عمل الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) على تأصيل مرجعية الفقهاء العدول، ووجوب الرجوع إليهم في معرفة مسائل الشريعة، وأخذ الموقف الشرعي تجاه القضايا الحادثة، وكان الإمام يوجه أتباعه وشيعته إلى مراجعة الفقهاء وتقليدهم، وأخذ معالم الدين وأحكامه منهم، حيث جاء عنه الحديث المشهور:

((من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه)))[1].

وفي هذا الحديث يبين الإمام العسكري (عليه السلام) صفات الفقيه الذي يجوز الرجوع إليه في التقليد، والذي يجب أن تتوافر فيه هذه الصفات وهي: صيانة النفس، وحفظ الدين، ومخالفة الهوى، وإطاعة أمر الله تعالى.

وقد أرسى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قواعد الرجوع إلى الفقهاء قائلاً: ((انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنما بحكم الله استخف، وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله، وهو على حد الشرك بالله عز وجل))[ 2].

كما أن الإمام الهادي (عليه السلام) بين مكانة العلماء، ودورهم في الحفاظ على الدين، وضرورة الرجوع إليهم، فقد قال (عليه السلام) : ((لولا من يبقى بعد غيبة قائمنا من العلماء الداعين إليه، والدالين عليه، والذابين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب لما بقي أحد إلا ارتد عن دين الله، ولكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة، كما يمسك صاحب السفينة سكانها، أولئك هم الأفضلون عند الله عز وجل)) [ 3].

ومنذ ابتداء الغيبة الكبرى سنة 329هـ والتي ابتدأت بوفاة السفير الرابع علي بن محمد السمري رجع الناس في كل عصر إلى الفقهاء العدول لأخذ معالم دينهم منهم، ومعرفة مسائل الحلال والحرام، والإجابة على تساؤلاتهم المختلفة.

إذ يمثل الاجتهاد في عصر الغيبة الكبرى الوسيلة الوحيدة لبيان أحكام الدين، والإجابة على تساؤلات المكلفين، وتوضيح رأي الإسلام تجاه المستجدات الحادثة. فالاجتهاد -كما يعرفه الأصوليون- بأنه ((استفراغ الوسع في تحصيل الحجة على الحكم الشرعي)) وبعبارة أخرى ((في تحصيل الحجة عن مدرك شرعي)) وبدون ممارسة الاجتهاد لا يمكن معرفة الكثير من أحكام اللَّه عز وجل، فالمجتهد هو وحده القادر على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها.

ويقوم الفقهاء بدور ضروري ومهم لبيان الحلال والحرام، والإجابة على الاستفتاءات المختلفة، وتوضيح رأي الشارع المقدس تجاه مختلف القضايا المطروحة. إلا أن ضرورة الاجتهاد تبدو أكثر أهمية عندما تلامس قضايا الواقع، ومشكلات الحاضر، ومستجدات (الحوادث الواقعة) والتي تتزايد وتيرتها بصورة تصاعدية نتيجة التقدم الهائل في مختلف المعارف والعلوم، وانفجار المعلومات بشكل مذهل؛ مما أوجد الكثير من الإشكاليات الجديدة، والمسائل المستجدة والتي تتطلب من المجتهدين أجوبة مفصلة كي يسير الناس وفق هديها.

وبناء على ذلك تأتي أهمية التجديد في الاجتهاد، والتجديد يجب أن يشمل مناهج الاجتهاد، ومجالات وحقول الاجتهاد إذا ما أريد لحركة الاجتهاد أن تنمو وتتطور وتستجيب لمتطلبات وتحديات العصر.

وتنبع أهمية وجود المجتهد المطلق من قدرته على الإجابة على أسئلة العصر، والإبداع في معالجة القضايا الجديدة، وليس فقط ممارسة الاجتهاد في المسائل العبادية للفرد المسلم. إذ أن المطلوب من المجتهد في كل عصر هو معالجة قضايا عصره، والإجابة على أسئلة زمانه، وعدم الاقتصار على ما سبق للفقهاء المتقدمين أن أجابوا عليه؛ وإلا فإن الاجتهاد يفقد حيويته وقدرته على مواكبة المتغيرات الزمانية والمكانية.

ولا يمكن للتراث الفقهي -رغم ضخامته وأهميته- أن يجيب على كل تساؤلات العصر، بل المطلوب من المجتهد المعاصر ممارسة الاجتهاد، في القضايا الجديدة كما القديمة، لأن الاجتهاد يجب أن يشمل جميع جوانب الحياة.

أما المراوحة عند القضايا والمسائل التي أشبعت بحثاً واستدلالاً فقد يكون ذلك ضرورياً لبناء ملكة الاجتهاد، وممارسة المران والتدريب على الاجتهاد، ولكن لا يصح أن يظل المجتهد طوال عمره كذلك، بل يجب إعمال الرأي والنظر في كل القضايا والمسائل وخصوصاً المسائل الجديدة والمستجدة.

وفي كل عصر يبرز من الفقهاء من يتميز بالنبوغ والعبقرية والذكاء الخارق ممن يكون لديهم القدرة على التجديد في الفقه وأصوله، ومعالجة القضايا المستجدة والمسائل الحديثة بأسلوب استدلالي معمق؛ وهذا ما يعطي للفقهاء القدرة على مواكبة (الحوادث الواقعة)، وتطوير أبواب الفقه، واستحداث أبواب جديدة تفرضها طبيعة متغيرات العصر وتطوراته.

ولهذا استمرت مؤسسة المرجعة الدينية وتطورت مع تطور الزمان والمكان، وأصبح في كل عصر فقهاء عدول يرجع الناس إليهم في أخذ الفتاوى والأحكام الشرعية، ومعرفة الموقف الشرعي تجاه مختلف القضايا والمستجدات المعاصرة، وستستمر هذه المؤسسة التي أَصَّلَ لها الأئمة الأطهار، وخصوصاً الإمام العسكري (عليه السلام) الذي أكد على وجوب الرجوع للفقهاء والعلماء العدول، وأخذ الأحكام الشرعية منهم حتى ظهور القائم المنتظر.

http://www.alyousif.org/

.............................................
[1] الوسائل، الحر العاملي، ج 27، ص 131، رقم 33401.
[1] تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي، ج6، ص 178، رقم 514.
[1] بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج2، ص 6، رقم 12.
..........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0