الشائع لدى الكثير ان الامية بمفهومها العام، تعني عدم قدرة الأشخاص على القراءة والكتابة، اذ جعلت المعرفة بطرق الكتابة وأساليب الاطلاع، هي المعيار الذي نُميز من خلاله الفرد المتعلم من الجاهل، بينما لم تدرك بعض المجتمعات الأصناف الأخرى من الامية، ولم تضعها تحت المجهر لتفسرها وتعرف ماهيتها بصورة عامة.

ومن الأصناف التي لم تحدد بصورة واضحة هي الامية السلوكية، وربما لا تقل خطورة عن الامية الشائعة والمتعلقة بالقراءة والكتابة، فالأمية السلوكية، تعني عدم الاهتمام من قبل الافراد بسلوكهم اليومي، ويتصرفون بما يحلوا لهم دون الرجوع الى اللوائح الانضباطية القائمة في المجتمع.

ولا يمكن ان تحكم على الطبيب او المهندس، المعلم والمدرس على انه شخص امي من حيث المفهوم العام، لكنه قد يكون اميا بما يتعلق بالثقافة السلوكية، وكثيرا ما نلحظ بعض التصرفات التي لا تمت بصلة للأشخاص المتعلمين والدارسين، وهنا اختلف معنى الامية الدارجة عن هذا النوع من عدم المعرفة.

السلوك الإنساني يحتكم في اغلب الأحيان الى جملة من القواعد والادبيات العامة التي لا يجوز الحياد عنها، بل الواجب الاهتمام بها وتعلمها، ومن لم يلتزم بهذه القواعد العامة التي تحكم تحركات الفرد اليومية، يأتي من يعده ضمن صفوف الاميين في المجال السلوكي تحديدا، فرمي المخلفات في الطرقات العامة وعدم احترام الإشارات المرورية، إضافة الى التصرفات غير المتزنة كلها مصاديق حية على الامية السلوكية.

ولا تنتشر مثل هذه السلوكيات الى في الامة الجاهلة التي لا تسمع ولا ترى ما يقال في الالتزام السلوكي، تعيش بمعزل عما يدور في الحياة المنطقية، لم تتبع طرق النهوض بالمجتمعات عبر التمسك بأساليب الرقي والازدهار التي أدركت أهميتها العديد من الشعوب وجعلتها من أولويات التقدم.

تخلف السلوكيات الفردية له جذور وأسباب عميقة، تعود في جزء كبير منها الى العوامل الاجتماعية التي عصفت بالمجتمع، وتركت الرواسب السلبية تطفو الى السطح، اذ تعتبر هذه النتيجة واحدة من الافرازات المنطقية لمجتمع عاش عزلة كبيرة عن التطور والنهوض والاطلاع على مظاهر الحياة الصحيحة لكي يطبقها ويعمل على تبنيها في التصرفات والحياة اليومية.

ولا تقل أهمية وتأثير على السلوك الفردي التربية المنزلية، كثير من الاسر لا تولي هذه الجزئية الاهتمام الكافي، بل تعتبرها من مظاهر الترف الاجتماعي، تاركة التنبيه عن الأخطاء السلوكية والتصرفات التي لا تنطبق وعادات المجتمع، وبالتالي تظهر العديد من التصرفات الدخيلة التي تتنافى والقيم الاجتماعية.

ومن هذه السلبيات السلوكية هي اعتداء الطالب على المدرس يشاركه في التهجم الاهل الذين رسخوا في ذهنه مسالة حفظ الكرامة وعدم القبول بالاعتداء عليه من قبل أي كان، وفي الحقيقة يتنافى ذلك مع الدور الابوي والتربوي الذي تضطلع فيه الاسرة التعليمية، والتي لا يمكن ان نُهمش دورها في التنشئة الاجتماعية السليمة.

وإذا كان من السهولة محاربة ومواجهة الامية العامة فمن الصعب بمكان ان يتم السيطرة على الامية السلوكية، فكيف يمكن ان نضبط الإيقاع السلوكي للأفراد في البيت والمنطقة، الى جانب التصرفات في الأماكن العامة والدوائر الحكومية؟

ولا مخرج من هذه الإشكالية الكبيرة، الا بتفعيل التشريعات القانونية التي تضبط سلوك الافراد، وتحد من التجاوزات المستمرة من قبلهم على جميع المرافق، فبالقانون يمكن ان نمنع الاعتداء على الطواقم التربوية، والملاكات الصحية المتكررة، وبالقانون أيضا نحمي المواطن الضعيف من الحيف ان يقع عليه.

كل الأفعال التي لا تنطبق مع الفطرة السليمة التي فُطر الانسان عليها، بصرف النظر عن الأشخاص وما يحملونه من درجات علمية، فأنها تندرج ضمن الامية السلوكية، التي بانت ملامحها في الأوقات الأخيرة، وبالتزامن مع الضعف الواضح بالقانون وتنفيذه، وهنا تتطلب وقفة جادة من الجهات الدينية والرسمية التي تعتبر من نقاط التأثير على المجتمع وتدفعه نحو الإيجابية.

اضف تعليق