منذ عام 1923 ووارثو دولة السلطان العثماني (علمانيين واسلاميين) لم يتعودوا على رؤية الدول الجديدة (الممتلكات القديمة) التي خرجت من عباءة السلطان، لديها سيادة ينبغي احترامها وعندها مشكلات تحتاج تعاونا وتفهما من (الشقيق الاكبر)، مثلما لدى هذا الشقيق مصالح كبرى يريد تحقيقها شرط أن يتذكر أن الطريق إلى تحقيق مصالحه هو التعاون واحترام الحقوق والمواثيق والمعاهدات.

غير أن صانع السياسات في سراي أنقرة صار أكثر اعتمادا على منطق القوة منه إلى منطق التعاون المشترك، فقد صارت سياسة العمق الستراتيجي التي نظّر لها (أحمد داود اوغلو)، أفضل اداة لخدمة سياسة التوغل العسكري وبحجة مكافحة الارهاب وحماية الامن القومي والدفاع عن حياض العمق الستراتيجي، سنوات طويلة والجار التركي يدفع باتجاه محاربة التمرد الداخلي خارج أراضيه، ليقول ان مشكلته الأمنية والسياسية مع الجناح العسكري للقومية الكردية، تحسم مع الحواضن الاجتماعية والسياسية خارج حدود الجمهورية التركية وداخل حدود السلطنة العثمانية، وفق هذه الرؤية كان مثيرا أن يزرع الجيش التركي اكثر من 40 نقطة عسكرية في شمال العراق، من دون أن تثير لديه تساؤلات عن سيادة وحقوق وأمن الجار العراقي، طبعا المشكلة لا يتحملها الأتراك وحدهم، فهم دولة صاعدة تستفيد من كل الثوابت والمتغيرات في العلاقات الدولية للعودة إلى منصة الدول المحورية المؤثرة جدا، نصف المشكلة تتحملها الدولة الهشة سواء في العراق او سوريا أوغيرها من مقاطعات السلطان السابقة والسبب هو الضعف الداخلي ولا شيء اخر.

وارثو الفكر اليساري القومي والعروبي والاسلامي الحديث في العراق، لم ينجحوا في صناعة مركب الأمن والسيادة والمصالح المتبادلة مع الجيران، لأنهم جاؤوا من خلفيات تسدد (ديونا) لهؤلاء الجيران، فالذين يتذكرون (جميل) تركيا وخدماتها صاروا لا يستطيعون دعم سياسة او موقف او قرار سياسي أو اقتصادي أو أمني، سواء في الحكومة او في مجلس النواب او في الاعلام لا ترتاح له انقرة وتراه مضرا بمصالحها، والذين يتذكرون جميل ايران يفعلون الشيء نفسه، ومثلهم القومي الذي ما زال يتذكر العمق العربي وجميل الرياض أو القاهرة ولاحقا أبوظبي، المنسي في كل ذلك العمق الوطني العراقي، مصالح العراق الوطنية، سيادته وأمنه ومياهه واقتصاده، لنا أن نعترف أن سياسة العلاقات المتوازنة لم تحقق للعراق كثيرا، وهي وإن كانت محور الأمن الوطني العراقي، لكنها ما زالت بلا مردودات على العراق بسبب اهتزاز المعادلة الداخلية.

الجيران لا يتعاملون مع العراق الدولة، بل يتعاملون مع مكونات تبحث عن عمق شيعي مع ايران وسني مع تركيا وعروبي مع العرب، ومعادلة كهذه أضعف من أن تدفع عن العراق عدوانا او انتهاكا للسيادة والمصالح، أفضل ما لدى العراقيين هو الانفعال والغضب والشكوى، التي صارت عنوانا لوطنية متأخرة، وفرصة للمناكفة الحزبية والاعلامية، لماذا لا يستطيع العراق حل مشكلاته مع جيرانه من الاشقاء والأصدقاء ليعيش متفرغا لهموم الحاضر والمستقبل؟ السبب الظاهر هو فقدان الإرادة والقدرة على الفعل، والسبب الباطن هو تغليب مصالح المكونات على مصالح الوطن، الدافع الذي يجعل الاتراك لا يقيمون وزنا لكل صوت عراقي محتج هو علمهم ان الاحتجاج فعل صوتي فحسب وليس عمليا، كلنا يتذكر كيف كان السفير التركي السابق فاتح يلدز يدور على تجار العراق وغرف التجارة يطالب بالضغط على الحكومة للتراجع عن قرار منع دخول منتجات الدواجن التركية إلى العراق، يومها كادت خمس شركات كبرى جنوب الاناضول تعلن إفلاسها، فضغطت تركيا عبر أذرع ومافيات التجارة والاستيراد العراقية المرتبطة بها لفتح الأبواب امام صناعة الدواجن التركية ليخسر العراق قطاعا اقتصاديا واعدا، الأمر ذاته حصل في الاشهر الماضية بدعوى ارتفاع الاسعار وتوفير الامن الغذائي للعراقيين وكانت النتيجة خسارة 3000 آلاف مشروع دواجن في العراق، باعتراف وزير الزراعة وارتفاع جنوني في المستوردات من تركيا التي ربحت من صادرات البيض والدجاج وحدها نصف مليار دولار ومن الصادرات الزراعية للعراق اكثر من ثلاثة ارباع المليار!.

تركيا تتذرع بوجود حزب العمال الكردستاني pkk، ووحدات الدفاع الكردية ypj ، التي صار لها فرع أيزيدي في سنجار، وتتذرع تركيا بمعلومات من متعاونين اكراد معها بان فصائل عراقية مسلحة اقامت علاقات مع ال pkk وتدفع للبعض المرتبطين به اموالا ودعما لوجستيا، ولذلك تعرض تركيا عن كل احتجاج، واذا اضطرت للحديث العلني تقول بلسان المعاتب: نحن نملك نفوذا عسكريا محدودا للدفاع عن امننا ضد هجمات حزب العمال، ولكن لماذا لا تتحدثون عن النفوذ الايراني المتغلغل في كل زاوية، قالها لنا ذلك الصديق الدكتور احمد اويصال استاذ الاجتماع السياسي وعضو الحزب الحاكم والملحق الثقافي السابق في القاهرة ايام محمد مرسي والرئيس الحالي لمركز دراسات الشرق الأوسط (اورسام)، المركز الذي يعمل فيه زملاء عراقيون عديدون، قال اويصال ذلك بصراحة ونحن نعقد مع الاشقاء الاتراك ورشة عمل لمناقشة العلاقات العراقية التركية الايرانية. عادت انقرة وذكرتنا أن الحرب على الارهاب واحدة فلماذا تجزؤون هذه الحرب وتستثنون حزب العمال، طبعا لا نستطيع الدفاع بالقول إننا نحاول التذاكي باستخدام ورقة البككه لموازنة الاندفاع التركي في سوريا (حليفنا في محور المقاومة ) أو لأن هناك من يهمس في آذاننا بالإبقاء على هذه الورقة، خوفا من استدارة غير متوقعة من الرئيس اردوغان، الذي تعود ان يعاملنا بأبوية مشفقة، حتى انه يتدخل لاصلاح هيئات مسؤولينا الذاهبين للسلام عليه في السراي الحكومي.

ايضا لا نستطيع القول بأن مصلحة بعض شركاء السلطة في العراق تمنعنا من طرد حزب العمال الكردستاني من العراق، لان الاتحاد الوطني الكردستاني وحتى الحزب الديمقراطي يرفضان الضغط على ابناء عمومتهم المطالبين بالحقوق القومية للكرد في الحدود القديمة والجديدة لدولة السلطان العثماني، يوم اردنا اخراج منافقي ايران (مجاهدي خلق)، من العراق استجابت لنا أميركا والامم المتحدة، والان تستطيع طهران ان تحدد منابع التهديد لها داخل العراق فتدمرها بصواريخ باليستية ومسيرات يطيرها عراقيون نيابة عنها، وتستطيع أشباح اسرائيلية استهداف مواقع عراقية ومعسكرات لانها اذرع ايرانية بزعمهم وما ذلك الا بسبب التهريج الاعلامي والادعاءات التي تريد تحرير القدس قبل حماية المراكز الحيوية العراقية والمواطنين العراقيين، وهكذا تستمر العجلة المهزوزة بالدوران ليجد المسؤول العراقي نفسه مضطرا لمجاراة راي عام غاضب يتهمهم بالضعف والتفريط بهيبة وسيادة العراق.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق