كانت القوى السياسية العراقية تدعو قبل الانتخابات وما بعدها إلى السرعة في تشكيل الحكومة، وبعد خلاف واختلاف، انسحب التيار الصدري من مجلس النواب ومباحثات تشكيل الوزارة المرتقبة، وما إن أعلن التيار، ذلك حتى أعلنت قوى في الإطار التنسيقي عن عدم المشاركة في الحكومة، فمن يتحمل المسؤولية اذن، ولماذا الهروب إلى الأمام خشية الإخفاق؟

لا شك في أنها معادلة غير منطقية تلعب عليها القوى التي تضرعت وبحماس منقطع النظير إلى تشكيل الحكومة، ثم تتقاعس عن المشاركة فيها.

ولم يحدث ذلك في ديمقراطيات العالم على الاطلاق، أن الأحزاب تتوانى عن الفوز بالحكومة من اجل خدمة شعبها، تأويل واحد لهذا التناقض، فهذه القوى ترفض تحمّل مسؤولية المستقبل، وتتدافع ليس لقبول التحدي، بل تنفر منه، خوفا من فشل محتمل، يحسب عليها، الذي يشجّع على هذه المعادلة الغريبة، أن هذه القوى لا تجد اية خسارة في عدم المشاركة، ولو ارتبطت مصالحها بالمشاركة في تشكيل الحكومة من عدمها لتحمّست لذلك، لكنها تنحسب منها لأنها تدرك أن لا تأثير سلبيا على امتيازاتها وسلطانها، إن من لا يعمل لا يُخطِئ، ومن لا يتحمّل المسؤولية لا يفشل، ومن يراقب من اعلى الجبل، ليس كمَنَ يحرث في الوادي، يبدو أن تلك القوى فضّلت الركون على جانب الطريق، مع الاحتفاظ بالامتيازات، فاذا تحكّم الفشل، قالت لسنا مسؤولين عنه، لكنها في الواقع مشاركة خلف الكواليس في المغانم والقرارات.

تخطّط الأحزاب والقوى المتنفذة لخطاب شعبوي، يلامس الشارع المتذمّر، وقد رصدتُ انها تسعى الى جذب الشباب، واستحضار التعبئة العمومية بالأنصار المؤدلجين.

وهذه العملية ليست من أجل الفوز بالساحات، حسب، بل هي تعويض لغياب الزعماء عن الشارع، شيعة وسنة وعربا وكردا، اذ أرصدُ اختفاءهم عن الجولات الميدانية.

ينطبق ذلك حتى على السيد مقتدى الصدر، الذي كان يحرص على الحضور الميداني الذي انكمش كثيرا.

بشكل عام، تتجه زعامات العراق المتعددة الى الابتعاد عن الأسلوب المترفع في الخطاب، والمعالجات التنظيرية، كالتي عُرف بها إبراهيم الجعفري، ساعية الى سلوك شعبوي يحقق من جديد سبل الرواج والمقبولية المتآكلة.

لنعترف أن النخبة “الحاكمة” أو “المتنفذة، باتكيتها السياسي، ومفردات قواميسها، لم تعد تبهر الناس، حتى وهي تتحدث عن إعادة انتاج ملفات مكافحة الفساد، والإصلاح، وحتى في الاستثمار في المشاعر القومية والطائفية.

أصبحت العلاقة بين الطبقات المسحوقة والغاضبة، والنخب، تقوم على الكراهية. وفي ظل ديمقراطية منفلتة، فان التعبير عن ذلك يتم بالسب والشتم والاشاعات في الشارع والاعلام والتواصل الاجتماعي.

يا للأسف، تكاد البلاد تخلو من الزعامات الكاريزمية التي تستطيع تحشيد الشارع المزدحم بالشعبوي والشعبي، وانتهى الأمر إلى فقدان الثقة بين الأطراف، بل أن السياسي العراقي أصبح منزوع الثقة في نفسه بسبب الإخفاقات، وشعوره بالانسلاخ عن الشارع، أقول: الزعامات العراقية متوترة، والشارع منفلت.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق