في بعض الأحيان اتوقف عند تعريفات تبدو من بديهيات الاستراتيجية في بناء دولة، لكن يبدو ان واقع دولة الاشباح التي خلفها نظام مفاسد المحاصصة انتهت الى ما انتهى اليه حال "رماد بابل" كما سرده المهندس محمد صاحب الدراجي وربما يكون موضوع هذا المقال مجروحا بحقي لكني اتوقف عند الانطباع الذهني عن الرجل بإمكانية الخروج من مازق دولة الاشباح الى دولة المؤسسات ضمن لعبة كراسي السلطة في هذه العملية السياسية الفاشلة.

اليوم، أحاول تفكيك طلاسم علاقة كتاب "رماد بابل" الذي تحدث فيه الدراجي قبل سنوات مضت عن ما تعرض له بعد محاولاته احياء الصناعات العراقية وتوصيفه لحالة الفساد البنيوي في جسد هذه العملية السياسية وما كان بالإمكان فعله من بعض نواب شبه المستقلين في الاتيان بهذا التغيير المنشود، لا اكشف سرا ان حضور السيد السوداني ندوات مركز حلول للدراسات حينما كان تحت شراكة المعهد الاقتصادي العراقي بإدارة المرحوم الدكتور كمال البصري، متحدثا او مشاركا، كنت الحظ هذا النوع من التناغم في الأفكار والرؤية لمستقبل العملية السياسية.

لكن يبدو ان رماد بابل والدولة الخفية للفساد السياسي ما زالت وستبقى لها كملة السبق في إدارة احد اخطر ملفات التكوين الاستراتيجي للأمن الوطني العراقي متمثلا في الصناعات الحربية وما يمكن ان تكون عليه بوجود كل من شخصية السوداني من جانب والدراجي من جانب اخر، لاسيما وان توحد الرؤية مطلوبا بقوة في إدارة هكذا ملفات.

واقف طويلا امام تلك المعلومة عن إمكانية تجميع قمرا صناعيا عسكريا عراقيا بقية لا تزيد عن عشرة ملايين دولار لتمكين القوات المسلحة العراقية من ضبط كل شبر من الأراضي العراقية، فيما تقوم الأجهزة المعنية بشراء صور الأقمار الصناعية بأضعاف مضاعفة من هذا السعر، هنا يبرز السؤال، هل فساد "رماد بابل" ودولته الخفية يقف وراء عرقلة مثل هذه المشاريع كما يذهب السيد الدراجي في الدفاع عن مواقفه ام ان في سياساته ربما المتسرعة لإعادة وجود مصانع حربية انتهت بظهور اشباح الدولة الخفية وانتهى الموضوع بقرار للمحكمة الاتحادية ضده ؟؟!!

ما بين وقائع كتاب "رماد بابل" وما فيه من مفارقات كتبها الدراجي عن فساد الدولة الخفية وما حصل أخيرا في عرقلة مشاريع الصناعات الحربية كما يقول في لقاءه مع قناة السومرية علنا، أجد من المهم تثبيت تحليل الفرص والتحديات في الاتي:

أولا: بعيدا عن الشخصنة، اجد الفرص المتاحة لإعادة الصناعات الحربية عراقيا حالة واقعية وان تعثرت في هذه الخطوة او تلك، وهذا يتطلب نموذجين من الفرص السانحة، الأولى إعادة استثمار اجازات التصنيع من معامل مختلف الدول التي منحت الصناعات العسكرية في النظام السابق حقوق نقل المعرفة في تصنيع الأسلحة الخفيفة والعتاد للسلاح الخفيف والمتوسط والثقيل، وإمكانات توسيع هذه الاتفاقات في ضوء مواقف الدول من الحرب على الإرهاب، النموذج الثاني في الفرص المتاحة، تعزيز دور الجامعات العراقية في انتاج مفردات تطوير الصناعات الحربية الوطنية، وهذا المنهج مطلوب تطبيقه كليا ليس في الصناعات الحربية فقط بل في جميع أنواع الصناعات المدنية، وتطبيق نموذج الحشد الهندسي المدني يتطلب من رئاسة الوزراء اليوم اشراك الجامعات العراقية في الاشراف عليه كمكاتب استشارية تخصصية.

ثانيا: أيضا بعيدا عن الشخصنة، أجد التحديات واقعية تتمثل أولا في عدم قناعة جهات عسكرية بإمكانية عودة العراق الى تصنيع السلاح الدفاعي وتكتفي بربط توريد السلاح للعراق كنوع من "الأفضلية" لدول الجوار لاسيما إيران وان دفع العراق ثمن هذا التوريد بأسعار مضاعفة كما يحصل مع استيراد الغاز والكهرباء!! وهذا الموضوع لوحده أكبر التحديات التي يتمسك بأطرافها قادة الدولة الخفية في عراق اليوم والغد، وهذا المثال يتطابق أيضا مع تركيا وأميركا وحتى دول الاتحاد الأوربي في سياقات التنافس على التواجد في عراق منتهك السيادة وساحة لتصفية الحسابات على ارضه.

ما بين الفرص والتحديات يطرح السؤال عن المسؤولية الملقاة على كاهل حكومة السيد السوداني، وهو كاهل ثقيل بملفات معقدة ومتشابكة، لكن إيلاء هذا الملف الفرضيات التي كان السيد رئيس مجلس الوزراء يطرحها عن ردم الفجوة في تطبيق استراتيجيات النهوض بالتنمية المستدامة وطنيا يمكن ان تظهر في موقف واضح وصريح لنهوض الصناعات الحربية في عراق اليوم والغد.... ويبقى من القول لله في خلقه شؤون!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق