بالتأكيد سيجعل هذا العنوان كثير من القراء يعتقدون أني أتحدث عن السلفية الدينية واستثمارها السياسي. لكني أقصد موضوع آخر شاع في التفكير السياسي العراقي خلال السنين الماضية وباتت ملامحه تعود بنا الى المربع السياسي الأول كما يريد السلفيون بملابسهم وعقائدهم أعادتنا الى المربع الأول.

هنا أستعير مفهوم السلفية من صديقي وأخي د عبد الجبار الرفاعي لأبني عليه فكرتي في هذا المقال. فالسلفية عند الرفاعي هي “طريقة تفكير ورؤية للعالم لا تنتمي للواقع”. أنها أذن تغييب للواقع في متاهات الماضي. أنها منهج تفكير للعقل العربي-كما يصفه المفكر محمد عابد الجابري-يجعل الماضي (السلف الصالح كما يعتقد السلفيون) الأساس الذي ينبغي اكتشاف قوانين صنعه لتطبيقها في الحاضر.

فهو منهج تكويري يعيدنا دوماً لنقطة الانطلاق، وليس منهجاً تكويني يرحل بنا من نقطة الانطلاق! للأسف يبدو أن هذا المنهج الفكري أنسحب على السياسة عندنا وبات سياسيونا يجعلون الماضي هو الأساس في الحاضر. وبدلاً من أن يصبح الماضي مُدخَلاً input للحاضر، صار الماضي مُخرَجاً output أو غايةً للحاضر.

لقد كبّلت السلفية السياسية عقول القائمين على القرار فجعلتهم مقيدين بالماضي يخافون أجتيازه أو الخروج منه. خذ مثلاً فكرة الحفاظ على حقوق المكون. هذه الفكرة نمت في ظل بيئة من الشعور بالحرمان والغبن وعدم الأنصاف نتيجة عدم التمكن من السلطة لقرون طويلة. لكنها ظلت مرجعاً فكرياً يتم اللجوء له حتى بعد عقدين من السيطرة على السلطة!

وحتى بعد أن ثبت بالدليل القاطع أن ضمان حقوق المكون سياسياً لا يعني شيء مادامت حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والحياتية غير مضمونة مازال سلفيو السياسة المكوناتية يصرون على العودة الى المنبع الفاشل الذي انطلقوا منه. وهذه العقلية بالمناسبة لا تقتصر على ممثلي الشيعة في العراق بل باتت منهجاً متبعاً من قبل ممثلي السنة والكورد معاً الذين ما زالوا يرددون نظرية (حقوق المكون) بأشكال مختلفة. ثم بعد انسحاب الصدريين وتشكيل أنصار (حقوق المكون الأكبر) للأغلبية في البرلمان، عدنا من جديد نحو الماضي الذي رفضته تشرين وهو الشرعية البرلمانية! وبتنا نسمع من السلفيين السياسيين عن تشكيل الحكومة وفق الاستحقاق النيابي، المبني على المحاصصة المكوناتية. وبدلاً من الوقوف على أسباب الغضب الحاضر لاصطناع حلول للمستقبل مستفيدين من أخطاء الماضي، عدنا من جديد الى نفس حلول الماضي التي باتت مرجعاً فكرياً لا يستطيع السلفيون مغادرته.

أن طريقة التفكير التي تجعل الماضي مرجعاً يهتدى به هي طريقة سلفية بأمتياز. ويجب أن نعلم الفرق بين أن يكون الماضي مرجعاً يتم الوقوف عنده وعدم تجاوزه، وبين أن يكون مصدراً يتم أتخاذه كمنطلق للمستقبل. أن من يبحث عن (رجع)، فسيبقى يسير في الاتجاه المعاكس (الرجوع) وحينها سيبقى قانون التاريخ يحرر له المخالفات ويستنفد كل قواه وموارده. أما من يبحث عن مصدر يستفاد منه في الحاضر فسيعينه ذلك المصدر للسير باتجاه المستقبل بأدنى الأضرار وأسرع الطرق.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق