آراء وافكار - مقالات الكتاب

الهدف الكبير

القاعدة العامة تقول ان لكل انسان هدفا معينا، والقران الكريم يقول: "وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ". ولست اتحدث هنا عن الهدف الشخصي لكل فرد، وانما عن الهدف المشترك للمجموع. يحق لكل انسان ان يكون له هدفه الخاص به. وهذا ما عليه كل الناس، لكن من المهم جدا ان لا يتناقض او يتعارض الهدف الخاص مع الهدف العام. وعلى هذا الاساس سنواصل حديثنا هن الهدف العام المشترك للمجموع العام لأفراد المجتمع وان كان الامر بنحو جماعي وليس اجتماعيا.

يطلق الدارسون لهذه المسألة، عنوان "المثل الاعلى" على الهدف العام المشترك، وجاء في موسوعة ويكبيديا ان المثل الأعلى هو مبدأ أو قيمة يسعى الإنسان إلى تحقيقها بصفتها هدفًا من أهدافه، ويمنحها الأولوية على الاهتمامات أو الشؤون الأخرى التي تتميز بقيمة معنوية أقل، فالمثل الاعلى هو الهدف الأسمى (او ربما مجموعة الاهداف) الذي يؤمن به المجتمع ويسعى اليه ويجعله مقياسا اعلى للسلوك وللعمل وضابطا له.

فالعمل الصالح هو ما كان باتجاه المثل الاعلى، والعكس بالعكس. وهذه العبارة تتضمن امرين في ان معا: الايمان بالمثل الاعلى او الهدف العام المشترك، والعمل من اجل تحقيقه. وهذا الاقتران بين الايمان والعمل الصالح من الظواهر الملموسة في القران الكريم كما في مثل قوله تعالى "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا". ويستبدل القران الكريم عبارة "عملوا الصالحات" بعبارة "ثم استقاموا"، اي الاستقامة على مقتضى الايمان بالمثل الاعلى او الهدف العام المشترك: "إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ استقاموا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ".

وتتنوع المثل الاعلى او الهدف الاعلى عرضيا وطوليا. فقد يجعل البعض الحفاظ على البيئة هدفا اعلى له، او مكافحة الفساد، او مكافحة الظواهر السلبية، او القضاء على البطالة، او ما شابه. وكل من هذه الاهداف الافقية صحيحة بذاتها، لكنها لا تغطي كل الاهداف المتصورة لمجتمع بشري.

كما تتنوع المثل العليا او الاهداف المشتركة عموديا، او زمنيا، اي من حيث المساحة الزمنية المستقبلية التي يغطيها الهدف، فقد يكون هدفا مستقبليا قريب المدى، كتعيين الخريجين، او متوسط المدى كالقضاء على الفساد، او بعيد المدى كإقامة الدولة الحضارية الحديثة. ولكن كل الاهداف التي يحددها البشر لأنفسهم ستكون نسبية من حيث البعد الزمني لها، ولا تغطي الزمن الى ما لا نهاية.

ومهما كان المثل الاعلى فانه يؤثر تأثيرا مباشرا على السلوك الفردي والجماعي في المجتمع، بما في ذلك سلوك الدولة. فالمثل الاعلى هو الذي يحدد اتجاه السير للمجتمع.

ولما كان كل سلوك هو خطوة باتجاه المستقبل فان المثل العليا تختلف في حجم الخطوة المستقبلية. بعض المجتمعات تستعير المستقبل من الماضي، وبعدها تنظر الى جزء بسيط من المستقبل، وبعضها تملك رؤية بعيدة للمستقبل. وهذا هو معيار توصيف المجتمعات الى مجتمعات رجعية، واخرى هابطة، وثالثة تقدمية.

والتقدم درجات، فقد يكون قصير المدى، او متوسط المدى، او بعيد المدى. وهذه كلها مدايات نسبية. وفي حالة واحدة يكون المدى مطلقا وليس نسبيا.

وتستمد المجتمعات طاقتها الحركية من البعد المستقبلي لمثلها الاعلى. المجتمعات الكسولة ذات مثل اعلى كسول، والمجتمعات المترنحة ذات مثل اعلى هابط، والمجتمعات النشطة ذات مثل اعلى فعال، والمجتمعات دائمة الحركة والابداع والتقدم ذات مثل اعلى مطلق.

ودراسة قائمة الاهداف التي يتم طرحها في الفضاء العراقي نجد انها متعددة بشكل كبير، بدرجة قد تعيق توحيد طاقات وجهد المجتمع العراقي في إطار حراك اجتماعي ضخم يمثل الاغلبية الساحقة من الناس، كما نجد ان هذه القائمة من الاهداف المشتركة تغطي مساحات مستقبلية متفاوتة لكنها في الاغلب العام قصيرة المدى، وفي حالات قليلة متوسطة المدى، وفي حالات نادرة بعيدة المدى. وهذا يؤثر على طولة نفس الحراك العام للمجتمع العراقي، ويجعله قصير النفس متعجل على تحقيق المراد والحصول على المطلوب. وقد يكون هذا من اسباب تدني مستوى الانجاز الحضاري للمجتمع.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق