حين تضع لوحا يمثل رقم سبعة بشكله العربي؛ تضعه أفقيا باتجاه أحد شخصين متقابلين فسوف يرى فيه الشخص الآخر رقم ثمانية لا رقم سبعة؛ وذلك لاختلاف زاوية نظر كلّ منهما إلى الشيء نفسه! هذه التجربة التي تبدو مجرد لعبة بسيطة للغاية تنطوي على بعد فلسفي عميق...

حين تضع لوحا يمثل رقم سبعة بشكله العربي؛ تضعه أفقيا باتجاه أحد شخصين متقابلين فسوف يرى فيه الشخص الآخر رقم ثمانية لا رقم سبعة؛ وذلك لاختلاف زاوية نظر كلّ منهما إلى الشيء نفسه! هذه التجربة التي تبدو مجرد لعبة بسيطة للغاية تنطوي على بعد فلسفي عميق، يتمثل في معظم إسقاطاته بالوضع النفسي، أو البعد العاطفي الذي يملي عليك قبول فكرة ما أو رفضها، وغالبا ما ترتكز العاطفة الموجهة للعقل إلى وجود مصلحة (خاصة) في تبني موقف ما والدفاع عنه بكلّ ما أوتيت من قوة أو باتخاذ موقف مضاد تماما للموقف الأول والدفاع عنه أيضا بكل ما أوتيت من قوة هذه المرة؛ إنها العاطفة العمياء التي تحول في معظم الأحيان دون منح الطرفين فرصة تغيير زوايا النظر، وإنهاء اللعبة لصالحهما معًا!

استطعتُ نهاية التسعينيات من القرن الماضي أن أسافر إلى بلد عربي مجاور هو الأردن، رأيت خلال تلك الرحلة المهمة في حياتي مجموعة من التناقضات، ومررت بعدد كبير من المواقف، وأفدت من أشياء وتضررت من أخرى، ووصلت إلى قناعة راسخة بعد انتهاء تلك التجربة كانت هي تعزيزا للمقولة التراثية التي درجنا على سماعها في لهجتنا العراقية الدارجة، بالقول: (حب واحجي واكره واحجي)...ِ 

بقدر ما يتعلق الأمر بالنقطة الأساسية التي كانت مبدأ الشروع في كتابة هذا المقال؛ أي الاختلاف على فكرة ما رفضا أو قبولا أو تبني موقف معين والدفاع عنه أو مهاجمته... ثم الربط بين ما تقدم ذكره وبين تجربة سفري إلى خارج البلاد، فقد هالني حينها ما رأيته من حب أكثر الأردنيين لرأس النظام العراقي (صدام حسين)، وإعجابهم إلى حدّ الانبهار أو التقديس بأفعاله، وأقواله!

تخيّل أحاسيس السخط والنقمة والإحباط التي كنتُ استشعرها وأعيش أجوائها يوميا تقريبا جراء أحاديث الانبهار أو التقديس الأردنية المستفزة والمزعجة والمؤلمة لي، كيف يمكنني أن أفهم أو أتفهم مثل تلك الأحاديث أنا القادم من العراق هروبا من جور نظام صدام حسين، وسياساته التي جعلت من غالبية شعبي يتضورون جوعا، ويموتون كلّ يوم بسبب نقص الأغذية والأدوية، أو بسبب قراءة كتاب لا ترضى عنه أجهزة النظام، أو بسبب قول كلمة حرّة عابرة مثلا! وما أكثر الكلمات العابرة التي أودت بحياة قائليها في ذلك الزمان المرّ، وفي تلك الحقبة البائسة! ما أكثرها، وما أغربها؛ حتى أن النكتة التي كانت تصدر عفوا من أحد الأفواه (كانت) كفيلة بتصفية قائلها أو إلقائه في زنزانة أبدية...

لكنني، ومع مرور الوقت بدأت أفهم أو (أتفهم) الأسباب التي جعلت من غالبية الأردنيين يميلون نفسيا تجاه صدام حسين؛ إنها الأسباب ذاتها التي جعلت من غالبية العراقيين ينفرون منه!

 إنّ تلك الأسباب مجتمعة يمكن تكثيفها بعبارة موجزة هي: (سلطة المصلحة)، وقديما قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلّم: ((جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها))...

يمكن اختزال الحديث الشريف المذكور أيضا بعبارة أكثر وضوحا هي "سلطة الإحسان وعدمه".

 فبحسب هذا الحديث البليغ يمكن أن نفسّر كثيرا من المواقف السياسية التي اتفق أو اختلف بها العراقيون مع (أشقائهم) في البلدان المجاورة قديما وحديثا؛ فقد (اتفق) العراقيون -غالبيتهم- مع نظرائهم الكويتيين في الحكم على شخصية صدام حسين بعد أن مرّ الكويتيون بتجربة ما يصطلحون عليه بـ (الغزو الصدامي)! 

ووفقا للآليات التي يطرحها مضمون الحديث النبوي آنف الذكر يمكن لنا كذلك تفسير ما حدث في المدّة القريبة الماضية من اختلاف العراقيين والسوريين بعضهم ضد بعضهم الآخر على شخصيتي (صدام وبشار)؛ فالسوريون يكرهون بشار، ويتعاطفون مع صدام، والعراقيون يكرهون صدام ويتعاطفون مع بشار، إنها العاطفة أيضا وما تفرزه من أحكام جائرة هي التي تتحكم بتلك المواقف المتناقضة منطقيا! 

هناك انقسام يجري الآن بين كل من السوريين والعراقيين تجاه شخصية (الجولاني) بين من يكرهه وبين من يحبه في داخل كلتا الدولتين المتجاورتين، إنها فصول جديدة من كتاب (مهزلة العقل البشري) المسيطر عليه عاطفيا، هذه العاطفة الهوجاء المسؤولة عن اختلال موازين الحكم في العقل العربي، وعدم التزامه بقواعد العدالة العظيمة...  

اضف تعليق