آراء وافكار - مقالات الكتاب

رهانات الغرب المصيرية لإنقاذ النظام العالمي القديم

ضبابية تطورات الحرب الدولية وسط شرق أوروبا وأخطار حرب نووية

مع توسع وتقدم تقنيات وسائل الإعلام خلال العقود العديدة الماضية زادت أهميتها في الحروب والصراعات بمختلف أشكالها، واعتبرت نوعا من الأسلحة الهامة المستخدمة إلى جانب أخرى والتي لها آثارها الكبيرة.

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في العقد ما قبل الأخير من القرن العشرين أكملت الكتلة الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة وبمشاركة فعالة من التكتلات الرأسمالية ذات التوجهات المختلفة هيمنتها شبه الكاملة على الآلات الإعلامية في جل قارات العالم، ولم تفلت من هذه السيطرة سوى مجموعات صغيرة لا تمتلك ما في يد الآخرين من مال وسلطة كما لا قدرة لها على إيصال رسالتها سوى إلى جزء صغير من الرأي العام. هؤلاء الذين حاولوا التمرد على الإملاءات واجهوا مصاعب كبيرة وتمت حتى تصفية بعضهم بأشكال مختلفة.

قامت وسائل الإعلام المهيمن عليها غربيا بشيطنة كل من يتحدى سلطة وإملاءات واشنطن ولندن وباريس وتوابعهم المنشورين من أمريكا اللاتينية عبر الشرق العربي والشمال الأفريقي مرورا بوسط آسيا وحتى مياه المحيط الهادئ، وبالتالي لم ترتفع إلا أصوات قليلة داخل الدول التي يمكن أن يكون لها تأثير لمعارضة حملات الغزو والاحتلال والتمزيق التي مارستها القوى الغربية على من تجرأ على معارضتها.

تجربة التمرد والمعارضة في الداخل الأمريكي لحرب إدارة واشنطن ضد الفيتنام والتي لم يظهر زخمها المؤثر إلا بعد أكثر من عشر سنوات على التدخل الأمريكي المكثف في الفيتنام واللاوس وكمبوديا، شكلت إلهاما للمتحكمين في الآلة الغربية الإعلامية لمنع تكرر نكسة أخرى.

أصبح أسلوب لعب وسائل الإعلام الغربية وساسة دولها بتهم مختلقة وبدون إثباتات مثل الفساد والعنصرية والإرهاب وهضم حقوق الأقليات وغيرها، سلاحا لزعزعة استقرار الدول وتأليب مواطنيها على بعضهم وصنع الثورات الملونة وبسط الطرق للتدخل وفرض العقوبات والغزو وسلب الأرض.

تجاوز الدور التقليدي

كتب محلل عربي في موقع كيوبوست يوم 7 مارس 2022:

شكل الإعلام على مدى عقود طويلة أداة رئيسية من أدوات إدارة الحروب والصراعات، سواء كوسيلة من وسائل الحشد والتجنيد وبث روح البطولة والتحفيز في جنود وشعب البلد الذي ينتمي إليه، أو كوسيلة للحرب النفسية وتزييف الحقائق وإضعاف الروح المعنوية لجنود وشعب البلد العدو. وزادت أهمية الدور الذي يلعبه الإعلام بصورة كبيرة بعد انتشار الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى أصبح الأداة الأكثر أهمية ضمن ما يعرف بحروب الجيل الخامس.

بطبيعة الحال لم تكن الحرب الروسية الأوكرانية استثناء من هذا التطور، بل كانت تجسيدا حيا لكيفية استغلال وتوظيف الإعلام كوسيلة رئيسية من وسائل إدارة الحرب والصراع بين الجانبين الروسي والغربي الداعم لأوكرانيا، حيث تعامل هذا الأخير، أي الإعلام الغربي، مع الحرب باعتبارها فرصة سياسية، يمكن توظيفها في التحريض ضد روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين، من أجل عزلهما دوليا، فعمدت إلى تشويه وشيطنة صورة الرئيس الروسي وتضخيم خسائر الجيش الروسي من ناحية، وكذلك حجم الدمار الذي خلفته الحرب على أوكرانيا وشعبها من جهة أخرى، لتصدير صورة تعكس فشل الجيش الروسي في عمليته العسكرية في أوكرانيا، لإصابة الرأي العام الروسي بالإحباط واليأس، وكذلك إبراز ما ترى أنها جرائم حرب غير مبررة ترتكبها القوات الروسية في أوكرانيا.

وفي هذا السياق، نشرت العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية والمحطات التليفزيونية الغربية مقابلات وتحليلات ومقالات رأي للعديد من الكتاب، ركزت أغلبها على تشويه صورة روسيا ورئيسها، والتشكيك في سياساتها الخارجية وأسباب ودوافع حربها على أوكرانيا، وبدت شبكات إعلامية ضخمة، مثل “سي إن إن” الإخبارية، و”فوكس نيوز”، و”نيويورك تايمز”، و”واشنطن بوست”، و”دايلي نيوز”.. وغيرها، وكأنها تقود حملة منظمة للنيل من روسيا وشحن الرأي العام العالمي ضدها بما يتجاوز الهدف الخاص بدفعها لوقف الحرب في أوكرانيا أو حتى التعاطف مع أوكرانيا وشعبها في مواجهة ما تصفه بالعدوان الروسي الذي تتعرض إليه. وهذا يمكن تفهمه في ضوء السياسة الأمريكية خصوصا، والغربية عموما (مع بعض التباينات) والتي تستهدف إضعاف مكانة روسيا الدولية وإخراجها من دائرة التنافس على قيادة النظام الدولي القائم والمستقبلي، ولاسيما بعدما أظهرت تحديا لواشنطن والغرب في أكثر من مشهد عالمي مؤثر.

مزاعم النزاهة والموضوعية والحيادية

وعلى الرغم من مزاعم انتهاج الإعلام الغربي معايير النزاهة والموضوعية والحيادية، فإن تغطيته هذه الحرب أظهرت انحيازا واضحا في التعامل مع مجرياتها، فكل ما تم ويتم بثه على مدار الساعة يصب في اتجاه واحد وهو الرأي الذي يهاجم روسيا ويحملها المسؤولية كاملة ويشوه صورتها من أجل شحن الرأي العام العالمي ضدها، كما تميز هذا الإعلام بالانتقائية في نشر ما يخدم توجهات القائمين عليه، واستبعاد أي آراء تحاول عرض الأمر من وجهة النظر الروسية من حيث أسباب ودوافع ومبررات هذه الحرب، والتي يتحمل الغرب بالتأكيد جزءا من مسؤولية إشعالها من خلال عدم النظر بجدية في تهدئة مخاوف روسيا من تمدد الناتو شرقا.

ولم يكتف الغرب بذلك، بل عمل على تكميم وسائل الإعلام الروسية من خلال حظر القنوات التي تعبر عن وجهة نظر موسكو، مثل "روسيا اليوم" و"سبوتنك"، بل وقامت شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى التي تدير وسائل التواصل الاجتماعي، مثل "غوغل" و"فيسبوك" وغيرهما، بمنع وسائل الإعلام الروسية التي تمولها الدولة من استخدام تقنيتها الإعلانية لجمع إيرادات على مواقعها وتطبيقاتها، في حين سمحت هذه الشركات بنشر محتوى غير موثوق بثته بعض الجهات الإعلامية في أوكرانيا والغرب، بما في ذلك فيديوهات وأفلام وتقارير مزيفة حول حالات الذعر التي تنتاب المدنيين عند إطلاق صافرات الإنذار أو تعرض صور أسرى جنود روس أو صور آليات روسية مدمرة تبين لاحقا أنها في غالبيتها مزيفة وغير حقيقية، وذلك لتحقيق الهدف من هذه الحملة الإعلامية.

في المقابل، يمارس الإعلام الروسي الدور ذاته، من خلال تصوير الحرب المستعرة في أوكرانيا بأنها “عملية عسكرية خاصة” وليست حربا، واتهام الغرب وتحميله المسؤولية عن هذه العملية الروسية التي تصفها وسائل الإعلام الروسية بأنها ضرورية لوقف توسع الناتو شرقا وتقليل التهديد الأمني للناتو، وإظهار جوانب التفوق الروسي في الحرب، مع التغطية على خسائر موسكو فيها. ووصل الأمر إلى حد قيام السلطات الروسية بالتحذير من حظر أية وسيلة إعلام روسية مستقلة لا تغطي الحرب بالطريقة التي تريدها موسكو وسلطاتها العسكرية. كما أعلنت موسكو أنها فرضت "قيوداً على الوصول" إلى "فيسبوك" في روسيا، وذلك ردا على القيود التي فرضتها الشركة على المحتوى الروسي.

لقد أظهر تعامل الإعلام الغربي والروسي على السواء طبيعة الدور الذي يمكن أن يقوم به الإعلام في إدارة الصراعات السياسية بين الدول، وأكد أنه يمكن أن يكون سلاحا مدمرا للصورة الذهنية إذا لم يكن للدولة رصيد من شبكة العلاقات العامة مع الدوائر الإعلامية في العالم. كما أكدت هذه الحرب من جديد حقيقة أن الإعلام بات سلاحا فعالا يمكن توظيفه لقلب موازين القوى، وأنه أصبح إحدى أهم أدوات الاشتباك الجديد بين الدول، ليتجاوز بكثير دوره التقليدي باعتباره وسيلة لنشر الأخبار أو تسليط الضوء على قضية إنسانية أو أمنية فقط، وإنما هو رأس الحربة في إدارة الحروب والأزمات السياسية بين الدول.

كما كشفت الحرب غياب المصداقية لصالح التهويل والإثارة، ففي الحروب والصراعات لا تلتزم أغلب وسائل الإعلام، وحتى التي توصف أحياناً بـ"المحايدة"، بالموضوعية، وتقع في دائرة فخ "الكذب الإعلامي"، وهذا يكون مقصودا في أغلب الأحوال، لأن الإدارة الإعلامية تكون هنا "مسيسة".

تكتيك متكرر

بتاريخ 17 مارس 2022 وبعد أن دخلت العملية العسكرية الروسية الخاصة يومها الــ 21 أعلنت واشنطن أن القوات الروسية انسحبت من محيط كييف وفسر ذلك حينها على أنه انتصار عسكري لأوكرانيا وهزيمة للكرملين. ويوم 29 مارس أعلنت كييف أن قواتها، "حررت" بلدة إربين، الضاحية الشمالية الغربية للعاصمة كييف، من القوات الروسية. مباشرة بعد تلك التطورات توقعت مصادر غربية انهيار الجيش الروسي أو وقوع انقلاب لإسقاط بوتين الضجة هدأت بعد اسابيع مع استمرار القتال وتقدم القوات الروسية على جبهات مختلفة.

في نهاية مارس أعاد الجيش الروسي انتشاره باتجاه دونباس التي يسيطر عليها الروس المدعومون من الكرملين جزئيا منذ 2014.

وبعد ذلك التاريخ واصلت القوات الروسية توسيع سيطرتها على الأراضي التي تطالب بفصلها عن أوكرانيا والتي تسكنها أغلبية روسية وإجراء استفتاء بها حتى تمكنت مع نهاية شهر أغسطس 2022 من السيطرة حسب الناتو على ما نسبته 25 إلى 28 في المئة من مساحة أوكرانيا الكلية البالغة 603700 كلم مربع أي حوالي 160000 كلم مربع.

منتصف شهر سبتمبر 2022 أعلن الجيش الأوكراني أنه استعاد خلال هجومه المضاد المتواصل منذ أسبوعين نحو 8000 كيلومتر مربع من الأراضي التي كانت تحت السيطرة الروسية في منطقة خاركيف شرقي البلاد.

يوم 17 سبتمبر ذكر رئيس اللجنة العسكرية لحلف شمال الأطلسي الأدميرال روب باور أن المساعدات العسكرية الغربية وقيادة العمليات من قبل الغربيين هما عاملان حاسمان في نجاحات كييف الأخيرة في مواجهة الجانب الروسي.

وذكر الأدميرال الهولندي الجنسية في تالين عاصمة إستونيا، حيث اجتمعت اللجنة التي تضم رؤساء الأركان من الدول الأعضاء الثلاثين: "الذخيرة والمعدات والتدريب الذي يقدمه الحلفاء والدول الأخرى تحدث فرقا حقيقيا في ساحة المعركة". وبحسب باور، ناقش رؤساء الأركان في مؤتمرهم الذي استمر ليومين كيف “يمكن الحفاظ على دعم الحلفاء لأوكرانيا وتوسيعه”. وقال باور: سوف يدعم الحلف أوكرانيا طالما كان ذلك ضروريا، فالشتاء قادم ولكن الدعم يجب أن يبقى ثابتا ولا يهتز”.

ومن جهته، صرح الأمين العام للناتو ينس ستولتنبرغ إن التقدم الأوكراني يعود لدعم الحلفاء وتقديمهم قدرات غير مسبوقة أحدثت فرقا في ساحة المعركة.

وأضاف ستولتنبرغ -خلال حوار مصور مع مجلة "فورين بوليسي" (Foreign Policy) الأمريكية- أن المكاسب التي حققها الأوكرانيون مؤخرا تثبت أن لديهم القدرة على تحرير أراضيهم.

وأشار إلى أن روسيا لا تزال تسيطر على نحو 20 في المئة من أراضي أوكرانيا، وأنها تمتلك قوة عسكرية كبيرة ويمكنها حشد المزيد، لذلك يجب مواصلة تقديم الدعم لأوكرانيا والاستعداد لمعركة طويلة، حسب تعبيره.

قائد مفرزة "أحمد" الشيشانية في القوات المسلحة الروسية، أبتي ألخانوف، قدم تفسيرا مخالفا لتطورات المعارك وقال ان السبب في عدم قيام القوات المسلحة الروسية بهجوم واسع النطاق في الجنوب هو افشال خطط الناتو لحصار جزء من القوات الروسية.

وذكر خلال حوار له على قناة "روسيا 24" يوم 19 سبتمبر، "خططت هيئة الأركان العامة لـ "الناتو" للإيقاع بنا وحصارنا في منطقتين، بإحكام حلقة حول جزء كبير من قواتنا، ثم تدميرنا بالتدريج". وتحسبا لهذا المخطط، وفقا له، تم سحب الوحدات من مدينة "إيزيوم"، وتابع: "لذلك نرى أن إيزيوم سليمة، ووحداتنا هناك تكبدت خسائر طفيفة. وقد تراجعنا من اتجاهات أخرى حتى لا نتعرض لخسائر كبيرة أيضا، ولنتخذ مواقع استراتيجية، لنستمر بعدها في تحسين الوضع".

وقال ألخانوف: "عندما جمعت القوات المسلحة الأوكرانية قوات ضخمة وكمية هائلة من المعدات والأسلحة، وأحدث المعدات الأجنبية، وعندما يتم الهجوم، فإن الحل الأمثل في هذه الحالة هو الدفاع. فالتقدم لا يجب أن يحدث إلا في حالة التفوق بنسبة 1:3، ويتم حساب الخسائر بهذه الطريقة أيضا".

على الجانب الآخر فإن القوات الأوكرانية قد تكبدت خسائر بشرية فادحة، وهو ما تعترف به قنواتهم الإعلامية، أما نحن فنقوم بعملنا في الدفاع النشط، وبتجميع القوات حتى نندفع نحو الهجوم. تلك هي استراتيجيتنا".

آخر فرصة

صحيفة "وول ستريت جورنال" نقلت عن محللين في الثلث الأول من شهر سبتمبر 2022 أن "الهجوم المضاد" الذي يشنه الجيش الأوكراني حاليا، قد يكون أخر فرصة لكييف لإقناع الغرب باستمرار دعمها بالأسلحة، قبل حلول الشتاء الذي سيكشف عن الدمار الذي ألحقته الحرب باقتصاديات أوروبا.

فيما نقلت "واشنطن بوست" عن محللين اقتصاديين أمريكيين أن الضرر الذي سيصيب أوروبا سيضر بالعلاقة مع واشنطن، وسينكشف حجم الفرقة بين الجانبين.

كما أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي دعا مجموعة السبع خلال قمتهم صيف 2022 في بافاريا بألمانيا إلى إيجاد حل لإنهاء الحرب قبل الشتاء، يريد أن يحرز تقدما ميدانيا قد يعزز موقفه التفاوضي في أي محادثات سلام قادمة.

ويروج الجيش الأوكراني وكثير من وسائل الإعلام الغربية منذ فترة عن لما يصفه بـ"هزيمة روسيا" من قبيل أنها لم تتمكن حتى الآن من بسط نفوذها وسيطرتها بشكل كامل على مناطق الشرق ولاسيما إقليم دونباس.

لكن هؤلاء يتناسون تأكيد عدة محللين أن الجيش الأوكراني لا يزال يعمل بطاقة تدريب وتسليح غربية، أي أن استمرار بقائه في المعارك معتمد بشكل رئيسي وكامل على الدعم الغربي وبالتحديد الأمريكي.

وفسر كثيرون وبينهم المحلل السياسي البروفيسور جون ميرشايمر فى وقت سابق أن الولايات المتحدة الذي انخرطت بثقلها وراء أوكرانيا، قد لا تتحمل أو تقبل بالهزيمة في ميدان المعركة أمام الروس، ومن ثم فستبقي دعمها للجيش الأوكراني حتى ولو تخلت عنه أوروبا.

ويقول تقرير لوكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية إن قادة الولايات المتحدة من الرئيس جو بايدن وما بعده ربما يحرصون على عدم إعلان نصر سابق لأوانه للجيش الأوكراني.

وبدلا من ذلك، يتطلع المسؤولون العسكريون إلى المعارك التي لم تأت بعد ويضعون خططا لتزويد أوكرانيا بالمزيد من الأسلحة وتوسيع نطاق التدريب، بينما ينتظرون بحذر رد روسيا على ما أعلنته كييف عن "خسائر مفاجئة ومذهلة" للجانب الروسي في ساحة المعركة.

وأفاد التقرير إن المسؤولين الأمريكيين يعلمون أن الرئيس الروسي بوتين لا يزال لديه قوات وموارد للاستفادة منها، ولا تزال قواته تسيطر على مساحات شاسعة من الشرق والجنوب.

ونقل التقرير عن فيليب بريدلوف، الجنرال المتقاعد بالقوات الجوية الأمريكية والذي كان القائد الأعلى لحلف شمال الأطلسي من 2013 إلى 2016، أن الغرب سيكون عليه "تجهيز جنود قوات أوكرانيا بشكل صحيح، ليكونوا قادرين على التمسك بمكاسبهم".

وسيكون السؤال الرئيسي في المستقبل هو إلى أي مدى يرغب الكونغرس والجمهور الأمريكي في إنفاق المزيد على الحرب في أوكرانيا، والتي تقول الولايات المتحدة والغرب إنها تمثل أيضا تهديدا كبيرا لأوروبا.

وليس من الواضح كيف، ستؤثر نجاحات أوكرانيا مؤخرا على الجدل الدائر، فقد طلب البيت الأبيض من الكونغرس إعطاء الضوء الأخضر لمساعدات إضافية بقيمة 11.7 مليار دولار كجزء من إجراء تمويل حكومي شامل يجب أن يوافق عليه المشرعون.

وأنفقت الولايات المتحدة بالفعل حتى الآن نحو 15 مليار دولار في ضخ أسلحة ومساعدات عسكرية أخرى للجانب الأوكراني.

العودة إلى الخلف

الباحث في المجلس الروسي للعلاقات الدولية أندريه فرولوف ذكر إن إعادة الانتشار الروسي في أوكرانيا كان ضروريا لأن ثقله كان مركزا جدا في جبهات كبيرة، موضحا أن روسيا لا تملك العدد الكبير الكافي من الجنود للسيطرة الشاملة على جميع هذه المناطق في نفس الوقت.

وأوضح أنه عند استعداد أوكرانيا للهجوم على جبهات خاركوف حاولت روسيا أن تقلل من القوات الموجودة هناك للحفاظ على المعدات والأرواح والعودة للخلف حتى وإن أدى ذلك لتقدم أوكرانيا، وكذلك من أجل إفشال مخططها في محاصرة القوات الروسية.

واعتبر أن الضربة الأوكرانية حققت انتصارا إعلاميا فقط لأن الانسحاب كان من ضمن الخطة الروسية، موضحا أن القوات الأوكرانية لم تستطع تحقيق أهداف عسكرية وخسرت العديد من المعدات والجنود عند محاولتها السيطرة على مناطق حيوية مثل خيرسون.

في حين أشارت مصادر رصد في العاصمة الألمانية برلين أن الجيش الأوكراني لم يأسر جنودا روس ولم يتمكن من غنم معدات عسكرية كبيرة كما يفترض لو كان قد كسب معركة مواجهة حقيقية كما تصور بلاغاته.

يوم الجمعة 16 سبتمبر 2022 ذكرت وكالة بلومبرغ الأمريكية للأنباء أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هدد بتعزيز الهجمات على البنية التحتية لأوكرانيا، متعهدا بمواصلة العملية العسكرية وأضاف : "سنرى كيف ستمضي الأمور"، مشيرا إلى أن القوات الروسية تواصل تقدمها في مناطق أخرى.

وأوضح بوتين لمراسلي وسائل إعلام في سمرقند في أوزبكستان حيث كان يشارك في قمة منظمة شنغهاي للتعاون، وهي تكتل تقوده روسيا والصين، إنه "قبل فترة وجيزة فقط، استهدفت القوات المسلحة الروسية بعض الأهداف الحساسة. لندرس تلك الضربات التحذيرية".

وتابع أنه "إذا تطور الوضع أكثر في هذا الاتجاه، ستكون استجابتنا، أكثر جدية". وأضاف بوتين إن الحملة العسكرية الروسية "تمضي بوتيرة بطيئة، لكنها تتم بثبات"، وأكد إن موسكو تستخدم "جزءا فقط” من جيشها. "خطوة بخطوة، يسيطر الجيش الروسي على المزيد والمزيد من الأراضي".

في واشنطن قال الرئيس الأمريكي جو بايدن يوم الاربعاء 14 سبتمبر، إن أوكرانيا تحرز تقدما كبيرا في الوقت الذي تدفع فيه القوات الروسية للتراجع، لكن من غير الممكن معرفة إذا ما كانت الحرب تمر بنقطة تحول.

وردا على سؤال بشأن إذا ما كانت أوكرانيا وصلت إلى نقطة تحول في الحرب، قال "السؤال بلا إجابة، من الصعب الإجابة عنه، من الواضح أن الأوكرانيين حققوا تقدما كبيرا، لكنني أعتقد أنها ستكون طويلة".

وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن، قال من جانبه يوم الثلاثاء 13 سبتمبر، إنه "من السابق لأوانه التكهن بنتيجة الهجوم الأوكراني المضادّ".

وأضاف بلينكن خلال زيارة للمكسيك: "نحن في الأيام الأولى من الهجوم المضاد، لذلك أعتقد أنه لن يكون من المناسب التكهن بالضبط إلى أين سيقودنا كل هذا". وذكر الوزير الأمريكي بأن "الروس يحتفظون بقوات كبيرة جدا في أوكرانيا، بالإضافة إلى معدات وذخيرة".

النتائج الأولية للانسحاب الروسي

كتب المحلل السياسي ألكسندر نازاروف يوم 13 سبتمبر 2022:

لا يمكن إنكار أن "إعادة تموضع القوات الروسية" في منطقة خاركوف، على حد تعبير وزارة الدفاع الروسية، كان مفاجأة غير سارة للغاية بالنسبة للمجتمع الروسي.

مع ذلك، لا ينبغي المبالغة في أهمية هذا الحدث، فلا السيطرة على هذه الأراضي، ولا فقدانها هو ما يحدد نتيجة الحرب. في الربيع الماضي، عندما تم سحب القوات الروسية من منطقة كييف ومناطق أخرى غرب خاركوف، كان بإمكان الجيش الروسي التوقف في أي مكان، بما في ذلك مغادرة منطقة خاركوف. كان من الضروري حينها توفير منطقة عازلة لضمان أمن جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك، حيث أن تلك أولوية سياسية، وكان من الضروري الوفاء بهذا الشرط. لكن المكان المحدد لمرور خط الجبهة على وجه التحديد، ما إذا كان أقرب أو أبعد بـ 50 كيلومترا، ليس بالأمر شديد الأهمية.

وإذا كنت أتخيل خطط الرئيس بوتين بشكل صحيح، فإنها تتلخص في تحرير أوكرانيا من النظام النازي نتيجة الاستسلام السياسي للنظام (وهو ما يتحدث عنه نائب رئيس مجلس الأمن القومي، دميتري مدفيديف)، بينما يفضل الكرملين تجنب خيار قتال الجيش الروسي على طول الطريق حتى الحدود الغربية لأوكرانيا، ما سيؤدي إلى بلد مدمر وخسائر فادحة على كلا الجانبين.

وفي إطار هذا النموذج، لا تهم كثيرا السيطرة على منطقة خاركوف في هذه المرحلة.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود تداعيات سلبية، بعد انسحاب القوات الروسية، حيث بدأت القوات الأوكرانية في تطهير السكان المحليين، وقتل أو اعتقال أي شخص كان ينظر إليه على أنه متعاطف مع روسيا أو يتعاون مع القوات الروسية. لم يتسن لجميع من لديه الرغبة في المغادرة نحو روسيا فعل ذلك.

كذلك فإن التصويت على الانضمام إلى روسيا قد تأجل على أقل تقدير.

قد أكون مخطئا، لكن هدف بوتين، إذا ما كنت أفهم استراتيجيته على نحو صحيح، هو أولا وقبل كل شيء، اتخاذ تدابير اقتصادية لإجبار الغرب على الاعتراف بمصالح روسيا، وأوكرانيا على الاستسلام.

مواجهة طويلة وبطيئة

أي أنه من المفترض أن تكون المواجهة طويلة وبطيئة أو حتى تتوقف كليا أو على العكس تتصاعد، في الوقت الذي تلعب فيه التدابير الاقتصادية الدور الرئيسي. كما يمكن تقسيم العملية العسكرية إلى مراحل، ولا يهم في ذلك كثيرا أن تبسط روسيا سيطرتها على تلك المنطقة الصغيرة أو غيرها في أوكرانيا.

لكن الوضع فيما يخص منطقتي زابوروجيه وخيرسون يختلف، حيث يمتد بطولهما الطريق البري المؤدي إلى شبه جزيرة القرم، إضافة إلى أن قناة تزويد شبه جزيرة القرم بالمياه تبدأ من الروافد السفلية لنهر دنيبر في منطقة خيرسون. كما أن نهر دنيبر هو عقبة صعبة للغاية، وجسر العبور على الضفة اليمنى في منطقة خيرسون له أهمية استراتيجية.

علاوة على ذلك، فقد لا تنتظر بريدنيستروفيه (ترانسنيستريا) انهيار نظام زيلينسكي، وتتعرض المنطقة لهجوم من قبل القوات الأوكرانية في أي لحظة، ويصبح نشر القوات الروسية من منطقة خيرسون ضروريا على الرغم من أي خسائر محتملة.

لهذا تركز موسكو جهودها في الحفاظ على خط المواجهة في الجنوب، وقد تحقق هذا الهدف الآن.

تجدر الإشارة هنا إلى أن نجاح القوات الأوكرانية لم يكن ليتحقق لولا الإمداد الهائل من الأسلحة الغربية، وتدريب القوات الأوكرانية من قبل الدول الغربية، وتوفير المعلومات الاستخباراتية، والقيادة المباشرة للقوات الأوكرانية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والغرب.

فقد انتقل الغرب إلى مستوى أعلى من التصعيد، ما دفع موسكو إلى توسيع رقعة الصراع، على الرغم من عدم اهتمام موسكو بذلك، لأن كل خطوة تالية في التصعيد تزيد من احتمالية مشاركة دول "الناتو" الأخرى، وقد تنتهي بنزاع نووي.

في الوقت نفسه، هناك تصعيد في الاتجاه الآخر، فقد دمرت أوكرانيا من خلال القصف المدفعي المستمر البنية التحتية لمحطة الطاقة النووية في زابوروجيه، ما دفع إلى إغلاق جميع المفاعلات ونقص الكهرباء في إنيرغودار.

وردا على ذلك، قصفت القوات الروسية، مساء الأحد، 11 سبتمبر، أربع محطات للطاقة في أوكرانيا، ما أدى إلى إغراق نصف البلاد في الظلام.

في المجتمع الروسي، تتعالى المطالبات بضرب البنى التحتية الأوكرانية. ومع ذلك، فالأرجح أن هذه الهجمات على محطات الطاقة الأربع ليست سوى تحذير لأوكرانيا من استمرار قصف محطة الطاقة النووية في زابوروجيه، ومحطات الطاقة في دونباس، والهجمات ضد شبكات الكهرباء في المناطق الحدودية الروسية.

في غضون ذلك، فمن المتوقع أنه في خضم نشوة النجاحات الأولى، ستواصل أوكرانيا محاولاتها لشن هجوم مضاد في قطاعات جديدة من الجبهة.

كما ستبدأ الأمطار في غضون ثلاثة أسابيع، وستصبح حركة العربات المدرعة الثقيلة خارج الطرق المعبدة صعبة للغاية، وليس أمام الطرفين أكثر من شهر واحد لتغيير خط جبهة المواجهة، بعد ذلك سيتم تعليق الأعمال القتالية حتى الشتاء، لتخرج إلى الواجهة الجبهة الرئيسية للمواجهة الروسية الأمريكية: الاقتصاد.

نيويورك تايمز والخسائر

ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية يوم 18 سبتمبر نقلا عن تصريحات لمسؤول عسكري أوكراني أن القوات المسلحة الأوكرانية تتكبد خسائر فادحة في دونباس. ووفقا للصحيفة فإن الجيش الأوكراني يتعرض لضربات عنيفة من قبل القوات الروسية ترغمه يوميا على التراجع والانسحاب من مواقعه.

يوم 18 سبتمبر وحسب موقع الحرة الأمريكي: رصدت القوات الأوكرانية استخدام الجيش الروسي طائرات مسيرة إيرانية في تنفيذ ضربات بمنطقة خاركيف، بحسب ما نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن قادة أوكرانيين.

وأشار القادة إلى أن هذه الطائرات المسيرة التي تحمل اسم "شاهد-163" ألحقت "أضرارا جسيمة" بمناطق أوكرانية. وذكر الكولونيل روديون كولاغين، قائد الكتيبة المدفعية 92، للصحيفة إن القوات الروسية استخدمت الطائرات المسيرة الإيرانية بعد أن أعادت طلاءها بالألوان الروسية، وأعادت تسميتها باسم "جيرانيوم-2"، ورصدت في عدة مواقع في مناطق خاركيف الشمالية الشرقية.

وأضاف أن القوات الروسية تطلق هذه الطائرات بشكل زوجي عادة، لاستهداف مدافع "هاوتزر" ومركبات مدرعة.

ولفت الكولونيل كولاغين أن القوات الروسية تحاول التعويض عن قوة النيران المدفعية باللجوء للطائرات المسيرة.

ونقلت وول ستريت جورنال عن خبراء فحصوا صورا لحطام الطائرات المسيرة قولهم "إنها تبدو كطائرات شاهد-163 الإيرانية" التي تمتاز بتصميم أجنحتها على شكل "دلتا".

ويعتبر وجود هذه الطائرات المسيرة في حرب أوكرانيا عاملا مغيرا "للخطط العملياتية في كييف"، إذ قد يصعب الدفاع ضد هجمات "شاهد-136"، بحسب ما قال الرئيس التنفيذي لشركة "سيكس سليوشنز"، سكوت كرينو للصحيفة.

وأضاف أنها قد تستخدم لاستهداف أنظمة الرادارات الأوكرانية وحتى المدفعيات، خاصة وهذه المسيرات قد تتضمن نظاما للتشويش يجعل رصدها أمرا صعبا على القوات الأوكرانية.

معركة مصيرية

أدى التراجع النسبي لقوة الولايات المتحدة وصعود الصين إلى تآكل نظام القطب الواحد، وأدت الأزمات المالية المتكررة وجائحة كوفيد-19 والاعتماد المفرط على العقوبات الاقتصادية إلى إنهاء حقبة العولمة المفرطة، وأدت الحرب الروسية على أوكرانيا إلى تعميق الشرخ بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب. وفي الوقت نفسه أدى تغيير الأولويات المحلية في العديد من الدول إلى الابتعاد عن التكامل الاقتصادي، وعرقلة العمل الجماعي في مواجهة الأخطار العالمية.

الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة يدرك أن خسارة معركة أوكرانيا يعني نهاية حقبة هيمنته وبداية نظام عالمي جديد وهذا يفسر حجم الاستماتة في المواجه.

يوم الجمعة 16 سبتمبر 2022 طرح الرئيسان الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين بلديهما كثقل مواز للنفوذ الغربي خلال قمة إقليمية جمعت دول عدة تشهد علاقاتها توترا مع الولايات المتحدة.

ترأس الزعيمان، في سمرقند عاصمة أوزبكستان، قمة منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) وهي مجموعة تطرح نفسها كمنظمة منافسة للمؤسسات الغربية.

وتأتي هذه القمة في وقت تأزمت فيه العلاقات بين موسكو وبكين من جهة والولايات المتحدة من جهة ثانية، بسبب الهجوم الروسي على أوكرانيا والدعم الأمريكي لتايوان.

خلال الجلسة الرئيسية للقمة، دعا شي القادة المجتمعين إلى “العمل معا لتعزيز نظام دولي يتحرك في اتجاه أكثر عدلاً وعقلانية”. وقال شي “يجدر تعزيز قيم البشرية المشتركة والتخلي عن السياسة القائمة على تشكيل كتل” من دون أن يأتي على ذكر أي بلد بعينه، لكن بكين تستخدم عادة هذه العبارات للتنديد بالولايات المتحدة وحلفائها.

وأكد شي “علينا الدفاع بحزم عن النظام العالمي الذي يضع الأمم المتحدة في صلبه فضلا عن نظام عالمي يستند إلى القانون الدولي”.

من جانبه، أكد بوتين في كلمته أن “الدور المتعاظم لمراكز النفوذ الجديدة … يتضح بشكل متزايد” مشددا على أن التعاون بين بلدان منظمة شنغهاي للتعاون يستند، خلافا للدول الغربية، إلى مبادئ “مجردة من أي أنانية”.

وأضاف “نحن منفتحون على التعاون مع العالم بأسره”. ومضى يقول “سياستنا مجردة من أي أنانية. نأمل أن يدير الآخرون (..) سياستهم استنادا إلى المبادئ نفسها” في إشارة واضحة إلى الدول الغربية.

يأمل شي الذي اختار زيارة آسيا الوسطى خلال أول رحلة له إلى الخارج منذ بداية جائحة كوفيد، في تعزيز مكانته كزعيم عالمي قبل مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني في أكتوبر والذي يسعى للحصول خلال على تجديد ولايته.

فاختيار آسيا الوسطى كأول وجهة أجنبية بعد عامين يوضح قبل كل شيء الأهمية التي توليها بكين لهذه المنطقة التي تعتبرها “طرق الحرير الجديدة”، وهو مشروع عملاق حرص شي على تنفيذه لتعزيز التبادلات التجارية مع العالم.

قمة منظمة شنغهاي حملت صفعة للغرب بنجاحها في التوسع حيث انضمت مصر والإمارات والكويت والبحرين وقطر، بصفة "شريك الحوار"، وهو يعكس "سياسة انفتاحية عربية" تركز على توسيع قاعدة المصالح إقليميا وعالميا، بما يمكنها من مواجهة الضغوط السياسية الراهنة.

و"شنغهاي" منظمة حكومية دولية تأسست عام 2001، وتضم 8 دول، هي الصين، وروسيا، والهند، وأوزبكستان، وباكستان، وطاجيكستان، وقيرغيزستان، وكازاخستان، تهدف إلى التعاون في المجالات السياسية والتجارية والاقتصادية، وتوفير السلام والأمن والاستقرار في المنطقة.

كما تضم المنظمة 4 دول بـصفة مراقب هي أفغانستان وبيلاروسيا وإيران ومنغوليا، فيما تحمل عدة دول صفة "شريك للحوار"، بينها تركيا وأذربيجان. أي نصف سكان الكرة الارضية.

[email protected]

اضف تعليق