حالفني الحظ بين الخامس من اكتوبر 2023 والتاسع منه ان اطلع على مقالين تحليليين في الاقتصاد السياسي و السياسة الدولية، امتحن فيهما الكاتبان القديران (دارم البصام وابراهيم العبادي) قضايا (انتاج القوة) في الميدان الدولي والمفضي الى صراع القوى بين الشرق والغرب والقدرة على نشوء اقطاب جديدة يلدها الطرف الشرقي من العالم ازاء الطرف الغربي المتروبولي كقوة استقطاب تقليدية تاريخية احادية.

- ففي مقال دقيق وساخن قدم الكاتب دارم البصام رؤيته التحليلية حول مستقبل التعددية القطبية الذي جاء بعنوان : نهاية التاريخ المعاصر ومحنة المركزية الغربية مؤكدا بالقول :

(( …ولا نختلف في قولنا بأن رؤية العالم (إبستيمولوجيًا) التي تحكمت في قناعات فوكوياما بنهاية التاريخ هي رؤية خطية (Linear) تعتقد باللعبة الصفرية التي تنتهي بزوال الآخر وانتصار الأنا وتؤمن بالحتمية، ومن خلال عدسات محددة بؤرتها المركزية الغربية/الأوروبية التي حذر منها صديقنا الراحل سمير أمين منذ عقود في إطار مساهماته في تطوير نظرية التبعية، حيث انتقد تعميمات تلك المركزية ذات الثقافة المسيحية/اليهودية التي يرغب الغرب من خلالها في فرض نموذجه الكوني على العالم.

وبالرغم مما تقدم، يرى البصام ان ((في السياق نفسه، ستشتد المواقف حول المؤسسات المتعددة الأطراف، ومحاولة تعديل مراكز القرار فيها لمصلحة بلدان الجنوب، وستتفاقم الإجراءات للحد من هيمنة الدولار وبروز وحدات نقدية جديدة وإنشاء وتقوية المؤسسات الموازية لنظام بريتون وود.

والأخطر من هذا، هو السباق المحموم في التشبيك والتوسع المعولم وإقامة التحالفات مقابل التوسع والتحالفات المضادة. وفي مجال التسلح يسعى كل طرف إلى تحقيق السبق التكنولوجي المتطور في البر والبحر والجو، مصحوبة بحرب المعلومات واستخدام الذكاء الاصطناعي. وعلى الساحة التجارية، ستتفاقم الحروب والنزاعات للتحكم والسيطرة على قنوات التزويد وتعديل مساراتها ومسارات سلاسل القيمة في الإنتاج على المستوى الدولي.

وستأخذ حالة اللانظام الدولي هذه، البالغة التعقد وذات الاتجاه اللاخطي في تفاعلاتها، ردحاً طويلاً من الزمن، وحتى الوصول إلى مرحلة التحوُّل (Transformation) في إرساء تعددية الأقطاب والوصول، ضمناً أو صراحة، إلى عهد جديد (New Deal)، وذلك ليس في القريب المنظور، أو قد يحتاج إلى هزة جيوستراتيجية أكثر تأثيراً)).

-اما المفكر السياسي ابراهيم العبادي

قد تناول مقالًا في عموده الاسبوعي تحت عنوان :

نحن والغرب، من الرابح من صعود الشرق؟

قائلًا:((….وحتى الساعة لم تستطع قوى الشرق المنافسة للغرب ان تقدم نموذجها الانساني والحقوقي المثالي ماسيحرمها من بناء صورة النموذج المثالي البديل للغرب،افول الغرب ليس امنيات ومؤشرات تدل على قرب خسارة موقع الصدارة على فرض تحققه،بل هو انقلاب في موازين القوى ومنظوماتها الاخلاقية والاجتماعية ونموذجها الجاذب،فهل سيستطيع الشرق ان يملأ هذا الفراغ بسرعة امنيات الحالمين بتراجع النموذج الغربي ؟

- القراءة الدقيقة لا تقول بذلك،فالنموذج السياسي والحقوقي والاخلاقي الشرقي ليس كما يروج اعلاميا وعلى شاكلة التفكير الرغبوي، رغم عيوب وقبح الكثير مما يجري في الغرب حاليا،بل ان هذا الغرب نفسه قادر على ان يصحح مساراته بمكامن القوة لديه،وابرزها قدرته على القراءة النقدية والتعلم من تجاربه واخطائه،مايرضينا نحن الشرقيين (المسلمين ) لن يكون تغير اقطاب العالم بين شرق (مسالم )وغرب (عدواني ) كما يُظن،بل ببناء النموذج السياسي والاقتصادي والاخلاقي الذي يصرف اهتمام شعوبنا عن الشغف بنماذج الاخرين،هذا ماتساءل عنه الباحث والمؤرخ الايراني الشهير رسول جعفريان وهو يرد على المبشرين بسقوط الغرب متسائلا لماذا يتجه ابناء المسلمين مهاجرين الى هذا الغرب متحملين كوارث الموت غرقا ودهسا اذا كان هذا الغرب سينهار قريبا ؟))

2- وعلى مستوى الاقتصاد السياسي الدولي مازلت اتابع الاسباب والعوامل الجوهرية التي قادت الى انسحاب بريطانيا من مجموعة الاتحاد الاوروبي Brexit . ولماذا لم يذوب الباون الاستيرليني والنظام النقدي البريطاني ويتلاشى في العملة الاوروبية الموحدة التي اقرت في ماستريخت في العام 1991 ؟ ذلك على الرغم من ان اقتصاد منطقة اليورو يقترب اويماثل اقتصاد الولايات المتحدة في قدراته التجمعية aggregated ؟ ثم لماذا لم ياخذ اليورو حصته من النظام الاحتياطي الدولي الذي يتزعمه الدولار منذ اتفاقية بريتون وودز عام 1945 لينتزع من ذلك النظام حصة في الاحتياطيات والتمويل الدولي لاتتعدى 10%حتى اليوم؟

ان من اجمل الاجابات جاءت على لسان استاذ الاقتصاد في مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية LSE وخبير بنك انكلترا البرفسور Charles Goodhart في عمود نشر له في مجلة ذي ايكونومست اللندنية قبل اعوام؛ مدركاً بان السبب الجوهري لعدم احلال اليورو محل الدولار بنسبة متعادلة ولتكن 50%بدلا من 10% حالياً،هو ان دول الاتحاد الاوروبي الغنية والفقيرة منها هي ضمن منطقة اقتصادية على الرغم من انها اصبحت موحدة نقديا او في اتحاد نقدي اوروبي monetary -union- ولكنها لاتمتلك سياسات مالية fiscal policies موحدة او متقاربة بل هي ماليات عامة مختلفة تمليها الظروف الداخلية لبلدان اوروبا بشكل منفرد تماماً، فمنها ما بدأ يمارس سياسات العجز في الموازنة العامة مثل اليونان وغيرها ومنها من لايستطيع التنافس وخفض العملة الاوربية الموحدة ( اليورو )من طرف واحد، ما جعلها تدخل في اخفاقات العجز في ميزان المدفوعات من خلال محاولة التمدد بالدين العام والاقتراض الخارجي وعجز الموازنات العامة ومواضيع كثيرة كلها تاتي كبديل عن عدم القدرة على التدخل في خفض العملة الاوروبية devaluation بشكل منفرد على غرار العملة الوطنية المستقلة في سياستها النقدية( التي تمكنها من اشاعة اجواء من التنافسية تساعد على تعظيم الصادرات والتبادل السلعي وبلوغ التوازن في الحساب الجاري لميزان المدفوعات ).

فما اراه في موضوع الولادة الميسرة للقطبية الثنائية في شرق العالم امست تقترب تماماً مع ما طرحه المفكر ابراهيم العبادي ولا تبتعد في الوقت نفسه مع مطارحات الكاتب القدير دارم البصام من ان هناك نواقص كبيرة في الشروط التاريخية التي يتطلبها تطور البناء المادي والاجتماعي لولادة الاقطاب ولاسيما بين المراكز الصناعية الراسمالية المتروبوليتان التقليدية الاستعمارية الاوروبية من جهة والولايات المتحدة التي تعمل باقتصاد شديد الاستقلالية ومنتج للقوة من جهة اخرى، وبموازنة سنوية وسياسة مالية واحدة consolidated fiscal policy . في وقت تستحوذ اميركا كقوة امبريالية على 25%من الناتج المحلي الاجمالي للعالم مجتمعاً .تقابلها الصين الصاعدة تنمويًا لتاسيس طموحاتها الامبراطورية في ولادة(( مملكة العالم الوسطى)) وبين روسيا المحاربة التي ترى ضالتها في جغرافية سياسية عنوانها (( اروسيا قلب العالم ومملكته كما يرى دوغين )) .

وبالمقابل هناك عودة انكلو سكسونية للدولة القومية او (الماركنتالية الجديدة new mercantilism ) ربما ستجعل من الحرب في اوروسيا، بان تحول اوروبا وهي (قلب العالم ) لتكون بمستوى اقل في نزعاتها الاستقلالية الاوروبية اوالترويج للعولمة كتكتل شبه معولم، لتنضم اوروبا تدريجياً الى القطب الاحادي المركزي الغربي وهي تحتذي( بسطال الحرب War boot) في اوكرانيا وتعيد بنفسها تسديد اثمان اعادة انتاج قوتها التاريخية التي عززها (مشروع ) مارشال قبل 75 عام لتولد مجدداً (كراسمالية مركزية موازية parallel central capitalism ) تنطوي تحت الجناح (الانكلوسكسوني الراسمالي المركزي) لاستعادة ثمن انتصارها في الحرب العالمية الثانية، لتعيد بناء اقتصاداتها مجددا ولكن بعوامل تراتبية جديدة ناطقة بابجدية انكليزية في مرتسم القطبية الاحادية القائم حالياً.

3- ختاماً، ارى انه مازال هناك

عالم اول مركزي تاريخي مهيمن بزعامة قطبية احادية وعالم ثاني (هجينيhybrid)في طور التكوين (الجنيني )ولاسيما بعد ان تراجعت فرضية العالم الثالث لمصلحة سيادة قطب واحد شديد القوة والشراسة حتى اللحظة . ولكي يولد القطب الشرقي الثنائي المعادل بمنطق اقتصادي وايديولوجي مستدام وعلى وفق مصالح تتكيف مع ثقافات العالم وحضارات شعوبها وبنياتها الاقتصادية الممتدة بين شمال الارض وجنوبها،فان العالم سيتحمل عبء القطب الاحادي (الانكلوسكسوني) القومي النزعة، الماركنتالي التكوين مجدداً الى زمن امبريالي قادم مبهم .

.............................................................................................
* الاراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق