"قيدوا العلم بكتابته"

رسول الله، صلى الله عليه وآله

مشاغل الحياة المتشابكة، وسرعة الجري خلف المصالح والاحتياجات اليومية في شتى المجالات، غيبت عن الكثير عامل التأثير الأكبر والمحرّك الأول لهذه الحياة، فقد كان الظن أنه المال –وما يزال تقريباً-، وفي وقت لاحق ترك النضج السياسي اثره في النفوس فصارت السياسة وأدوات الحكم هي السلطة العليا المحركة في حياة البشر، بيد أن مآلات الديكتاتورية؛ من قمع، واضطهاد، وتضليل، وتجويع، دفع الناس للتشبث برداء الثقافة ليضفي على الحياة العامة هوية خاصة يتنفس من خلالها النظام والاستقرار، لذا أنصبّت كل دعوات التنمية والنهضة والتغيير على محور الثقافة، فاذا توفرت الثقافة الدينية، او الثقافة الصحية، او الثقافة الاجتماعية، او الثقافة السياسية وهكذا... صار بالامكان الاطمئنان على مستقبل البلد والشعب، وأي فوضى، او اضطراب اجتماعي او سياسي او اقتصادي يعزوه الكثير الى فقدان "الثقافة".

فقدان العلم لاستقلاليته وفقدانه قيمته

كم هو البون الشاسع بين قيمة العلم والمعرفة في البلاد الاسلامية التي سحقتها خيول المغول في القرن الثالث عشر الميلادي، اي قبل حوالي ثمانمائة سنة، وقيمة العلم في عالم اليوم حيث مظاهر الرخاء والتطور والرفاهية، فبعد أن اكتسح المغول بغداد سنة 1258م ودمرت معظم معالم الحضارة الاسلامية من مراكز للعلم وتراث ورجال أفذاذ، نرى أن انتصارهم العسكري لم يحقق لهم انجازاً مستداماً على أرض الواقع، فباتوا كريح عاصف لا يلبث ان تخبو قوته بعد حين، والسبب فقدانهم للجذور الحضارية وفي مقدمتها؛ العلم والمعرفة، فكان من الطبيعي ان تستوعب الحضارة الاسلامية تلكم الجيوش الجرارة والموغلة في الجهل، رغم جراحاتها وآلامها، وذلك بفضل علماء أفذاذ كانوا "من بقية السيف"، في طليعتهم؛ نصير الدين الطوسي، الذي يُعد –وما يزال- من مفاخر العلماء الشيعة والمسلمين على مر التاريخ، بتخصصاته في الفلك والهندسة والكيمياء والطب، الى جانب كونه مرجع دين أعلى في زمانه، فتحول الكثير من المغول الى الاسلام، بل سجل التاريخ ملوكاً في البلاد الاسلامية تعود أصولهم الى المغول في ايران وافغانستان والهند، مع التذكير بما فعله نصير الدين الطوسي من عملية إنقاذ رائعة لما تبقى من العلماء والمؤلفات والمدارس في بغداد بحسن مسايرته للقائد المغولي؛ هولاكو، واستيعاب قسوته وحشيته من خلال توظيف العلم والمعرفة في تغيير كثير من قراراته الدموية، وللمزيد مما قام به هذا العالم العبقري، بالامكان مراجعة من كتب عن سيرته و دوره التاريخي العظيم في مسيرة الحضارة الاسلامية.

ولكن! ماذا عن مصير العلم ومكانته اليوم؟

بدلاً من ان يكون المال والسلطة وحتى الدين والأخلاق، سنداً للعلم ليمضي في طريقه نحو الكمال الانساني، والتقدم الحضاري، تحول العلم في خدمة المال، وجندياً لدى السلطة، وعنواناً جميلاً للمتدينين من اجل ان يُقال: "هذا عالم دين"، بغض النظر عن استحقاقات هذا العنوان الكبير وأبرزها؛ نشر ما يحمله من العلم: "زكاة العلم نشره"، يقول رسول الله، صلى الله عليه وآله، وايضاً؛ التواضع والحلم والتقوى.

فعندما يقع العلم أسيراً في المختبرات البيولوجية لانتاج الفايروسات بحجة انتاج اللقاحات، أو في مراكز أبحاث الفضاء، أو في مصانع الاسلحة المتطورة، وحتى المصانع التي تنتج ما يفيد البشر وما يضره ايضاً من انبعاثات مهلكة و منتجة للاحتباس الحراري، بل وأخيراً وليس آخراً؛ في عيادات بعض الأطباء والمستشفيات الأهلية، فان علماً بهذه القيود الثقيلة والتبعية المقيتة كيف له أن ينظر بعين العطف الى عشرات الملايين من البشر المتعطشين للعلم والمصابين بالجهل والتخلف المطبق في مختلف جوانب حياتهم؟

وقد بات واضحاً أن حالة الجهل التي تعاني منها معظم شعوبنا، تمثل أحد أهم مطالب شريحة من النخبة العلمية في المجتمع – وليس كلهم- وتحديداً؛ أهل المال وأهل السلطة لمزيد من التسلّط والاستغلال البشِعَين، لاسباب يمكن تسليط الضوء على اثنين منها:

1- ضمان استمراية الضعف والهوان بين افراد المجتمع ليكون في حاجة مستمرة الى من بيده العلم والمعرفة.

2- ضمان الصمت إزاء الفساد المالي، والتبعية السياسية.

هنا نفهم سر تأكيد الإسلام منذ البداية على العلم والمعرفة من خلال عديد الآيات القرآنية، ثم على لسان النبي الأكرم، والأئمة المعصومين، عليهم السلام، بأن "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة"، و"اطلبوا العلم ولو بالصين"، وروايات لا تُعد في هذا المضمون، فهل هذا من أجل ان توفر العائلة مزيداً من المال لتوفير مسلتزمات البيت، واقتناء الملابس والسيارات وغيرها عبر الشهادة الاكاديمية؟ أم لهدف سامٍ أكبر من هذا، وإن كان هذا يُعد من فوائد العلم والتعليم، بيد أن الاسلام ينظر الى العلم كعامل قوة حاسمة في الامة تجعل من افرادها يتبصرون الامور بدقّة ولا "تهجم عليهم اللوابس" فيكونوا على معرفة و دراية بكل شيء، فلا يخطأون الاختيار، ولا يتخذون المواقف ذات العواقب السيئة، ولو بنسبة مقبولة، ومن ثمّ؛ تكون لهم المنعة أمام التحديات الخارجية مهما كانت. هكذا نرى الأمم المتقدمة والعصيّة على الضغوط والاستفزازات مثل الصين اليوم، واليابان سابقاً.

الكتابة وعاء العلم

من المؤسف أن نرى ونسمع أن علماء من أصناف مختلفين عاجزين عن الإمساك بالقلم وكتابة ما يجول في اذهانهم من ملاحظات او افكار، وفي أي حيّز كان، كأن يكون مقالاً علمياً، او دراسة تناقش ظواهر او حالات في المجتمع، ثم تعطي البدائل والحلول، هذا فضلاً عن المؤلفات والكتب التي نراها تزخر بها المكتبات الغربية في شتى العلوم والمعارف.

واذا القينا نظرة سريعة على فجر الحضارة الاسلامية نجد حجم الاهتمام البالغ من قادة الأمة على الكتابة وتدوين العلوم والروايات والملاحظات والرسائل، فجاء حديث النبي الأكرم لبعض اصحابه: "قيدوا العلم بالكتاب، فقيل؛ وما تقيده؟ قال: كتابته"، وعنه ايضاً، صلى الله عليه وآله: "اكتبوا العلم قبل ذهاب العلماء، وإنما ذهاب العلم بموت العلماء"، واذا نسمع في صدر الاسلام من نهى عن كتابة وتدوين أحاديث النبي الأكرم، بحجة "منع التزوير"! فهذا يؤكد لنا حجم الاصرار في تلك الحقبة الزمنية تحديداً على التجهيل والتضليل و سوق الناس الى ما يريد الحاكم، وإن كان منتهكاً لحرمات الله، ومتلاعباً في أحكامه، ومستهتراً بمصائر الناس وحقوقهم.

بينما الوجه الآخر من الواقع الاسلامي آنذاك فقد مثّله الأئمة المعصومون من بعد رسول الله، لاسيما في عصر النهضة العلمية والحضارية، متمثلة في عهد الإمامين الباقر والصادق، عليهما السلام، فقد كانت الكتابة من أبرز آليات النشاط العلمي المتنامي في تلك الفترة، ولا نجانب الحقيقة اذا قلنا أن ولادة المكتبة الاسلامية كانت على أنامل علماء وفقهاء ومحدثين من تلامذة الامام الصادق، مثل؛ جابر بن حيان، ووزرارة بن أعين، وهشام بن الحكم، ومحمد بن مسلم وآخرين، ممن شكلوا الطليعة الأولى في مسيرة العلم والمعرفة، فكانوا فنارات لقامات علمية وعباقرة ظهروا في أزمان لاحقة، لذا نسمع عن هذا العالم وما دوّنه من الرسائل الفقهية، والشروحات، وما دوّنه ذلك العالم من ملاحظات علمية حول الفلك والطب والهندسة والكيمياء، وعندما نقرأ بأن الكتب غطت نهر دجلة كاملة أيام الغزو المغولي لبغداد، لا يجب ان نسنتغرب كثيراً مما كان في هذه المدينة الحضارية آنذاك.

من فوائد الكتابة؛ الفهم والاستيعاب، أما الحفظ، او ما يعرف "بالدرخ" فانه يضع صاحبه على شفى جرف هارٍ من النسيان وضياع فرص التعلّم، وهو ما أشدّ ما تعاني منه افراد الأمة في غير بلد اسلامي، ومنها العراق، فالهمّ هو حمل العلم أكداساً في المُخ، ثم تفريغها في قاعة الامتحان على أمل الحصول على الدرجات العالية المؤهلة لكليات مرموقة، وتحديداً الطبّ او الهندسة، بينما العلم يجب ان يكون في القلب، تستخرجه النفس الطيبة، و يوجهه الوجدان والضمير الوجهة الصحيحة حيث منفعة الناس والامة.

اضف تعليق