q
يختلف العنف الذي تمارسه الدولة عن العنف المناهض لها، لجهة الوسائل المستخدمة والأهداف والغايات، على الرغم من أن من يمارس العنف باسم الدولة، سواء عن طريق التعذيب أو غيره، إنما هو ينتهك حق الإنسان في الحياة والعيش بسلام ومن دون خوف، ولعلّ وجهه الآخر العنف الأيديولوجي، أو العقائدي...

ألهمني كتاب «أنثروبولوجيا العنف والصراع» لمحرّريه بيتنا أي شميدت، وأنغو دبليو شرودر، لاختيار عنوان هذه المقالة حيث بحث عن معنى العنف في الهويّة، ففي التنقيبات اللغوية والتدقيقات المصطلحيّة ماذا يعني العنف؟ وبالتالي الاستدلال على اللّاعنف، نقيضه وضدّه. وهناك أنواع متعددة ومختلفة من العنف؛ مثل العنف الفردي والعنف الجماعي، والعنف الديني والمذهبي والطائفي، وكذلك العنف القومي والعنصري والإثني واللغوي، والعنف الجسدي والمعنوي واللفظي، والعنف الأيديولوجي والعنف دفاعاً عن النفس، والعنف الحكومي باسم الدولة والقانون، والعنف ضدّ الدولة والقانون، والعنف ضدّ المرأة وضدّ الطفل، والعنف التربوي والعنف الأسري، وغيرها من أنواع العنف، بما فيها عنف التكنولوجيا.

وحسب إريك فايل الفيلسوف الألماني الذي درس في فرنسا وحصل على جنسيّتها، وكان ضدّ العنف والوثوقيّة الدوغمائية، فإن «الوجه الآخر للحقّ ليس الباطل، بل العنف».

وبالرجوع إلى قاموس أكسفورد الإنجليزي، فثمّة علاقة بين العنف واستخدامه، وبين الانتهاك، فكلّ ما يدلّ على الانتهاك، فيزيولوجياً أو نفسياً أو لفظياً، يندرج تحت مفهوم العنف، مثل انتهاك الحرمات والاعتداء وخرق القانون وتدنيس المقدّسات والمعاملة السيئة والخشنة، وإلحاق الأذى الجسدي والفضاضة.

ليس هذا فحسب، بل إن اللغة بحدّ ذاتها يمكن أن تستخدم عنفياً، فالكلمة لها علاقة بالفكرة، والفكرة لها علاقة بالسلوك أي الممارسة، وإذا كانت اللغة عنفيّة فإنها انعكاس للفكرة التي يتم التعبير عنها بالممارسة، وهو ما بحثه فيلسوف اللّاعنف المعاصر الصديق جان ماري مولر.

العنف هو استعمال «القوّة» لإلحاق الأذى بالأشخاص، بشكل خاص، أو بالممتلكات، بما يخلّ بالحريّة الشخصية والحريّات العامة. أمّا اللّاعنف فهو لاءان، حسب الدكتور وليد صليبي، لا لعنف الذات، ولا لعنف الآخرين، واللّاعنف وحده يستطيع مواجهة طغيان الذات، وتلك ميزة كبرى.

والعنف هو نتاج التطرّف، فكلّ عنيف هو متطرّف بالضرورة، والتطرّف ابن التعصّب، وكلّ متطرّف هو متعصّب، وليس كلّ متعصّب هو متطرّف، ولكن إذا انتقل التعصّب إلى السلوك ومن التفكير إلى التنفيذ صار تطرّفاً وعند الممارسة يصبح عنفاً، والعنف إذا ضرب عشوائياً يصير إرهاباً، وحين يستهدف إضعاف ثقة المجتمع والفرد بالدولة، وإضعاف ثقة المجتمع الدولي بنفسه يصبح إرهاباً دولياً، خصوصاً حين يكون عابراً للحدود، وتلك معادلة طرديّة، خصوصاً صلة العنف بالإرهاب من جهة، وصلة العنف بالتطرّف والتعصّب من جهة أخرى.

وتحاسب القوانين الوطنية على استخدام العنف خارج نطاق الدولة والقضاء، في حين تخضع مساءلة مرتكبي الإرهاب والإرهاب الدولي إلى القوانين الوطنية والدولية أيضاً، بما فيها ارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحروب وتهديد السلم والأمن الدوليين وجريمة العدوان.

والعنف يمتلك قدرة على التدمير بما يحتويه من قوّة وغلظة. وأصل كلمة عنف في اللغة الإنجليزية Violence، جاء من اللغة اللّاتينيّة Violentia، وهذه المفردة بمعنى «قسوة» أو «شدّة» أو «إكراه» أو «إجبار» أو «قسر»، وكلّها معان تدلّ على «القوّة».

لقد تطورت المجتمعات البشرية من صيغتها البدائية، حيث القوّة والعنف، إلى تشكيلات الدولة الحديثة التي تمارس العنف المنظّم واحتكار السلاح وحق استخدامه بالمشروعيّة القانونية باسم سلطة الدولة ضدّ الخارجين عليها. وهو عنف «مبرّر» غير العنف المنفلت من عقاله، خصوصاً حين يرتبط بقواعد تربويّة «بيداغوجية» باعتباره عنفاً مشروعاً لتطبيق حكم القانون، وهو ما نطلق عليه المشروعيّة القانونيّة في إطار مؤسسات تشريعية وقضائية وتنفيذية، يقرّها المجتمع بهدف الدفاع عنه ضدّ أي انتهاك يستهدف أفراده وسلمه المجتمعي، لكن الدولة أحياناً تضخّم ذاتها وتعطي نفسها الحق في ممارسة العنف ضدّ خصومها من المعارضين لسلطتها، أو الذين يسعون للتغيير، فتحاول إلصاق تهم بالمختلفين، سواء في ما يتعلّق بالهويّة الوطنية العامّة أو الهويّات الفرعية، قومية كانت أم دينية أم لغويّة أم سياسية – اجتماعية.

وهكذا يخرج العنف المشروع أحياناً عن وظيفته، ويتحوّل إلى عنف ضدّ الهويّة لحساب هويّات غالبة، بزعم أنها هويّات كبرى، أو لها الأفضلية، أو الزعم بامتلاكها الحقيقة. وبالطبع يختلف العنف الذي تمارسه الدولة عن العنف المناهض لها، لجهة الوسائل المستخدمة والأهداف والغايات، على الرغم من أن من يمارس العنف باسم الدولة، سواء عن طريق التعذيب أو غيره، إنما هو ينتهك حق الإنسان في الحياة والعيش بسلام ومن دون خوف، ولعلّ وجهه الآخر العنف الأيديولوجي، أو العقائدي الذي تمارسه مجموعات سياسية، أو إرهابية لتحقيق مصالحها وتطبيق عقيدتها كما هي «القاعدة» و«داعش» وأخواتهما.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق