إدوارد لوس

 

بالنسبة لبعض الناس، المستقبل سيكون دائماً وراءهم. مع ذلك، نادراً ما شملت مثل هذه الكآبة معظم العالم الغربي في وقت واحد. حتى خلال تلك اللحظات القصيرة - مثلا، الركود التضخمي في السبعينيات - كانت تتلاشى مع الأزمة.

التشاؤم اليوم أكثر إثارة للقلق بطريقتين. الأولى، أن خبراء الاقتصاد لا يفسرونه بشكل كامل. في الولايات المتحدة التي تمر الآن في عامها الخامس من الانتعاش، نسبة أولئك الذين يعتقدون أن أطفالهم سيكونون في وضع أسوأ هي نفس نسبة من يعتقدون ذلك في إيطاليا الراكدة. هذا الاتجاه سبق انهيار عام 2008. الثانية، أن ظهور السلبية المتشائمة يتزامن مع أحدث ثورة تكنولوجية في الغرب. لكن يبدو أن تشاؤمنا يتعمق. فهل بدأ الغرب بفقدان سيطرته على الواقع؟

قد يكون من المغري أن نقول نعم. الغربي العادي يعيش لفترة أطول، وهو أقل تأثّراً بالحرب، ولديه خيار أكبر بكثير من أي شعب آخر في التاريخ البشري. أن تكون حياً وحراً لا بد أنه امتياز نزِق طائش. ربما لأننا تاريخياً جاهلين لنِعمنا فإننا لا نقدّر ما لدينا. ربما هناك شيء أعمق، ربما الإلهاء المستمر من التكنولوجيا غير أسلاكنا العصبية بحيث أصبحنا أقل قدرة على تقدير ما هو واضح تماماً. أو ربما أن جودة الحياة العامة إلى حد كبير لا تُثير إعجابنا هذه الأيام، إلى درجة أننا نعاني ذلك البؤس الذي يأتي فقط من معرفة الذات. كل هذه هي أنواع من الاكتئاب. كل منها، بشكل أو بآخر، تم اقتراحه تفسيرا لكآبة الغرب. لكن من وجهة نظري لا يبدو أن أيّا منها هو التشخيص الصائب.

هناك نظرية أكثر قبولاً وهي إلقاء اللوم في قلقنا على ارتفاع قلق الآخرين. من بين العديد من الدراسات عن المواقف العالمية، من المدهش مدى التفاؤل الذي يشعر به الآسيويون، والأمريكيون اللاتينيون، والأفارقة أكثر من الناس في الغرب. كذلك يبدو منطقياً أن الناس في الصين والهند وأماكن أخرى يشعرون بتفاؤل أكبر حول مستقبل أطفالهم. كيف يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك؟ معظم الناس في العالم النامي يبدأون من قاعدة منخفضة جداً بحيث أن الكارثة وحدها هي التي تستطيع منع ارتفاع مستويات المعيشة. لكن قد يكون من المبالغة أن نلق اللوم في ذلك على ما يصيب الغرب من التشاؤم. اقتصاد أكثر عالمية يجب أن يكون فائدة صافية للجميع. كما ينبغي أيضاً أن يكون مثيراً للإعجاب. عالم اليوم يرتفع كثيراً جداً على صورة الغرب. على الرغم من وجود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والشيوعيين في الصين، إلا أنه لا يوجد منافس أيديولوجي للرأسمالية الديمقراطية. حتى كوبا تخرج برفق متأخرة من عزلتها.

إذن، ما هي مشكلة الغرب؟ الجواب بسيط بشكل خادع. نحن نصبح أكبر سناً. من الناحية الاقتصادية هذا يعني الركود طويل الأمد. واليابان تصبح ذات سكان أكبر سناً أسرع من البقية - كذلك نموها الاقتصادي كان أبطأ لمدة أطول من نمو أي بلدان غنية أخرى. لكن الأمر مسألة درجة. كلما أصبحنا أكبر سناً، ندّخر أقل. وكلما قلّ الادخار، قلّ الاستثمار. وكلما قل الاستثمار أصبح النمو أبطأ. التكنولوجيا الحديثة يجب أن تقدم الجواب، نحن نعيش لفترة أطول، إذن يجب أن نعمل لفترة أطول. لكن السياسة تقف في الطريق.

كلما قلّ النمو، زاد خلافنا حول الميزانيات. من إسبانيا إلى كندا، لا يزال كبار السن يحصلون على الأفضل من الحروب حول المالية العامة. فرنسا لديها معدل ولادة أعلى من معظم البلدان الأوروبية الأخرى، لكنها تخصص أكثر من متوسط مواردها لكبار السن. أحد الأسباب لانتخاب فرانسوا هولاند رئيسا هو تعهده باستعادة سن التقاعد الفرنسي من 62 سنة إلى 60 سنة. في المملكة المتحدة، أعفى جورج أوزبورن، وزير المالية، معاشات التقاعد الحكومية تماماً من الحد الأعلى للإنفاق على الرعاية الاجتماعية. كذلك في الولايات المتحدة، الرعاية الطبية والضمان الاجتماعي يحصلان على حصة أكبر من الميزانية الفيدرالية كل عام. لا يوجد حزب يتجرأ على لمس سن التقاعد - الذي من المقرر أن يرتفع فقط بمعدل جليدي بطيء للغاية عن المستوى الحالي البالغ 65 عاماً.

كلما قامت "جماعة الضغط من كبار السن" بعمل أفضل، تقوم بتزويد مستقبلنا بأموال غير كافية. وهذا، في المقابل، يخلق رد فعل عنيفا ضد السياسة كالمعتاد. من الناحية العملية، هذا يعني إلقاء اللوم على المهاجرين. واحد من الدوافع الرئيسية لحزب الشاي، وحزب الجبهة الوطنية في فرنسا، وحزب الاستقلال في المملكة المتحدة، هو ميل هذه الأحزاب للبحث عن كبش فداء. ولا يرجح لأي منها أن يتولى السلطة بشكل مباشر، لكنها تتصرف كحجر عثرة أمام أولئك الذين يستطيعون معالجة انخفاض نسبة العمال إلى المتقاعدين. هناك جزء حاسم من العلاج يكمن في تعزيز الهجرة.

هناك تكاليف أخرى بخلاف تكاليف المالية العامة. ألفرد سوفي، المفكر الفرنسي الذي اخترع مصطلح "العالم الثالث"، كان يخشى أن يتحول الغرب إلى "مجتمع من كبار السن، يعيشون في بيوت قديمة، ويجترون الأفكار القديمة". ربما يكون في هذا شيء من الحقيقة. ورغم أن من الممتع مشاهدة فرقة رولينج ستونز وهي تغني، إلا أننا لا نملك إلا أن نلاحظ أن أيامهم الإبداعية قد ولت. لكن جيلهم – مواليد ما بعد الحرب العالمية الثانية – ما يزالون يحصلون على ما يريدون. في أوج نشاط مايك جاجر، كان هذا يعني الثورة ضد الأعراف القديمة. لكن اليوم هذا يعني حماية شبكات التقاعد.

بطبيعة الحال، ليس كل متقاعد في وضع مريح. ذلك أن تباين المستوى الاجتماعي يؤثر على جميع الفئات العمرية. لكن مواليد ما بعد الحرب العالمية، باعتبارهم كتلة واحدة، كانوا يحصلون على المكاسب منذ اليوم الذي ولدوا فيه. ويبدو أنهم سيحافظون على هذا السجل إلى أن يأتيهم الموت. الأجيال التي تأتي بعدهم ربما لا تكون محظوظة مثلهم. تشير الاستطلاعات إلى أن كبار السن يشعرون بالقلق حول المستقبل مثل شعور أية فئة عمرية أخرى. لا يوجد اضطراب عقلي هنا. إذا كان الغرب ككل يعتقد أن أيامه الرائعة قد ولت، فلا بد أن يكون ذلك مرتبطا بحقيقة أنه بالنسبة للكثيرين في الغرب يعتبر هذا صحيحا من الناحية الحرفية.

* فايننشال تايمز
http://www.aleqt.com/

..........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0