراتب ويُلغى فيه بدعة الإدخار الجبري الذي ما أنزل الله به من قانون ولا سلطان ، ويعود كل شيء لأهله ويُمحى من الذاكرة كل تاجرٍ جعل من الأرض مزادًا ومن الإنسان سلعة! وسيبقى منْ باع ومنْ اشتراك ومن نصب المزاد...عبرةً للمعتبرين!.

هكذا هو العراق وهكذا هو الإقليم.. رهائن في أيدي تجار الموت، وتجار البندقية وتجار في البندقية...!

لكن، سيأتي يومٌ يعود فيه العراق إلى أهله والإقليم إلى شعبه والجبال إلى عليائها والبحار إلى مدها والشمس إلى نورها...

فإن غابت الحقيقة اليوم فسيأتي فجرها... وإن تاجرتم بكل شيء فسيأتي من لا يقبل أن يُباع الوطن في مزاد الذل!

فقد سبقهم طغاة وسبقهم تجار وسبقهم خونة، ولكنهم جميعًا كانوا وقودًا لتاريخٍ لا يرحم ولشعوبٍ ما ماتت وإنْ جُرّدت من كل شيء إلا صوتها وهذا الصوت هو ما يربكهم ويهزمهم ويعيد للوطن وجهه الكريم.

اضف تعليق