الكل ينادي ويتحدث بالإصلاح حتى عادت هذه المفردة أو المصطلح وبما يحمل من مضامين قريبة أو بعيدة عرضة للنقد والسخرية أو الملل على اقل تقدير، فالضرورة الملحة من كل ذلك أضحت اليوم تحتم استبدالها بغيرها وبما يحفظ لها مكانتها اللغوية أو الاستدلالية في اضعف الإيمان حتى يصبح الجديد أو المستبدل محلها أكثر إقناعا أو نجاحا كإعادة بناء الواقع من جديد، فالإصلاح تعرض إلى المبالغة الكبيرة من السرد الطويل والاجتهادات المتعددة والمتنوعة التي يطلقها الكثير من إفراد المجتمع، (المسؤول في الدولة، الأستاذ، والطالب، الكاتب، الإعلامي، المواطن البسيط، بل حتى التكفيرين).

الكل يتحدث عن الإصلاح !!! السؤال هنا مَن المستهدف من هذا الإصلاح؟ وهل هنالك حاجة ماسة له؟ وما هو الشيء الذي يستدعي هذا التهويل والهوس الإعلامي والشعبي والسياسي حتى يكون أنجع الحلول له الإصلاح؟

الإصلاح يعني إن هنالك ثغرات مشخصة في حقل معين من واقع الحياة اليومية للمجتمع سواء في الجانب السياسي أم الاقتصادي أم الإداري أم في الأفكار والمعتقدات، هذه الثغرات تفرض ضرورة وحاجة ماسة لتفحصها ومعالجتها لتلافي الخلل والنقص فيها للحيلولة دون وصولها إلى مرحلة الكارثة التي لا يسلم منها المجتمع، إذن الإصلاح ينبع من وجود خلل أو نقص أو خطأ يستدعي التشخيص من قبل المشخص أو المعالج الذي يضع العلاج لمعالجة ذلك. الواقع الذي تعيشه المجتمعات يستدعي هذه الحالة باستمرار ودون توقف لان كل مجتمع لا يخلو من نقاط ضعف وخلل في مفاصل حياته المختلفة ولكي يتدارك انعكاساتها السلبية يتحتم عليه اجراء مراجعة دائمة لها، هذه الحالة هي جوهر الإصلاح، إما الحالة الأخرى التي تستدعي إجراءات أخرى غير الإصلاح أو إن الإصلاح ذاته غير كافي لها، فهي تكمن في مدلولاتها.

إن الخطأ أو الخلل أو النقص الذي يستدعي التشخيص والعلاج يقع أو يتكفل به مشخصون ليس من اختصاصهم التشخيص وغير معنيين به وزيادة الطين بلة عندما يضعون علاج له وهنا تتعاظم وتتضاعف أخطار وكوارث ذلك الخطأ فمكامن ووقائع هذه الحالات نجدها في المجتمعات المتخلفة، لذلك هي متأخرة في واقعها الحضاري وعرضه للكثير من الأزمات في مختلف جوانب حياتها، من هذه المجتمعات المجتمع العراقي الذي يعيش أحداث هذه الأزمات اليوم، فهو يعاني من فوضى المصطلح الذي أصبح سلعة متدنية الكلفة في متناول ألألسن، حيث أن الجميع ينادي به، الكل أصبح مشخِّص ويدعي امتلاكه لمفاتيح الحل !! لكن الكثير من الاسئلة حول ذلك تبقى دون إجابة وهي: من هو المعالج الكفؤ أو المختص لمعالجة تلك الأخطاء؟؟؟؟.

الخطأ أو الخلل أو الضعف ذاته في مجتمعنا هل شخّـَص بصورة دقيقة وعلمية؟ أيضا عقاقير أو أدوية المعالج هل تفي بمعالجة العلل التي ابتلي بها هذا البلد المنكود وتعيد مسارها إلى جادة الصواب؟ المعالجون أو المختصون ممن تقع عليهم معالجة الأخطاء الواردة والحاصلة في جوانب الحياة المتعددة في حياة بلدنا العراق لابد من الإشارة إلى أنهم تم ابعادهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن إدارة وقيادة الجوانب التي تقع في صميم اختصاصهم، وبالتالي دورهم تكفل به من هم أدنى منهم قياسا ًبما يمتلكونه من مؤهلات متواضعة أو لا تكاد تذكر، فـرجل الاقتصاد أصبح يدير الامن، ورجل الطب أصبح يدير الخارجية وهكذا.....الخ، وبالتالي صممت وعُبّدت مسارات لواقع مجتمع لم يكن للمشخص أو المعالج الحقيقي دور فيها، الخطأ الذي وقع في تلك المسارات التي رسمتها المعايير الخاطئة في تبني الإدارة والقيادة وعلى مختلف المستويات والتي اتسمت في وضع الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب أو العكس جعلت من تلك الأخطاء رهيبة في آثارها واتساعها وأضرارها، هنا وفي هذه الحالة المعالجين أو المختصين حتى وان شاركوا في تداركها فان دورهم يكون محدوداً لان الأساس بني على خطأ ولم يحمل بصمات صحيحة منذ البداية حتى يمكن إلحاق أي تصحيح للخطأ بما هو قائم من صحيح.

هذا ما يحدث اليوم في العراق، وهذا يؤشر لنا ان واقع الامر اليوم بعيد عن التشخيص وان كان هنالك تشخيص فهو يدخل في الوصف العمومي، فعلى مستوى الإفراد والجماعات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية والقيادات الإدارية والسياسية والأفكار والفهم التفسيري للمعتقدات وحتى العمران، وما موجود من تراث وكل الاشياء في بلدنا تعاني من الضعف والخلل وكثرة استفحال الأخطاء فيها، التشخيص هنا صعب لكثرة المشاكل التي تحتاج إلى عملية اعادة بناء من جديد لأن كل ما فيها هو عرضة للهدم أو هو داخل في مراحل الهدم ولا ينفع معها الإصلاح، لان الإصلاح يعني معالجة أخطاء يكون ورودها أمر طبيعي، إذن ضرورة البناء بدل الإصلاح تفرضها مقومات عدة منها الإصلاح ذاته الذي تلاشت حاجته كونه يبرر لمعالجة حالة أو حالات تحدث بصورة طبيعية بعد انقضاء مدة من الزمن على تطبيقها أو العمل بها وهذا المدة حتماً لا تكون طويلة لان عيوب الشيء يفرزها الواقع العملي حين التطبيق، على سبيل المثال لو افترضنا إن قائداً عسكرياً وضع خطة عسكرية معينة للقيام بعمل عسكري ما لكن عند التطبيق العملي تظهر هنالك هفوات أو أخطاء في هذه الخطة تستدعي منه المعالجة بل البدائل المناسبة من اجل إنجاح عمله العسكري، هنا عملية الإصلاح تكون ناجحة كونها أتت من مختص وغير متأخرة في وقتها أما إذا كانت العملية العسكرية للقائد العسكري فاشلة ومسببة لانهيارات كبيرة في واقع قواته فأنه حتما يقوم بإعادة بناء قواته وخططه الموضوعة سلفا من جديد وليس إصلاحها هنا تكمن ضرورة التمييز ما بين الإصلاح والبناء.

ومثال آخر في الحقل الاقتصادي مثلاً عندما نتحدث عن مستثمر أو منتج ما صاحب مشروع اقتصادي فانه حتما يضع خطة عمل متكاملة للمدخلات والمخرجات والتي بدورها تحدد مسار نجاح المشروع من فشله، فان حدث إرباك في المشروع أو تذبذب في إنتاجيته حتما سوف يقوم بمعالجة خططه الموضوعة في المدخلات أما إذا وصلت المخرجات إلى مرحلة مهددة للمشروع فأنه حتما يقوم بغلق المشروع والإقدام على مشروع اقتصادي جديد، واقع بلدنا العراق يعيش اليوم هذه الحالة حيث وصل إلى مرحلة الانهيار التي هي بحاجة إلى اعادة بناء وليس الإصلاح.

صفوة القول إن روافد ومداخل الإصلاح وفي كثير من جوانبها في بلدنا تعاني من الاضمحلال والتلاشي بل يمكن أن نؤشر عليها بالانعدام؛ لان حالة المراجعة والتفحُّص والإصلاح الدائمة لها انعدمت في الفترات السابقة، فالإصلاح أمرٌ صعبٌ، والتغيير والتطوير متعذرٌ في كثير من الأحيان، ولذلك تبقى الأوضاع على ما فيها من أخطاء، وانحرافات، ومع ما فيها من تخلف عن مواكبة التطور أما اعادة البناء ولو خطوة خطوة فانه الخيار الأرجح والأنسب لعراق أفضل في المستقبل.

* باحث مشارك في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية
www.fcdrs.com

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0