ليس ذنبك ان تستنسخ أكثر من نسخة واحدة من الوثائق الثبوتية، (المستمسكات)، في اليوم الواحد عند مراجعتك لدائرة من دوائر الدولة، وليس وحدك من يقع بهذه الإشكالية من المواطنين، الكثير يكتوون بهذه النار التي سببها الامية الوظيفية وعدم التأكد من قبل الموظف المعني بما تحتاجه هذه المعاملة لإنجازها.

الأخطاء التي يقع فيها الموظفين في عموم الدوائر تكلف العديد من المواطنين المزيد من الأموال والوقت والجهد، حتى تصل في بعض الأحيان الى قضاء يوم بأكمله تتنقل بين المؤسسات بحثا عن الإجابة الشافية والقرار الصائب الذي يجنبك مزيد من هدر للمال والوقت.

أتكلم عن تجربة شخصية وقد وقعت ضحية لخطأ موظف في احدى الدوائر الخدمية، مما اضطرني الى الذهاب لمحافظة أخرى لجلب ورقة ثبوتية، وفي النهاية وعند وصولي الموظف المعني في المحافظة الاخرى، أبلغني بعدم الحاجة الى قطع هذا المشوار الطويل وتحمل الاتعاب المالية والجسدية، ومن الممكن معالجة الموضوع بمحافظتي دون المجيء الى هنا!

من تحمل الكلفة الاجمالية هو المواطن وليس الموظف، فالأخير جالس في مكتبه المُكيف، الذي يحتوي على جميع وسائل الراحة، ومن نال قدرا من المشقة هو المراجع الذي ذهب ضحية الأخطاء وعدم الدراية العامة بالشؤون الإدارية القائمة في المؤسسة، وأحيانا يكون الاختلاف بين الموظفين في نفس الدائرة.

الاختلاف في المتطلبات التي تطلب من الفرد المراجع، عادة ما تعود الى الخلل في الجانب الإداري بالمؤسسة الحكومية، ومن يتحمل المسؤولية هو المدير بصورة مباشرة، ومن فوقه الجهات العليا، فهي الى الآن لم تزج الموظف الجديد في دورات تأهيلية تمكنه من مزاولة عمله بشكل جيد خال من الأخطاء البسيطة والمعقدة.

ويترتب على ذلك التقصير بحق الموظف، تقصير كبير بحق المواطنين المراجعين بشكل دوري، وهنا يتطلب من المسؤول المعني الالتفات الى أهمية التدريب المتواصل، اذ يجعل هذا التمرن الدائم، الموظفين يعملون بمهنية وكفاءة عالية متجنبين الأخطاء التي تعرقل سير العمل المؤسساتي اليومي وبالتالي يؤدي الى عدم انجاز المعاملات البسيطة التي تتطلب ساعات من العمل الصحيح وليس أيام معدودة.

ومن فوائد التدريب الأخرى يأتي لردم الفجوة الكبيرة والفارق بالخبرات بين الموظفين الجُدد والقُدامى، فلا بد من مزج الخبرات والتجارب العملية في المجال لمنع حدوث حالات مشابهة من التخبط الوظيفي وعدم الاهتمام لما يقدم للمواطنين، وكأن الموظف متفضل على الفرد المراجع وليس من واجبه خدمته ويتعامل معه تعامل حسن بقدر العلاقة بين الشخصين.

ومن ملامح الامية الوظيفية هو خلو الدوائر الحكومية من المرونة في التعامل مع المراجع، ففي كثير من الأحيان يكون الشخص المعني لإنجاز عمل ما يتمتع بإجازة اعتيادية، وفي النهاية تؤجل جميع الاعمال المتعلقة بهذا الموظف ربما لإيام وعدم تخويل من ينوب عنه لتسهيل العمل وتحقيق الانسيابية العالية.

كل شيء سلبي في عمل المؤسسات الحكومية يمكن اجراء التعديلات عليه وتحسين الأداء، ومن بين هذه الخطوات الخاصة بالتعديل، هو فتح منافذ او فروع إدارية بعيدا عن المركزية في بعض الوزارات لإنجاز معاملات المواطنين، تخيل ان مواطنا من المحافظات الجنوبية يُجبر على المجيء الى العاصمة لمجرد حاجته الى توقيع موظف بسيط في وزارة ما.

تصور كمية المخاطر التي تحف هذا المجيء الى جانب الأعباء المالية المترتبة على ذلك، بينما من السهل جدا ان يكون فرع من هذه الدائرة او الهيئة في المحافظات العراقية، لتمرير جميع الإجراءات بسهولة مطلقة وعدم الحاجة الى مزيد من النفقات والتعرض لحادث ما لا سمح الله.

ان كان من الصعوبة ان يتحقق هذا الامر (فتح فرع من الدائرة المركزية او الهيئة)، في المحافظة فمن الممكن الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، والاستفادة من الخدمات التي تؤديها الشبكات العنكبوتية في مجال انجاز المعاملات كما هو الحال في الدول المتطورة التي تتبع أكثر الطرق حداثة؛ لتلافي الوقوع في مصيدة الروتين اليومي المعقد والمنتشر في الدوائر الحكومية.

القضاء على الامية الوظيفية ربما من أسهل الأشياء وأسرعها تحققا بالنسبة للدوائر الرسمية، فكل ما تحتاجه هو مزيد من الشعور بالمسؤولية من قبل المسؤولين المعنيين في تخفيف الضغوطات اليومية على المواطنين الذين أصبحوا ينظرون الى تلك الدوائر على انها مكان اذلال وحرق للأعصاب، أكثر مما هي مرفق لتقديم أفضل الخدمات وتحسين الحياة العامة لهم.

اضف تعليق