ماذا يتعين علينا أن نفعل لسد الفجوتين؟ على جانب التمكين، تشمل الخيارات زيادة الاستثمار في الإسكان الميسر، والرعاية الصحية، والتعليم، فضلا عن الدعم المباشر للأسر المستضعفة. وعلى جانب صافي الصِـفر، من الممكن أن يُـفضي الدعم العام الأقوى والسياسات الأكثر جرأة إلى تعبئة كميات أكبر من رأس المال الخاص...

بقلم: مايكل سبنس، آنو مادجافكار، سفين سميت

ميلانو ــ مع اقتراب موعد انعقاد الدورة الثامنة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة وأسبوع المناخ في مدينة نيويورك، ومؤتمر الأمم المتحدة المقبل المعني بتغير المناخ (مؤتمر الأطراف 28)، بات من المحتم أن يوضح العالَـم العلاقة بين النمو الاقتصادي والاستدامة البيئية. بعيدا عن أي تعارض بين الأمرين، يُـعَـد الأول شرطا أساسيا لتحقيق الأخير: إذ تشكل الدينامية الاقتصادية وتحسين مستويات المعيشة أهمية بالغة لتمويل العمل المناخي وضمان القدر الكافي من الدعم العام له.

ما يدعو إلى التفاؤل أن هذا صار واضحا على نطاق واسع الآن. في شهر يونيو/حزيران، أصدر زعماء بعض من أكبر الاقتصادات على مستوى العالَـم ــ بما في ذلك البرازيل، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، واليابان، وجنوب أفريقيا ــ بيانا مشتركا يصف الحد من الفقر وحماية كوكب الأرض على أنهما هدفان "متقاربان". على نحو مماثل، أَكَّـدَ الإعلان الصادر بعد قمة مجموعة العشرين التي اختتمت أعمالها للتو في نيودلهي على أنه "لا ينبغي لأي دولة أن تضطر إلى الاختيار بين محاربة الفقر والكفاح من أجل كوكبنا".

تربط أبحاث حديثة أجراها معهد ماكينزي العالمي بين هذين الهدفين وأرقام بعينها، والنتائج مبهرة. لنبدأ بتكلفة العمل من أجل حماية الكوكب. سوف يكلفنا الإنفاق الإضافي التراكمي على التكنولوجيات المنخفضة الانبعاثات والبنية الأساسية الضرورية لسد فجوة الاستثمار اللازم لتحقيق صافي الصِـفر من الانبعاثات بحلول عام 2030 نحو 41 تريليون دولار، أو ما يعادل 4% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنويا.

تتطلب تلبية هذه الاحتياجات الاستثمارية وتحقيق الانتقال إلى صافي الصِـفر الدعم الشعبي والمشاركة على نطاق واسع. ولأن الناس الذين يعيشون في فقر أقل ميلا إلى دعم العمل المناخي، وخاصة إذا شعروا أن احتياجاتهم تحظى بأولوية أدنى، فإن الجهود المتزامنة المبذولة لتحسين مستويات المعيشة تشكل ضرورة أساسية.

لا يقتصر الأمر على رفع مزيد من الأسر فوق خط الفقر المدقع الذي حدده البنك الدولي (2.15 دولار يوميا تبعا لتعادل القوة الشرائية). لتحقيق التنمية المستدامة، يتعين علينا أن نتجاوز حاجزا أعلى، والذي يعتبره معهد ماكينزي العالمي "خط التمكين".

يختلف موضع خط التمكين الدقيق من بلد إلى آخر، بما يعكس تكاليف المعيشة المختلفة. لكن المعنى هو ذاته دائما. إنه العتبة التي تحصل الأسر بعدها على الوسائل الكافية لتلبية احتياجاتها الأساسية ــ مثل التغذية، والإسكان اللائق، والرعاية الصحية، والتعليم الجيد ــ والعمل نحو تحقيق الأمن الاقتصادي. في غياب القدرة على الادخار، تعجز الأسر عن بناء عازل يحميها من الصدمات، بما في ذلك تلك الناجمة عن تغير المناخ.

الواقع أن نحو 4.7 مليار شخص على مستوى العالَم غير مؤهلين لينطبق عليهم وصف التمكين الاقتصادي الكامل، ويقيم نحو 40% من هؤلاء السكان في الهند ومنطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، وإن كان النمو المرتفع في الهند من المرجح، إذا استمر، أن يؤدي إلى خفض هذا الرقم. علاوة على ذلك، نجد أن كثيرين من أولئك الذين يبدو الأمر وكأنهم حققوا أنماط حياة "الطبقة المتوسطة" في البلدان المتوسطة الدخل والأعلى دخلا يفتقرون إلى حاجز يحميهم من الطوارئ والصدمات، ويناضلون من أجل تغطية تكاليف السكن والرعاية الصحية. ورغم أنهم لا يمكن توصيفهم رسميا على أنهم "فقراء"، فإنهم عاجزون عن تحقيق كامل إمكاناتهم وربما يمكن اعتبارهم معرضين لخطر الانزلاق إلى الفقر.

يتطلب إغلاق "فجوة التمكين" بحلول عام 2030 أن يعمل العالَـم على تعزيز الاستهلاك التراكمي من جانب هؤلاء السكان البالغ عددهم 4.7 مليار نسمة بنحو 37 تريليون دولار ــ نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي سنويا. (تتفاوت التفاصيل بدرجة كبيرة من منطقة إلى أخرى). وإلى جانب 41 تريليون دولار لسد فجوة الاستثمار اللازم لتحقيق صافي الصِـفر من الانبعاثات، فنحن نتحدث عن ما يقرب من 8% من الناتج المحلي الإجمالي كل عام حتى عام 2030.

صحيح أن التحدي رهيب، ولكن لا ينبغي لهذا أن يُـفضي بنا إلى الشلل. بل على العكس من ذلك، ينطوي بحثنا على أخبار طيبة، والتي يجب أن تحفز أصحاب المصلحة كافة: إذ تشير تقديراتنا إلى أن النمو المتسارع، والإبداع بقيادة الشركات، والتقدم التكنولوجي، كل هذا من شأنه أن يدفع العالَـم نصف المسافة إلى تحقيق أهدافه المشتركة.

لن يكون الزخم الحالي كافيا. ويتعين علينا أن نعمل بنشاط على حماية النمو الأساسي من الرياح المعاكسة والالتزام بزيادة الإنتاجية من خلال الاستثمار في التكنولوجيا، وشركات الأعمال الجديدة، وتنمية المهارات. والفرص المتصلة بكل هذا وفيرة: فمن الممكن أن تساهم الابتكارات في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المالية، وعلوم الطب الحيوي، وعلوم المواد، وغير ذلك، في مكاسب الإنتاجية، والنمو الشامل، وتحول الطاقة.

إذا نجح النمو المتسارع في خلق وظائف أفضل أجرا، وضمن أصحاب العمل حصول العمال على المهارات اللازمة لشغل هذه الوظائف، فسوف نتمكن من سد ما يقرب من ثلثي فجوة التمكين العالمية، مع عبور ما يزيد قليلا على ملياري شخص خط التمكين وإفلات 600 مليون شخص من براثن الفقر. من ناحية أخرى، قد يصبح ما يقرب من 10 تريليون دولار من الإنفاق المنخفض الانبعاثات متاحا للقطاع الخاص بحلول عام 2030. وقد يعمل النمو الاقتصادي، إلى جانب التقدم التكنولوجي، على تقليص فجوة الاستثمار اللازم لتحقيق صافي الصِـفر من الانبعاثات بنحو 40%.

ولكن ماذا يتعين علينا أن نفعل لسد الفجوتين؟ على جانب التمكين، تشمل الخيارات زيادة الاستثمار في الإسكان الميسر، والرعاية الصحية، والتعليم، فضلا عن الدعم المباشر للأسر المستضعفة. وعلى جانب صافي الصِـفر، من الممكن أن يُـفضي الدعم العام الأقوى والسياسات الأكثر جرأة إلى تعبئة كميات أكبر من رأس المال الخاص، وهذا كفيل بدفع تكاليف التكنولوجيات المنخفضة الانبعاثات إلى مزيد من الانخفاض. في مجمل الأمر، من الممكن أن تعمل الالتزامات المجتمعية بنحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنويا ــ 20 تريليون دولار بشكل تراكمي ــ على سد الفجوتين بحلول عام 2030، وإن كانت هذه الالتزامات تهدد بالتأثير سلبا على الاقتصاد الأساسي.

في كل الأحوال، ستشكل آليات التمويل الـخَـلّاقة ضرورة أساسية. ويتعين على المؤسسات المتعددة الأطراف بشكل خاص أن تعمل على ابتكار مرافق جديدة للاقتصادات النامية ــ وهو الجهد الذي يمكن تعزيزه من خلال زيادة رسملة هذه المؤسسات وإنشاء منصات جديدة للوساطة في إدارة المخاطر للمساعدة في حشد رأس المال الخاص. سوف نحتاج أيضا إلى حلول أخرى إبداعية ــ مثل توجيه الفوائض الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة نحو الاستثمارات الخضراء. لتحقيق هذه الغاية، يتعين على النظام المالي العالمي أن يعمل على إيجاد سبل مبتكرة لاستيعاب التدفقات الضخمة عبر الحدود.

لن يكون التقدم سهلا، وسوف يكون الثمن باهظا؟ لكن الاستثمار في سد فجوتي التمكين والاستثمار اللازم لتحقيق صافي الصِـفر من الانبعاثات اليوم من شأنه أن يقودنا إلى عالَـم أكثر ازدهارا واستقرارا. ولا أستطيع أن أتخيل مكافأة أعظم قيمة.

....................................

* مايكل سبنس، حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، وأستاذ فخري في الاقتصاد وعميد سابق لكلية الدراسات العليا في إدارة الأعمال بجامعة ستانفورد. وهو زميل أول في معهد هوفر، ومستشار أول لشركة جنرال أتلانتيك، ورئيس معهد النمو العالمي التابع للشركة. وهو رئيس المجلس الاستشاري لمعهد آسيا العالمي ويعمل في اللجنة الأكاديمية في أكاديمية لوهان. وهو رئيس سابق للجنة النمو والتنمية ومؤلف كتاب "التقارب التالي: مستقبل النمو الاقتصادي في عالم متعدد السرعات".
آنو مادجافكار، شريكة في معهد ماكينزي العالمي.
سفين سميت، شريك رئيسي في شركة ماكينزي آند كومباني ورئيس معهد ماكينزي العالمي.
https://www.project-syndicate.org/

اضف تعليق