بعد قرون من التطور التاريخي لمفهوم الدولة، توصل ماكس فيبر (1864 – 1920) إلى أن الدولة هي «احتكار الاستخدام الشرعي للقوة المادية في بلد معيّن»، في حين كان ماركس يعتبرها «أداة قمع»، بغض النظر عن دورها في إدارة الشؤون العامة وتقديم الخدمات للمواطنين والفصل في نزاعاتهم. ولعل هذين المفهومين يركّزان على الجانب السيسيوثقافي – الأيديولوجي للدولة وتطوّرها وسلطاتها ونطاق اختصاصاتها، وهما مفهومان يلتقيان ويفترقان في العديد من المواقع، بل وهيمنا إلى حدود كبيرة على جانب مهم من دراسات الدولة والقانون وعلم السياسة.

وإذا كانت كل دولة تبحث عن شرعية، سواء كانت دينية أم وراثية أم فكرية، فإن طرائق قياس هذه الشرعية تختلف باختلاف خلفية كل نظام سياسي، ويبقى أمران أساسيان يتصدران أي تقييم:

أولهما: رضا الناس وقناعتهم بحكّامهم، وهو أمر طوعي لا يمكن فرضه بالإكراه، وهناك وسائل عديدة لمعرفة مدى قرب أو بعد هذه الشرعية من الحقيقة.

وثانيهما: ما تقدمه هذه الدولة من خدمات لمواطنيها؛ بحيث يقتنعون بأنها تمثّلهم وتلبي جزءاً من حاجاتهم الأساسية، ويتم التعبير عن ذلك من خلال فاعلياتهم وأنشطتهم قبولاً أو رفضاً.

وحين تتساوق الشرعية مع المشروعية، والمقصود بالأخيرة «حكم القانون»، فسيكون هناك تصالح تاريخي بين الفرد والدولة، وبين المجتمع والدولة، وهي الغاية التي تريد الوصول إليها أي دولة وأي نظام حكم وأي حاكم.

وقد رفض فيبر نظرية هيغل بشأن الدولة وهي التي هيمنت على نمط التفكير في القرن التاسع عشر، بالتأكيد على الغايات التاريخية للدولة، فلم تعد الدولة اليوم مجموعة من الوسائل المؤسسية التي تقوم على أيديولوجيا هدفها إضفاء الشرعية الخاصة بها على مجرّد تصوّر مبهم يقوم على غايات أخلاقية، بل تحوّلت إلى منظور مادي محايد أخلاقياً بشكل محض، وهو يمثّل أساس جميع النظريات الاجتماعية للعلوم الحديثة عن الدولة.

ليس فيبر وحده من رفض المثالية مقابل نظرية مادية صارمة عن الدولة، فقد قدم إيميل دوركهايم (1856 – 1917) وهربرت سبنسر (1820 – 1903) وغيرهما من علماء الاجتماع تصوّرات مختلفة عن الدولة الحديثة، وهكذا فالدولة تنشأ جرّاء تمايز اجتماعي متنامٍ حسبما جاء في كتاب براين نيلسون الموسوم «صنع الدولة الحديثة».

ولعل منافس فيبر على هذا الصعيد كان كارل ماركس (1818 -1883) وهما قطبان أساسيان في دراسات الدولة الحديثة، على الرغم من أن الأخير لم يقدم نظرية متكاملة حول الدولة، والأمر يربط بين السيسيولوجيا والسياسة والأنثروبولوجيا، خصوصاً بشأن تشكّل مصادر الدولة التي يدور النقاش حولها، ليس بين فيبر وماركس فحسب، بل بالمفهوم وتطوّره بعدهما، علماً بأن ماركس أسبق من فيبر، وكانت بعض آراء فيبر مستمدة من ماركس أساساً، حتى وإن ناقضها في الاستنتاجات، لكن ثمّة مساحة مشتركة تجمع بينهما.

وبقدر ما استند ماركس على دياليكتيك هيغل في فهم العلاقات الاجتماعية، إلا أنه ذهب بعيداً في نقد مثاليته، وربما كان أنجلز أكثر تطرفاً حين اعتبر الدياليكتيك يعمل في مملكة الإنسان والحيوان والجيولوجيا والرياضيات والتاريخ والفلسفة، وهكذا لا تكون الدولة شخصية لدى ماركس، كما تفترض الشرعية الليبرالية، بل هي مرتبطة بشكل عضوي بالتشكيلات الاجتماعية الأساسية، علماً بأن فيبر رفض فكرة الحتمية التاريخية الواردة في سرديات ماركس.

يؤكد ماركس وحدة النظرية والممارسة وهو ما جرى إهماله من جانب المتمركسين بعده. أما فيبر فإن فكرته تقوم على «الحياد القيمي» ويعارض فكرة التطبيق العملي؛ إذ لا يمكن فهم الفعل البشري بمعزل عن معانيه الذاتية، وهو ما أعطى لفيبر هذه المكانة الكبرى في السيسيولوجيا الحديثة وفي منظوره للدولة، في حين أن ماركس يطلق رأياً مفاده أن سلطة الدولة الحديثة التنفيذية ما هي إلا «لجنة لإدارة شؤون البرجوازية المشتركة» وركّز على علاقات الإنتاج التي تشكّل كامل بنية العلاقات الاقتصادية في المجتمع المدني.

لكن المفكّر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891 – 1937) يرى في «دفاتر السجن» أن الدولة الحديثة لا تقوم على إكراه الطبقة المهيمنة، بل على أساس قبول المواطنين بغض النظر عن موقعهم الطبقي.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق