أياً كان نوع النظام الذي يحكم، فثمة آلية تصنع بها القرارات والسياسات العامة والمواقف، ومن مراقبة محدودة تستطيع أن تعرف كيف تصنع القرارات؟ وكيف تتوقع نتائجها وآثارها؟ شغلت نظريات صنع القرار، الباحثين منذ زمن ليس ببعيد، لا سيما بعد اضطراد نمو العلوم السلوكية وتشابك علوم السياسة والادارة والنفس والاقتصاد، وبعد تزايد التركيز في دراسة أنماط عمليات صنع القرار في السياستين الداخلية والخارجية لغرض التوقع والتنبؤ، بما سيكون عليه السلوك السياسي في المستقبل القريب.

هناك مسار لعملية صنع القرار، ومراحل تستغرقها العملية، ثم عوامل البيئتين الداخلية والخارجية، بما فيهما من تحدياتٍ وضغوط إضافة إلى الأهداف والمعايير والامكانات، ثم ارتدادات القرار ونتائجه المتوقعة. اذن لعملية صنع القرار محطات يتداخل فيها التنظيم المؤسسي والتكوين الفردي والنفسي لصناع القرارات، ودرجة تأثير أعضاء حلقة صنع القرار، (قوة ونفوذ الأفراد)، في الأخير تخرج القرارات وتعالج حسب بنية النظام السياسي، رئاسي أم برلماني، أم نصف رئاسي، وتعكس الآلية نمط الأنظمة الحاكمة وأيديولوجية الحكم.

في عالمنا اليوم تستطيع وبعجالة أن تحدد وتفهم العناصر المؤثرة في صنع القرارات، من يخطط، من يرسم؟ من يصنع الأجواء؟ من يهندس المصالح المشتركة لممثلي القوى والمؤسسات الفاعلة؟

أمامنا على سبيل المثال النموذج الصيني، حيث يحتكر المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني القرارات وتظهر قوة وذكاء وعقلية رئيس المكتب ودوره المؤثر والمحوري، من دنغ تشاوبينغ صاحب أطروحة التحول الكبرى، التي بدأت عام 1980 إلى الرئيس الحالي تشي بنغ الذي يتوقع ان يستمر نفوذه إلى فترة أطول.

امامنا النموذج الروسي، ويستطيع المراقب أن يحدد دور الرئيس (بوتين) ونفوذه وقدرته على تمرير القناعات، وجعل المؤسسات الأخرى التي (تشارك؟) في صنع القرارات والسياسات كمجلس الأمن القومي والحكومة ومجلس الاتحاد (الدوما)، مستجيبة لما يدور في رأسه ليتكرر نموذج القيصر ومثاله الشهير بطرس الأكبر.

النموذج الثالث، النموذج الألماني، حيث تتكرس أعلى درجات التشاركية في صنع القرارات داخل الحكومة ومحورها المستشار، اذ تستطيع الأحزاب الحاكمة وممثلوها في الحكومة ونوابها في البرلمان ودوائر الاستشارة الاقتصادية والأمنية والستراتيجية في ضبط آلية صنع القرار، بما يحد كثيرا من انفراد حزب، او زعيم أو شخص نافذ، رغم ما للمستشار من أهمية كبرى في بلورة اتجاه السياسات عبر ما يحيط به من حلقات التخطيط والاستشارة والفكر، الذي يقف خلف البرامج الحزبية ومصالح الفئات الفاعلة في الحزب الاكبر ضمن الائتلافات الحاكمة. نموذج انجيلا ميركل وقبلها مهندس الوحدة الالمانية هلموت كول، والآن صار ممكنا التعرف على طريقة المستشار الجديد اولوف شولتز. هذا ما قدمته ألمانيا خلال العقود الأربعة الأخيرة.

هذه النماذج الثلاثة لا تحصر الأنماط السائدة في عوالم صنع القرارات في العالم. فهناك الكثير الكثير.

في بلادنا العراق، حيث تستمر الأزمات وتتوالد المشكلات، للمراقب أن يسأل كيف تصنع القرارات عندنا؟

من يفكر، من يخطط؟ أي مؤسسة تأخذ على عاتقها بلورة الاهداف، ثم كيف يتم بلوغ النتائج؟!.

أعرف أن الاعتراض سيأتي بسرعة ليقال إن مؤسسات الحكم لم تستقر بعد، وإن النظام ما زال في طور التجريب، ولم تحسم الوجهة النهائية لشكل النظام ومؤسسات صنع القرارات والسياسات فيه، نعم نحن في بداية طريق تشكيل هذه المؤسسات، وما زلنا نخطو خطوتين إلى الأمام، وربما خطوة او خطوات إلى الخلف، لكن ما أريد قوله، هو هيمنة مزاج الافراد و(بروفايلهم) الشخصي في عملية صنع القرارات، وخضوع الأشخاص النافذين إلى تأثيرات الحلقات المحيطة بهم، دون اكتراث للعوامل الواقعية، فآلية صنع القرار تبدو أقرب إلى الارتجال والشعبوية وتخضع لحسابات المصالح الفردية والفئوية، وتتأثر بالضغوط الاعلامية والنفسية (التخلي عن دعم الانتاج المحلي وتصفير التعرفة الجمركية مثالا، نزولا عند رغبة فئة المستوردين) دونما حساب للقيمة النهائية ونتائجها على اقتصاد وأمن البلاد، وما ينبغي أن تكون عليه سياساتها العامة ومواقفها الخارجية.

النموذج المعياري لطريقة صنع السياسات والقرارات، ما تجسد في كيفية طبخ واخراج قانون الدعم الطاريء للامن الغذائي، وقبله قانون تجريم التطبيع، ثم ما سيليهما من قوانين ذات تأثير سياسي وأمني واقتصادي في قابل الأيام.

تخيلوا كيف سيعالج العراق مشكلة المياه مع تركيا وايران؟، وكيف سيحدد مواقفه مما يجري في العالم وفي منطقتنا، حيث يحتدم صراع المحاور وتسعى الدول إلى ضمان مصالحها وأمنها القومي، بين من رسم السيناريوهات ويتصرف بمقتضاها، وبين من ينتظر ما ستؤول إليه الأحداث ليقرر كيف يتفادى أبلغ الضرر. نحن نفتقد إلى آلية سليمة وواضحة لصنع القرارات، وإلى آلية للمراجعة والتصحيح، اذا ثبت الخطأ والضرر في القرارات المتخذة.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق