تتمثل الاهمية العملية لمنظومة القيم العليا في الدور الكبير الذي تلعبه في تماسك المجتمع، لا خلاف في ان المجتمع الواحد من المحتمل جدا ان يشهد اختلافات في الرأي والعقائد، حيث لا يمكن ان نتصور ان يكون جميع ابناء المجتمع على رأي واحد او موقف واحد في جميع القضايا.

ولا ريب ان هذه الخلافات والاختلافات قد تؤدي الى تشتت المجتمع و تمزقه. وقد حصل هذا في المجتمع الاسلامي الاول بعد وفاة الرسول محمد (ص)، كما حصل في المجتمع الاميركي بعد فترة اطول من نيل الاستقلال عن بريطانيا.

وهو ما يبدو ان المجتمع العراقي الان يعاني منه بعد زوال الغطاء الذي كان النظام الدكتاتوري الصدامي يفرضه بقوة الحديد والنار.

والمجتمعات الحية التي تدرك بوعي حضاري ان مصالحها الحيوية تتمثل في الوحدة وليس في التشتت والتمزق تبحث عن وسيلة للحفاظ على لحمتها ووحدتها.

وقد اثبتت التجارب التاريخية والملاحظة الواقعية ان قاعدة الوحدة المجتمعية تتمثل في منظومة القيم العليا التي يتقبلها الافراد، ويتمسكون بها، ويدافعون عنها اذا تعرضت للخطر، فضلا عن عوامل اخرى في مقدمتها المصالح الاقتصادية المشتركة.

وهذا ما يحذر منه الرئيس الاميركي بايدن، على سبيل المثال، حين اعلن ان القيم الاميركية تتعرض للخطر الان بسبب اطروحات الرئيس الاميركي السابق ترامب، الموصوفة بالتطرف والشعبوية.

والقيم الاميركية المقصودة في خطاب بايدن هي: الديمقراطية، والمؤسسات، والانتخابات، والسلمية. وهي قيم يرى بايدن انها تتعرض للتهديد من قبل فريق ترامب.

فقد حذر بايدن من أن القيم الديمقراطية الأمريكية تتعرض للهجوم من قبل قوى التطرف الموالية للرئيس السابق ترامب. وقال ان التاريخ يخبرنا أن الولاء الأعمى لقائد واحد والاستعداد للانخراط في العنف السياسي أمر قاتل للديمقراطية.

في المقابل سبق للنائب الجمهوري كيفن مكارثي ان قال إن اعضاء الحزب الديمقراطي هم الذين "يفككون الديمقراطية الأمريكية أمام أعيننا."

فيما يرى بايدن أن الولايات المتحدة وحلفاءها منخرطون في صراع طويل الأمد بين "الاستبداد والديمقراطية" ويقول: "لقد كنا نقول لفترة طويلة أن الديمقراطية الأمريكية مضمونة"، مستدركاً "لكنها ليست كذلك. علينا الدفاع عنها، وحمايتها". وفي خطاب اخر قال بايدن إن خصومه السياسيين شكلوا حزبًا متطرفًا ، مما يهدد التقاليد الديمقراطية التي نوقشت واعتمدت في قاعة الاستقلال منذ ما يقرب من 250 عامًا.

وهذا ما يجعل "القيم الاميركية" وفي مقدمتها الديمقراطية موضوعا للمنافسة والصراع بين فريقين من الاميركيين: فريق يهدد الديمقراطية، وفريق يدافع عنها.

يدعو المشهد السياسي الاميركي الى التساؤل حول القيم العراقية التي تتعرض للخطر. وعن مدى استعداد العراقيين للالتفاف حول هذه القيم والدفاع عنها. كشفت الاحداث الاخيرة ان قيما مثل الحياة، والتعايش السلمي، ونبذ العنف، والقواسم المشتركة، والحوار، فضلا عن الديمقراطية والمؤسسات الدستورية، ليست محترمة بما فيه الكفاية لضمان الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي وهيبة الدولة على الاقل داخل المجتمع السياسي تحديدا وليس بالضرورة في عموم المجتمع العراقي. وما حدث يكفي للقول ان القيم المذكورة قبل قليل تتعرض لخطر حقيقي.

ومن هنا اقول ان احترام المجتمع العراقي لمنظومة من القيم الحضارية العليا، معززة بالمصالح الاقتصادية والمعيشية الحيوية المشتركة، من شأنه ان يعزز وحدة المجتمع العراقي، وتماسكه، ويحميه من التشرذم و التشظي ويمكنه من ادارة الخلافات والاختلافات في اطار سلمي بعيد عن العنف. وان سلسلة المقالات التي اقوم بتقديمها الان تقترح عددا من القيم العليا التي ستؤلف منظومة مترابطة تساعد على ذلك بشرط التزم الفرقاء المختلفون فيها، وتمت تنشئة الاجيال القادمة في ضوئها وبموجبها في المدارس على مدى ١٢ عاما متداخلة.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق